القاهرة ـ «القدس العربي»: نظراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يحياها الشعب المصري، فليس مستغربا أن تطالعنا أخبار انتحار رب أسرة، أو شاب محبط، فقد الأمل في الحياة، قد يكون النيل هو المأوى، وهي مفارقة ما بين المقدس الذي كان، والمقبرة الكبيرة الذي أصبح يمثلها، حتى وصل الأمر بأن يقوم رجل بإلقاء طفليه في النيل، ثم يلقي نفسه بعدهما، خشية الفقر والظروف الخانقة.
فكرة أن يكون الانتحار هو الحل أصبحت شائعة ومكرورة، حتى اعتادها الناس، فيتأسون ويشفقون، ويستغفرون الله العظيم في النهاية. الموقف مأساوي بطابعه، ولا يحتمل أي تأويلات وتحليلات نظرية لا يسمع لها أحد، وربما من خلال الفن يمكن أن يكتشف الجمهور أسباب ما آلت إليه الأحوال، وربما نضحك أيضاً على أخطاء وتفاهات ومعتقدات، تساعد بدورها على تفاقم هذه الحالة. ومن منطق السخرية السوداء يأتي العرض المسرحي «شباك مكسور .. نظرية النوافذ المحطمة»، ليحاول الكشف عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى قيام رب أسرة بالتخلص منها خوفاً من معاناة أصبح لا يستطيع احتمالها. العرض من إنتاج فرقة مسرح الطليعة، أداء.. أحمد مختار، نادية شكري، مجدي عبيد، وليد أبو ستيت، علي كمالو، ربا الشريف، مروى كشك، مروان فيصل، وهند حسام الدين. ديكور وأزياء وائل عبد الله، إضاءة أبو بكر الشريف، موسيقى يحيى نديم، توزيع شريف الوسيمي. العرض تأليف رشا عبد المنعم، ومن إخراج شادي الدالي.

الحكاية والنمط
أسرة مصرية تتشابه مع العديد من الأسر، أصبحت تتساقط أحلامها شيئاً فشيئا، فتحاول الحياة بالتحايل عليها. يبدأ الأب بقوله إنه قد تخلص من أسرته، ثم يقوم بدور السارد للحكاية وشخوصها، وكيف كان هذا الفعل القاسي هو المصير المحتوم للحكاية التي انتهت واستعادها الأب/السارد. هنا يقوم بتقديم شخصيات عائلته أم، زوجة، ابنة كبرى، ابن، وابنة صغرى. ومن خلال مواقف أشبه بلوحات، يقوم الأب بالربط بينها، من خلال تعليقه الصوتي نعرف تفاصيل حياة هذه الأسرة ومَن يحيطونها.
يستعرض العمل موقف أجيال ثلاثة مما يحدث، الجدة التي تعيش في عالم افتراضي، تقابلها حفيدتها، والأب والأم حيث جيل الوسط، الذي ضاعت أحلامه سدى، ولم يتبق له سوى الحسرة أو الحلم بجنة موعودة.
يسكن الرجل في بيت عائلته، وقد توارثه بدون أن يضيف إليه شيئاً، وقد فقد البيت وزمنه مهابته، كما شخصياته أو الفئة التي يمثلها، أصبح متهالكا ومن خلال (شباك مكسور) غض الجميع الطرف عن إصلاحه، أصبح يطل على خرابة، حيث تنبعث منها رائحة كريهة لا يطيقها الجميع، ومع ذلك يصبرون عليها، ربما يأتي يوم وينصلح الحال! أما الزوجة، فهي كأغلب المصريات، تمارس طقوس التدين في شدة، بدون أن يمس التدين تصرفاتها، فهي مدرسة قاسية مع الأطفال، وما التدين إلا أملاً في جنة تدخلها تعويضاً عن دنيا لم تعشها. وتأتي أم الرجل، الجدة التي تعيش زمناً آخر، وتسترجع صباها من خلال مكالمة نفسها في تليفون محمول خرب، لا يتصل ولا يرد على أحد. هذا الخرف الذي طال المرأة العجوز يطول أيضاً أصغر أفراد الأسرة، الابنة التي تعيش على روايات الخيال العلمي والجن والعفاريت، حيث تنفصل تماماً عن واقعها، رغم حداثة سنها. وهناك ابنة أنجبت طفلين، ثم تركها زوجها وهرب من تكاليف الحياة وقسوتها، فعادت سيرتها إلى بيت أبيها. أما الابن فهو الطامة الكبرى، طالب في قسم الفلسفة في كلية الآداب، لا يجيد سوى الحديث عن الظلم ومحاولة تغيير المجتمع ــ بالكلام فقط ــ وينبغي على الإنسان العمل لتغيير أوضاعه ويشعر بآدميته، هذا الابن يمثل الصورة الانتهازية في الواقع، فيعطي صوته في الانتخابات، على سبيل المثال، لمن يدفع أكثر، فلا أفكار ولا مواقف يؤمن بها، مجرد ببغاء لا أكثر. وإمعاناً في التنظير الذي لا يملك غيره، يقوم بتفسير النافذة المكسورة في البيت، ويرى أنها سبب كل الشرور والكوارث التي تحل بهم، فهناك ما يُسمى بـ(نظرية النوافذ المحطمة) في علم الإجرام، والقائلة بأن نافذة واحدة مكسورة في مصنع أو بيت تفسده وتجذب اللصوص والمتشردين، وانتشار حالة الفساد عموماً، بدون أدنى محاوله منه أن يقوم بإصلاح نافذة بيته. تبدو الشخصيات هنا أقرب إلى الأنماط الفكرية وما تمثله من سلوكيات تتصارع في ما بينها، أو أن هناك قوة أكبر منها تسيطر عليها، ويستسلم لها الجميع، حتى التظاهر بمحاولات المقاومة لا يستطيع أحد أن يفعله.
المصير المحتوم
يستعرض العمل موقف أجيال ثلاثة مما يحدث، الجدة التي تعيش في عالم افتراضي، تقابلها حفيدتها، والأب والأم حيث جيل الوسط، الذي ضاعت أحلامه سدى، ولم يتبق له سوى الحسرة أو الحلم بجنة موعودة. وجيل الشباب، حيث امرأة لا تدري هل هي مطلقة أم أرملة، وآخر انتهازي لا يؤمن بما يصم به آذان أسرته ليل نهار. هكذا الحال، وهو ما أدى بدوره من خلال رمزية شباك الجرائم هذا ــ المكسور ــ أن يكون الجميع عرضة للاستغلال، فقد يبدو الشباك أحياناً كشاشة تلفزيون ــ سلطة غير مباشرة ــ وأخبار وموضوعات الفضائيات وتزييفها لوعي المشاهدين، وإقناعهم بالأمر ونقيضه في الوقت نفسه. كذلك يصبحون تحت رحمة أمين شرطة ــ سلطة مباشرة ــ يعرف أدق تفاصيل حياتهم، ويوهمهم بأنه يقوم بحمايتهم، ولولا وجوده سيضيع الجميع، بدون أن ينسى بالطبع استغلالهم مادياً في المقام الأول. فما الحل في هذه المأساة؟ وهل ما فعله الأب ــ إراحة أسرته بقتلهم ــ هو الحل الأمثل؟
السخرية هي الحل
ويبدو أن صانعي العرض حاولوا الاكتفاء باستعراض مأساة الأسرة، التي تتشابه ظروفها والكثير مع الأسر المصرية، فقد تجد شخصا أو أكثر من العرض نعرفه ويعرفنا أو ربما نحن. هنا كان لا بد من نهاية ساخرة، تحاول أن تعلو على الواقع. فالأب يضع السم لأسرته، فيأكل الجميع بشراهة غير معهودة، وبينما الرجل يراهم ويتأسى، فإذا بالسم مغشوش، لأنه يحمل عبارة «صُنع في مصر». ولا أدل من عبارة كهذه يمكن أن يُختتم بها عرض مسرحي يتناول حياة المصريين في اللحظة الراهنة.