العرض المسرحي «لما روحي طلعت»… ماذا لو صادفتك الفرصة لتنتقم؟

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: وفق رؤية أن الضحك هو أعلى مراحل اليأس، أو ما بعد الشعور الشديد بالألم، تصبح الكوميديا هي الأسلوب الأمثل لمعالجة القضايا المزعجة والمستعصية على الحل. ووفق هذا الأسلوب تدور أحداث مسرحية «لما روحي طلعت»، التي قُدّمت على مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية في أكاديمية الفنون، ضمن عروض (مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري) الدورة الثامنة. العرض تأليف مصطفى حمدي، ديكور يوسف سعيد، إضاءة وليد درويش، ملابس أميرة صابر، استعراض بيبو صبحي، ومن إخراج علاء حور.

محاولة تجاوز الإهانة

(فتحي) شاب أهانته الحياة، فقرر الاستهانة بها (الانتحار)، حتى هذا القرار تتم مقاطعته ممن حوله، فالبواب مثلاً يطالبه بتسديد فواتير الغاز والكهرباء وقبلهما الإيجار المتأخر، بل اشتراك الأسانسير، رغم عدم وجود أسانسير. وبما أنه لا يمتلك شيئاً، يجبره البواب على أن يعمل في خدمة امرأته، بأن يحضر لها طلباتها من الخارج، بل يجعل الشاب يشكره على ذلك وأن يحفظ له الجميل!
وبعد معاناة يتوصل إلى حالة من صعود الروح، ولكن يظل الجسد حياً، لا يستشعر شيء وقد غادرته روحه. فما كان من صديقه الوحيد (فتلة) الذي يعمل «صبي مقهى»، ويُشاركه غرفة فوق سطح أحد المنازل في حارة شعبية، بأن يستحضر له نصاباً يدّعي التواصل مع الأرواح، حتى يردّ له روحه الضائعة، إلا أن الرجل يستحضر له عدة أرواح لا تشبهه، وبعيدة عن روحه الأصلية.. بلطجي شعبي، رجل عصابات، ابن طبقة مُترفة، وامرأة. فيعيش فتحي من خلال هذه الأرواح، وهو طالب الحقوق، الذي لم يستطع التخرج في كليته طيلة عشرة أعوام، ليظل محل سخرية الجميع. فكيف سيجتاز مقرراته الدراسية بنجاح، وهو على أرض الواقع محروم من جميع حقوقه!


هذه الأرواح/الشخصيات التي تتبادل مواقعها من خلال فتحي، والتي تتصرف وفق ما يقتضيه الظرف، تجعله ينتقم من الجميع، فخطيبته التي غادرته إلى آخر ميكانيكي صاخب الصوت، تعود إليه صاغرة، فقد ضرب فتاها وأظهر لها ضعفه وتفاهته من خلال شخصية البلطجي، وتودد إليها وأغواها من خلال شخصية ابن الطبقة المترفة، حتى أتاها قبل الزواج، وتركها تتوسل وتبكي شرفها الضائع. وعن طريق شخصية المرأة أصبح يوسوس لصاحبة المنزل ــ أم حبيبته ــ لتتزوج بزوج صديقتها، وألا تكتم حبها ورغبتها في الرجل، حتى صديق طفولته الوحيد خلق منه تاجر مخدرات تطارده الشرطة من خلال شخصية رجل العصابات القوي. فطريق الانتقام لا ينتهي، حتى إنه أصبح رغبة في ذاته، وقد ظن الشاب المقهور أنه انتصر وتحقق واكتمل وجوده بالتخلص من كل ممن حوله، حتى صديقه، ولو من دون قصد.
يحاول فتحي بعد سَكْرَة الانتقام أن يستفيق على الكوارث التي طالت الجميع، ولا يجد إلا في موته الفعلي تكفيراً عما حدث، ولكن للشخصيات حياة تعيش من خلاله، وبالتالي عليها منعه من الانتحار هذه المرّة، فوجودهم موقوف على وجوده، رغم سكبه الجاز فوق رأسه، ليُشهِد الجميع وأرواحه الشريرة أولهم على خلاصه، ليبدو الاختبار هنا غاية في الصعوبة بين لذة الانتقام والخوف، بل الرعب من نقاء غادره ويخشى ألا يعود سيرته. ليتسرّب التساؤل إلى المُشاهد ماذا لو أتيحت له الفرصة ليمتلك شجاعة الانتقام؟ خاصة أن في الفعل لذة وسعادة ولو مؤقتة. وماذا لو امتلك الشجاعة الأكبر، والمتمثلة في العودة كما كان!
ومنه يصبح العرض رومانتيكياً بشكل أو بآخر، دون أن يتعدى ليصبح عرضاً ثورياً على ظلم مقيم، وقد ربط منذ البداية أفعال البطل الثأرية بقيم منحطة وأفعال شريرة، متمثلاً نظرية (أرسطو) في الدراما، ومفهومها الأساس (التطهير) لتكون النتيجة العودة إلى حالة الاتزان، لدى المتفرج في النهاية، وبالتالي لا فائدة من التمرد، وليكن حلماً وفعلاً مسرحياً لا أكثر ولا أقل.

الأسلوب

ونعود إلى الأسلوب الذي انتهجه المؤلف وجسّده المخرج عبر العناصر المسرحية، من ديكور وإضاءة وتصميم ملابس ورقصات، وأداء الممثلين الغارق في تجسيد شخصيات واقعية، ولكنها لا تنتمي إليها بصورة تامة. إضافة إلى تجسيد الأرواح الشريرة عن طريق راقصين يحاولون امتلاكه والسيطرة عليه طيلة الوقت.


فكانت الكوميديا هي الحل الأمثل، وإلا لأصبح العرض مأساوياً بدرجة كبيرة، عندها سيفقد الكثير، فالأسلوب الكوميدي أتاح المقارنة الدائمة بين لغة الشاب الذي لم تنصفه ثقافته أمام صديقه المسطول على الدوام، الذي يتحايل على الحياة ومشكلاتها بالحشيش، من باب «أهي عيشة والسلام»، بينما المأزوم، يتحدث لغة لا يفهمها أحد، وكأنه منذ البداية لا يتحدث إلا مع نفسه. من هنا تأتي المفارقات، فهو يحب فتاة لا تتفهم كلماته، إلا عندما تحدث لغة وإشارات تعيها جيداً ــ شخصية المترف الذي يجيد التعامل مع الفتيات ـ ليصل معها إلى كل لم يكن يتوقعه أو يتخيله بينه وبين نفسه، وهكذا بكل بساطة، وقد صدّقته حينما كذب. الشخصيات بدورها مبالغ في أفعالها وتصرفاتها، من صاحبة البيت الجشعة، وابنتها التي تريد شاباً قوياً يهابه الجميع، جدير بحماية جمالها، الذي تتباهى به في الحارة، ولا يهم إن كانت تحبه أم لا، فعندما أهانه البطل وقد حلت به روح البلطجي، تركته فوراً، فهي لا تحب إلا تصوراً في مخيلتها ليس أكثر.
الملمح الآخر للأسلوب الكوميدي في العرض هو، التخلص من فذلكة وسفسطة كانت ستصيب الحكاية، لو انتهج أصحابها أسلوباً تراجيدياً، ولنا في تاريخ المسرح المصري الكثير من الأسوة السيئة، ما بين الجعجعة والصخب الفارغ والبلاغة التافهة، التي يهلل لها النقاد بأنها من الأعمال العظيمة، التي تعبّر عن مجد المسرح المصري الغابر، والتي لو أعيد تقديمها الآن لنالت الكثير من السخرية ـ السخرية وليس الضحك ـ وهو ما يؤكد فكرة أن التراجيديا، محل دائم للسخرية، بمعنى أن نضحك منها، لا أن نضحك معها، كما في الكوميديا الواعية، فهناك أيضاً فارق شاسع بين الكوميديا والإسفاف، والمسرح التجاري في أغلبه خير مثال، لاسترضاء جمهور يستسيغ الجهل ويتعايش معه.
يُذكر أن النص المسرحي تم تقديمه، من خلال عدة فرق مسرحية مختلفة على مدار السنوات السابقة، ما يعني أن الظرف الراهن كان ولم يزل مستمراً، وفي صورة أشد قسوة وقتامة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية