العرض لم ينته

حجم الخط
0

أمجد ناصر

علي نحو ما تفعله الذاكرة، أعادت إلي هذه الأيام أياما أخري من هلع وطائرات وفتيان يصوبون فوهات يدوية نحو قلاع طائرة من دون جدوي.

كان هناك بحر مخيف تربض في مياهه الساكنة تماما، ضباع تتشمم رائحة أجساد فتية تركت علي شواطيء مهجورة، وكانت هناك شوارع يتقافز فيها، من جهة إلي أخري، أناس حشرتهم (سلامة الجليل) في زاوية صغيرة، أتذكر فتاة في نافذة مقابلة تسرّح شعرها بين غارتين، فتنبعث الرغبة التي هوت بين كتل الردم الكنكريتية الكبيرة، وأتذكر رجلا، كان كاتب سير شعبية في أزمنة مقاهي الرصيف الزجاجية، يمشي وسط شارع مهجور وبيده علبة تبغ، يتطلع إلي السماء المحتلة بالأجسام الطائرة ويقول لي وأنا ألوذ بجدار علي الطرف الآخر من الشارع:

يبدو أنهم جنوا تماما!

لم أكن وحدي من وجد نفسه عرضة للهبوب، يهبط درجتين درجتين سلم بناية تسدد إليها الطائرات صواريخ تغوص في غرف النوم، وتترك فيها رائحة لا تشـــبه روائح غرف النوم عادة.

شممت هذه الرائحة في (بيتي). رأيت مرور صاروخ من غرفتين. وحده سرير (يارا) الخيزراني ظل شاهدا علي أن لي ظلا يحبو علي الأرض. لست وحدي من تعبث به الذاكرة، من تتراقص أمامه صور كتلك الصور التي سالت من الشاشات. لا بد أن (غسان) يجلس، الآن، جلسته المصممة لاحباط سلاح طيران كامل من فرط عبثيتها ويدخن بلا انقطاع في مهب هذه الذكريات، وقد تتحسس (ناتاشا) ثقل بطنها الذي كان يحمل (مكسيم) وهي ترقي أدراج بناية بلا مصعد إلي شقة في الطابق الأخير المشرف علي حطام مدينة من دون أن يهزّ الهدير ثقتها بانتصار فكرة قرأتها في الكتب.

صاحب البيت الذي لجأنا إليه بعد أن غادر إلي منطقة آمنة لا بد أنه يتذكر مخطوطاته في النقد التي تركها إلي جانب علب المهدئات الفارغة. وحده الصحافي الجسور الذي كان يتفقد مرور الطائرت في (الكولا) و(شارع الطيبي) وأمام (مطعم الأندلس) لن يشعر بما نشعر به الآن، لأن الذي نجا من ألف طلعة جوية مات برصاصة غادرة بالقرب من (الأكروبول). أما (محمود) الذي لم يلتفت كثيرا إلي الوراء ويظهر أمامنا مهندما ونحيلا ويظهر بلا ندبة من حنين، فيكتب يوميات كقصيدة نثر.

يقول إن الصيف لا يصلح للإنشاد، ولكننا مع ذلك نردد إنشاده عن نجمة أخيرة. رأيت (سلمي) في مدينة الحجر الأبيض فأعادت إلي الذاكرة خطوتها الخافتة بين صالة الجلوس والمطبخ فيما (زكريا) يترقب بعينين ثابتتين اشتعال الليل المتوجس كشجرة عيد ميلاد بربري في أي لحظة.

لكن الذين يدمرون أحياء بأكملها انطلاقا من خارطة معلقة علي جدران غرفة هيئة الأركان لم يصلوا إلي مدينة منقسمة علي اسمها ونسبها، فظلوا يتلكأون عند الحدود.

بإمكانهم، طبعا، ممارسة تفوقهم المشهود في الإيقاع بالأرض والجسور وصنع مناحات علي بشر لن يروا أشلاءهم المقطعة إلا علي الشاشات، عندما يتناولون شايهم في نوادي سلاح الجو، لكنهم يعرفون أن للبطولة اسما آخر أقل تعاليا من قلاعهم الطائرة، فيحارون في تسمية صنيعهم رغم كثافة المربعات الصغيرة المؤشر عليها بالأسود في دليل أهدافهم.

لم يصلوا، هذه المرة، إلي أسوار المدينة، لأنهم لا يستطيعون أن يمشوا علي الأرض، أن يترجلوا من مركباتهم الفولاذية، حتي هذه، مفخرتهم في صنع حديد غير قابل للذوبان، لم تتمكن من اجتياز أكثر من تلة أو تلتين.

رأينا المركبات تحترق ولم نر من أحرقها. يقولون إنهم أشباح يطلعون من أي مكان، يقولون إننا لا نعرف وجوههم، لا نفرق بين وجه الشبح ووجه الفلاح.

علي نحو ما تفعل الذاكرة، تتداعي إلي الصور والأصوات والروائح المضغوطة، لا أعرف إن كنت (هنا) وراء شاشة تلفزيون أم (هناك) في بناية ستتفرغ، عما قليل، من أنفاسها، وتهوي كعلبة من الورق المقوي علي الأرض.

لكن فضيحة البنيان المرصوص أوضح هذه المرة، فضيحة العربية التي تقلد عبرية مفبركة أكبر من يسترها جمع المذكر السالم. سيحاولون، الآن، أن ينهوا البطولة الفذة علي شاشة تلفزيون، سيقولون بالعربية الركيكة والعبرية المفبركة إن العرض الذي استغرق شهرا كاملا بنجـــاح منقطع النظير انتهي. فما دام كل شيء رأيناه علي الشاشة سينتهي، أيضا، علي الشاشة، ولا أثر لظل طائرة علي الأرض، لا أثر للبارجة التي ابتعدت في عرض البحر وهي تعوي، ولا وجوه للذين كانوا يدفعون المركبات بمناكبهم، فالأشباح لا تترك أثرا.

لكنهم مخطئون.

فالعرض لم ينته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية