قد يكون قدر المواطن العربي ليس حكرا عليه في عالم من الصراعات والتجاذبات المذهلة، لكن خصوصية بيئته العربية غير المستقرة، وما تعانيه من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد أصبحت كابوسا لا يفارقه، وهاجسا لا يخرج منه، وحتى لو تقلصت وتزينت وتلونت أدوات قمع الحريات، وحتى لو دقت أجراس اجتثاث الفساد ومعالم التقهقر الإنساني والحضاري، وحتى لو أبصرت الشعوب والمؤسسات ضرورة تحجيم ومحاربة الاتجاهات والأيديولوجيات المتسمة بالتعصب والتطرف ونكران الآخر وعدم تقبله، رغم كل ذلك فقد بقي الواقع العربي أسيرا لمجتمع ومنظومة دولية أضرت به ولم تساعده، وكثيرا ما ظلمته ونادرا ما أنصفته. لقد بقي حق الفيتو وهو حق الاعتراض في ميثاق الأمم المتحدة، بقي حق إجهاض وإجحاف يعزز سياسات ومصالح الكبار على حساب مطالب وسيادة الصغار، عدا كونه حلبة من التصارع وعرض العضلات لعقود طويلة من الزمان، فالفيتو قد مكن الولايات المتحدة من تقديم أفضل الدعم السياسي لإسرائيل، وذلك بقتل أي قرار دولي يلزم إسرائيل بضرورة وقف احتلال واستيطان الأراضي الفلسطينية، أو حتى قرار يدين الاستخدام الإسرائيلي للقوة المفرطة ضد الشعب الفلسطيني، أما في لبنان الذي طالما استبيح أرضا وبحرا وسماء فحدث ولا حرج! وبين ليلة وضحاها يصبح الصراع العربي بينيا وداخليا، أدواته الأنظمة والشعوب، وساحاته المدن والقرى بشوارعها وأزقتها، فالمحرقة السورية تتصاعد وتشتعل، وتصبح روسيا غطاء دوليا لنظام فقد شرعيته، وداعما لإجرام وتدمير لا يقارن بغيره، فتكون روسيا وهي وريثة الاتحاد السوفييتي في مقدمة المستخدمين أو الملوحين باستخدام حق الفيتو، متناسية أن قواعد الحرب الباردة قد تغيرت، وأن دماء الشعوب أغلى من أن تقارن بتحنيط الأنظمة وتجميلها، فسوريا المدمرة والمستباحة ليست صرب البوسنة، وليست قبرص ولا غيرها، وفي النهاية يبقى المجتمع الدولي عاجزا عن واجبه القانوني والأخلاقي كعادته، فلا إدانة لجرائم النظام الظالم بحق شعبه السوري المغلوب على أمره، ولا حتى مجرد الضغط للالتزام بتوفــــير مدخــــل غير مقيد لتقديم الإغاثة الإنسانية، بينما تــؤكد الأمم المتحدة أن قرابة نصف سكان سوريا يحتاجون المساعدة العاجلة، وأكثر من مائة ألف شخص قد قتلوا ولم تعد الذاكرة الروسية تعدهم أو تحسِبهم. ربما كان العرب ومنذ ضياع فلسطين ولغاية حرق سوريا وتدميرها، ضحية تقاطع لمسارات وغايات وخرائط أكثر مما يحتملون أو يستوعبون، وربما كان حالهم في ما بينهم سبب ودافع لأطماع وتدخلات دولية تبدأ ولا تنتهي، وربما قد غدت مصالحهم المشروعة وحقوقهم التاريخية لا تنفك تصطدم بالفيتو من كل حدب وصوب. لقد كان وزير الخارجية الروسي الأسبق ‘أندريه غروميكو’ يلقب بـ ‘السيد نيت’ أي السيد ‘لا’ ، من كثرة استخدام الاتحاد السوفييتي لحق النقض مرات عديدة، فهل أصبحت العروبة واهية ومظلومة ومحكوم عليها بأن تبقى ‘العروبة نيت’!. م. زيد عيسى العتوم