القاهرة ــ «القدس العربي»: فتاة جميلة متمردة، تعيش الحب والحرية والجنون، تقرأ الطالع وتعمل بالتهريب، لا تعترف بقانون سوى حريتها المطلقة، وبالتالي تعرف مصيرها تماماً، يدون أن تتراجع لحظة. هذه هي شخصية (كارمن) التي كتبها الفرنسي بروسبير ميريميه عام 1845 ــ إستوحاها من حكاية حقيقية حدثت في إسبانيا ــ وخلدها جورج بيزيه في أوبرا شهيرة عام 1875. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف شخصية كارمن عن إلهام الفنانين واستحضارها للتعبير عن لحظات فارقة في حياتهم وحياة شعوبهم على اختلافها، سواء من خلال الفن التشكيلي أو المسرح أو السينما، ولا ننسى الفيلم الشهير لكارلوس ساورا، الذي اتخذ من ثيمة الحرية المطلقة ومحاولة الاحتفاظ بالجمال المطلق، ومصير ذلك على الشخصية الرئيسية وعاشقها، الذي تحوّل من جندي بسيط إلى مخرج مسرحي يفشل عندما يوضع في اختبار حقيقي لمعتقداته التي طالما حلم بوجودها وتحققها ماثلة أمام عينيه في روح وجسد وعقل فتاة تدعى (كارمن).
كارمن بالمصري
على خشبة مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية، يُقام حالياً العرض المسرحي «كارمن» وهو إعادة لسرد حكاية كارمن، من خلال الأداء الراقص والأشعار المُغناة ومحاولة دمج الموسيقى والأغنيات الشعبية مع موسيقى أوبرا كارمن، خاصة المقطوعات الأكثر شهرة منها. وهي محاولة لتمصير الحكاية، بدون الخروج عن خطوطها الأساسية. العمل أداء .. أحمد عادل، أحمد مرعي، أدهم شكر، إيمان ثابت، حسين الشافعي، رانيا زهرة، سلمى طارق، مارينا مجدي، محمد جاد، محمد السوري، محمد غزاوي، محمد محمود، مريم منصور، منى أبو ضيف، ونور هاشم. ديكور محمد العبد، إضاءة صابر السيد، أزياء ريهام زهرة، موسيقى سعد ممدوح، مخرج منفذ محمد كرار، إخراج ريم حجاب.
رغم بساطة الإمكانات المادية ــ لكن الموهبة والوعي والصدق الفني مفردات تخلق حالة تفرض نفسها على المشاهد، وهو ما انتفى تماماً عن العرض الموسوم بـ «كارمن»، الذي لا يعدو أكثر من ثرثرة فارغة تدّعي الفن.
العرض المسرحي
من خلال مجموعة من الفتيات (عاملات المصنع) ومجموعة الشباب (الجنود) تتوزع الحكاية، فلا هناك كارمن منفردة ولا خوزية مفرد، فالجميع يتبادلون حوار وأداء الحكاية، كلهم خوزيه وكارمن، وهي فكرة جيدة بأن يتحول الجميع إلى شخصيتي العرض، ولكن محاولة التمصير وافتعال الحالة أصبحت تثقل الحكاية الأساسية، ناهيك عن المونولوجات الموسومة بالأشعار العامية المصرية ذات الأوزان الشعرية المُستهلكة. فالفنان خوزية أصبح جنديا من الجنوب، يأتيه خطاب من أمه، وما كلمات خوزية سوى أبيات مملة تنفصل عن العرض والحكاية، ولا تتوافق والأداء الحركي للممثلين، كلمات تذكّرك بخواطر الهواة الذين يظنونها شعراً، ويتغنون بها ليل نهار. الأمر كذلك في العرض تكرارات للكثير من العبارات، وأداء مُتكلف وأصوات مرتفعة وكأننا أمام تأدية نص من نصوص المسرح اليوناني، حسبما تواتر إلينا من سمات ممثلي ذاك العصر، المبالغة في الأداء والصوت والحركة، حالة الإيحاء والإصرار على أن ما يتم تقديمه (حاجة مُهمة) شيء يثير الضجر إلى أقصى حد، إضافة إلى حالة الجديّة المُفتَعلة، خاصة عند الحديث عن الحرية وتجاوز القوانين التي تحد من الشعور بالإنسانية، كلمات مُستهلَكة حد السخف.
والسؤال الذي يبدو بدهياً بعد مشاهدة العرض.. ما الدافع لتقديم عمل فني، خاصة وهو مأخوذ عن عمل معروف، يعد من الأعمال المرجعية في الدراما؟ ماذا رأى فيه الفنان، وماذا ــ وهو الأهم ــ سيضيف أو كيف سيُعيد تأويله حسب تجربته وخبراته، أو حتى أزمة يريد التعبير عنها أو تجاوزها من خلال تقديمه لهذا العمل؟ أسئلة قد يجيــــــب عنها عرض لفرقة مغمورة من فرق الهواة، لديها بالفعل هَم فني يريد أصحابه التعبير عنه ــ رغم بساطة الإمكانات المادية ــ لكن الموهبة والوعي والصدق الفني مفردات تخلق حالة تفرض نفسها على المشاهد، وهو ما انتفى تماماً عن العرض الموسوم بـ «كارمن»، الذي لا يعدو أكثر من ثرثرة فارغة تدّعي الفن.