العريان واليسار المصري

حجم الخط
0

عناية جابرفجأة عاد اليسار إلى الواجهة السياسية في مصر من خلال تصريحات نارية نسبت للسيد عصام العريان القائم بأعمال رئيس ‘حزب الحرية والعدالة’ التابع لحركة ‘الإخوان المسلمين’وجه العريان نقدا عنيفا لليسار العربي عبر حسابه على التوتير قائلا : ‘إن النفوذ الأجنبي والتمويل الخارجي والهاجس الأمني والتشرذم والتفتت وإهمال دور الدين بل احتقاره والنخبوية والتعالي على الشعب أبرز أسباب فشل اليسار’، مضيفاً ‘إن القيم الإنسانية كالحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية جاءت بها الشرائع السماوية’. وبعيدا عن ردود الفعل التي أثارها مثل هذا الكلام في أوساط اليسار المصري فإن عودة العريان إلى مهاجمة اليسار في هذا الوقت بالذات لا يمكن عزلها عن حركة الصراع الجاري حاليا في مصر وبقية أرجاء العالم العربي. فالعريان ليس مفكرا اومنظرا يتناول اليسار كفكر بل هو رجل سياسي بامتياز، كما انه غير معروف بميوله اليسارية حتى ينقد اليسار انطلاقا من حرصه عليه. لا أتصور أن السياسي العريان نبش موضوعة اليسار اليوم لكي يقدم بحثا أكاديميا او جامعيا عن أسباب فشل اليسار في العالم العربي. توجيه سهام النقد إلى هذه الفئة السياسية بالذات هو بالأحرى الان مناورة تدخل في لب الصراع السياسي لا في باب النقاش الفكري.إن الضعف البنيوي الذي يميز اليسار العربي عموما والمصري على وجه خاص لا يبرر هجوما من هذا النوع من قبل أهل السلطة الجديدة في مصر. فاليسار بمجمله سواء كقوى منفردة أم مجتمعة لا يشكل خطرا مباشرا اليوم على السلطات الجديدة التي جاءت على قاعدة الانتفاضات الشعبية التي حصلت في مصر وغيرها. ومن جهة ثانية فإن نجاح الرئيس المصري مؤخرا بترسيخ شرعيته عبر إبعاد رموز المجلس العسكري عن السلطة الفعلية وحصرها بيديه وحده أمور كان من المفترض أن تثير الارتياح لدى ‘عشيرته’ لا القلق. التوازن السياسي الداخلي الظاهري يميل أكثر فأكثر لصالح الإخوان بدون أي نقاش. فالمساكنة مع العسكر قد تم تجاوزها مبدئيا كما تم تجاوز الحاجة إلى القيام بتنازلات لقوى الثورة الأخرى من اجل مواجهة العسكر الذين كانوا يمسكون بالدفة الفعلية للسلطة. كل ما جرى للإخوان حتى الآن، على الصعيد السياسي، هو من النوع الذي يرسّخ، في الظاهر، حكمهم ويعطيهم هامشا واسعا من الحركة والمبادرة لتطبيق برامجهم وإرساء قواعد الحكم الجديدة. غياب معارضة جدية منظمة، ضعف العسكر نسبيا، دعم دولي واضح، حكومات صديقة في الإقليم إجمالا، عناصر يجب أن تعطي حكم الإخوان ثقة راجحة بأنفسهم فمما يقلق العريان؟اغلب الظن أن هجوم العريان على اليسار انعكاس لازمة كبيرة استشعرها الأخوان مسبقا إذا جاز القول. فالوصول إلى السلطة في الظروف التي نعرفها سهل أما مواجهة المشاكل الحقيقية للشعب المصري فمسالة أخرى كان يجب التفكير بها مسبقا. العريان يعرف أن الأخوان يخشون مجابهة المأزق الاقتصادي الاجتماعي الهائل. وهو يعرف ان جعبتهم في هذا المجال خاوية خواء من سبقهم في السلطة، أي نظام مبارك. فبرنامج الأخوان لا يتضمن أي تغيير فعلي بالنسبة لما سبق. فهم ليسوا ضد الاقتصاد الريعي ولا ضد التبعية للنظام المالي العالمي وشروط البنك الدولي فمن أين سيأتون بالحلول وملايين فرص العمل التي يستوجبها وباء البطالة في مصر وفجائعيته؟ العريان يعرف تماما أن سياسة الإخوان الثورية لم تتضمن إلا الوصول إلى السلطة أما التدابير والبرامج الضرورية الاقتصادية لامتصاص البطالة وإقامة اقتصاد منتج مستقل عن الريع ومصالح بيوت المال الغربية، ولإيجاد مساكن لملايين شباب العشوائيات والمقابر، ولإيجاد ما يسمح لهم بسد رمقهم بشكل طبيعي وإنساني وبالحد الأدنى من الطبابة والصحة، فكل هذا وغيره الكثير لم يلحظه الأخوان إلا عبر برنامج ‘الصدقات والإحسان’. مبرر الهجوم العرياني على اليسار ليس في ميزان القوى السياسي الحالي بل في استشعاره لوجود ديناميتين متناقضتي الاتجاه. الأولى يمثلها الإخوان المسلمون وهي مأزقية وبدون أفق فعلي والثانية دينامية صاعدة لأنها تمثل القوة الكامنة لليسار المصري والعربي عموما. مأزقية الأولى ناتجة عن غياب مصلحة الأخوان في إيجاد الحلول الجذرية لمشاكل مصر الفعلية بسبب تمثيلهم الاجتماعي ورؤيتهم العقائدية وتحالفاتهم الدولية والاقليمية. والثانية صاعدة بالقوة لأنها صاحبة مصلحة ولان تمثيلها وفكرها يجعلها الأكثر كفاءة من الناحية المبدئية على التصدي لهذه المعضلة .مأزق الإخوان الفعلي يكمن في تمثيلهم لقوى اجتماعية وسياسية ترعرعت في قطاعات التجارة الصغيرة والعمليات المصرفية الوسيطة والبسيطة. وهو يكمن في خلفيتهم العقائدية والفكرية التي تمجد الريع والتجارة والعمليات المالية. مفهومهم عن الاقتصاد توزيعي لا إنتاجي. ومن نكد الدهر عليهم أن كل ما يؤيدون في هذا المجال كان من الأسباب الرئيسية التي فجرت الشارع المصري ودفعت بالملايين لاحتلال الميادين .أقصى طموحهم يتمثل بمعالجة الوضع عبر محاربة الفساد في الإدارة السابقة، أي بمحاولة توسيع قاعدة التوزيع الاجتماعية. مثل هذه السياسات لا تعدو كونها عمليات تجميل لأزمة اقتصادية لم يعد ينفع معها إلا الجراحة. هجوم العريان على اليسار دلالة على الأزمة الجوهرية التي تعصف بحكم الإخوان المسلمين في مصر كما في بقيـــة البلاد العربية وهي دلالة أيضا على قوة اليسار المستترة الممكنة من ناحية المبدأ، اللهم إذا عرف هذا اليسار أن يردم الهوة بين واقعه الحالي وبين إمكانياته الكبيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية