«العشاق وحدهم بقوا أحياء» للأمريكي جيم جارموش: ملحمة عاطفية حائرة في الزمن ومحكومة بواقع بارد

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» ـ من زهرة مرعي: في 22 أيار/مايو المنصرم انطلقت في صالة سينما متروبوليس ـ سنتر صوفيل في بيروت من جديد عروض فيلم Only Lovers Left Alive أو «العشاق وحدهم بقوا أحياء». وكان الفيلم قد مرّ سريعاً ضمن عروض مهرجان السينما الاوروبية لهذا العام في الصالة نفسها ولقي اقبالاً كبيراً.
«العشاق وحدهم بقوا أحياء» هو الفيلم رقم 19 للمخرج الامريكي جارموش والذي يشكل امتداداً للسينما الامريكية المستقلة التي وقفت بمواجهة سينما هوليوود. هو فيلم يدور في جو رومنسي داكن اللون، هادئ النبرة، مقتصد في التعبير الناطق، متمهل الحركة، يحكي قصة عاشقين موغلين في الزمن الغابر، لكنه في الحقيقة فيلم يفتقد إلى الحب والحياة والحنان، وقد يكون هو الواقع الذي يرغب المخرج التعبير عنه. اذاً هي الرومنسية الممزوجة برعب يكمن للمشاهد في كافة الزوايا المتوقعة وغير المتوقعة. يرصد الفيلم درامياً قصة ملحمية عن عاشقين جمعهما الحب في كل زمان ومكان. في مسار الفيلم أن البطل أدم يؤديه «طوم هيدليستون» هو مؤلف لموسيقى الإندرغراوند، ضاق ذرعاً بالطريق الذي سلكته البشرية، مما اصابه بإحباط كلّي، فعزل نفسه في منزله بعيداً عن كافة موبقات البشرية، وراح يكتب موسيقى الجنازات. يلتقي بحوائه وحبيبته إيف «تيلدا سوينتون»، وهما معاً مصاصا دماء، وحبهما بدأ منذ عدة قرون. هذا الحب الذي كان مجنوناً في أيام مضت يخضع للاختبار الصعب بسبب دخول أفا «ميا واسيكوسكا» فجأة على حياتهما فتبدل المعادلات.
في السياق الدرامي للفيلم يعيش آدم في بيت عتيق يقع بين أنقاض مدينة ديترويت «ربما هي ديترويت المهجورة صناعياً»، وفيما البيت يكتسي لون الكآبة ويفوح بطعمها المؤلم، كذلك هو حال الصورة من الخارج. صورة لا تعرف الشمس وكل ما فيها داكن. وكما هو جارموش دائم التجريب يفعل الأمر نفسه في عمله هذا «العشاق وحدهم بقوا أحياء»، فهو بدخوله عالم مصاصي الدماء يبتكر شخصية خيالية، ويستكشف عالماً جديداً يحتاجه على شيء من الجمال يفتقده في العصر الحالي. إذاً هي حالة التصادم بين ما يرغبه المخرج من العصر الذي يعيش فيه والذي بات عنوانه عصر التلوث على مختلف مستويات الحياة، وبين الواقع. فقد عمل المخرج للتعبير عن قلقه وألمه من العصر الملوث بإلحاق التلوث بالدم البشري نفسه. وهكذا تكون نهاية ابطاله الموت وبالدم الملوث.
أدم الذي يلفه الصمت أكثر من التعبير، الهادئ بتوتر وصاحب الشخصية القلقة من الداخل دائم التحدث عن «الأحياء الأموات». وهكذا يستحضر شكسبير، وكبار الموسيقيين أمثال شوبرت، وآخرين من غاليلو، داروين، نيوتن وانشتاين. فمن خلال هذه الشخصية ابراميل برتولد بريشت

سليم البيك
قد لا يختلف اثنان على أن مفردة «براميل» باتت تستحضر لنا كعربٍ صوراً للقتل والدمار وبالتالي تُقرن في أذهاننا بالديكتاتور ومخيّلته الإبداعية في إمكانية الاستفادة من «أشياء» تكون مرمية على الرصيف مسالمة ومهملة، وتحويلها إلى ما هي عليه الآن في سوريا. «أشياء» نشاهدها يومياً وقد ملأها الصدأ، دون أن تستدعي في أذهاننا أي إمكانية لتحويلها لأبشع ما يمكن أن يسكن في الذاكرة القادمة للناس في تلك البلد المنكوبة.
لكن، وإن كانت البراميل الوسيلة الأكثر همجيّة للقتل والتدمير في «سوريا الأسد»، إلا أنها لم توجد أصلاً لذلك، وإن صعب إقناع الأطفال السوريين بهذه الحقيقة المستجدة. للبراميل استخداماتها اليومية الروتينية المسالمة بل والمملة وأحياناً المتعبة، كما لها استخداماتها الجمالية في الأدب، كأن تكون في قصيدة للشاعر والمسرحي الشيوعي الألماني برتولد بريشت.
ما يعنيني من القصيدة هنا هو الحكاية فيها، هو الحالة الإنسانية الرفيعة التي يمكن أن تكون البراميل أساسها، في وقت استطاع فيه نظام الأسد أن يحوّل «الأشياء» المحايدة إلى بشاعات وكوابيس.
تحكي قصيدته «نسّاجو سجّاد (قرية) كويان بولاك يكرّمون لينين» (1929-1933) عن أحد التكريمات العديدة التي ينالها لينين من شرق الأرض إلى غربها، عن قرية صغيرة في آسيا، عن نسّاجي سجّاد فقراء يرتجفون من الحمّى. محطّة القطار تمتلئ بالبعوض وسحابة كثيفة تتصاعد من المستنقع خلف مقبرة الجِمال القديمة. يتحضّرون لتكريم لينين بأن يقيموا في قريتهم (أيضاً) تمثال جصٍ نصفي للقائد الشيوعي، فيتم تجميع النقود ويقفون جميعاً ويقدمون ما استطاعوا تحصيله بأيد مرتجفة من الحمى، ليرى جندي الجيش الأحمر الذي يعدّ النقود استعدادهم لتكريم لينين ويبتهج، لكنه يرى أيضاً أيديهم المرتعشة، وفجأة يقترح استخدام نقود التمثال لشراء نفط يُصبّ فوق المستنقع حيث يتوالد البعوض الذي يحمل جرثومة الحمّى، وهكذا بمكافحة الحمّى يكرّمون لينين. ثم استبدلوا فكرة تمثاله النصفي بنصب برميل من النفط القاتل للحمّى.
يقول بريشت في قصيدته بأنهم هكذا ساعدوا أنفسهم بتكريم لينين، وكرّموه بمساعدة أنفسهم، وهكذا فهموه جيداً.
هذه حالة إنسانية نبيلة يمكن أن يكون البرميل أساسها، بخلاف ما بات مقروناً به في أيامنا السورية الحالية، لكن لنترك جانباً فكرة تحويل نظام ديكتاتوري «الأشياء» المحايدة إلى أدوات قتل ودمار وبالتالي جرّها إلى بشاعات ورعب لن يتحرّر منها المدنيون في سوريا لسنوات طويلة.
هنالك في الحكاية فكرة قد لا تقلّ ارتباطاً بالحالة العربية والسورية، وهي ما قاله بريشت بأن النساجين الفقراء بما فعلوه إنما «فهموه جيداً» للينين بمساعدة أنفسهم، بأنهم كهذا يكرّمونه. فلا لينين ولا من خلفه ماركس وإنجلز سيكونون «سعداء» بتماثيلهم في وقت يمكن بما خُصّص من نقود لهذه التماثيل تطبيب وإشباع وتدفئة الفقراء، وهذا مفهوم مغاير تماماً للكثير من الشيوعيين العرب الذين لم يروا في الماركسية غير تماثيل وصور وأعلام حمراء وقبل كل ذلك وبعده ولاءٍ وتماهٍ تامَّين مع النسخة السوفياتية من الشيوعية ونقلٍ لأسوأ ما فيها، من تمجيد القائد إلى تبرير جرائمه مروراً بتخوين الخارجين عنه. وليست مفارقة أن يكون بريشت من أشدّ المنتقدين للاتحاد السوفياتي والستالينية.
اليوم، ليس فقط معظم الشيوعيين العرب غير معنيين بالفكرة الإنسانية التي حملتها قصيدة بريشت والتي برأيي بُنيت (ولا بدّ أن تُجدّد) على أساسها الماركسية، هم ليسوا أساساً معنيين باستبدال تمثال لينين ببرميل أنقذ الناس من الحمّى، بل ويكون ذلك تحديداً تكريماً للينين. لن يفهموا أبداً قصد بريشت وإن فهموه لن يتفهّموه.
هم معنيون بما يتلاءم وصور ستالين المعشّشة في أذهانهم، وتالياً بما يرونه استكمالاً «للوالد» ستالين ليس في حمل اللواء الأحمر للشيوعية، فالأسد لطالما اعتقل من يحمله، بل في أهمّ ما ميّز ستالين وهو التراوح بين القتل والتهجير والاعتقال، وهو ما يرون أشدّ أشكاله تفانياً وتطرّفاً مجسّداً اليوم في بشار الأسد. فلا نستغرب أن يستخرجوا من «لينينيّتهم» تبريراً لقصف الناس ببراميل تكون متفجّرة.
كاتب فلسطيني

لرئيسية في الفيلم يعبر جارموش عن أفكاره ورؤيته الخاصة في الفن والأدب والفلسفة.
حبيبة أدم التي تعيش في طنجة تعود إلى ديترويت لتكون بينهما لقاءات حميمة تظهر لنا وكأنها لقاءات تحمل في نهايتها نكهة الموت. واللافت أن شخصيات الفيلم جميعها وعلى وجه الخصوص الشخصيتين الأساسيتين تحملان وجهين فيهما صفرة الموت، مما يتكامل مع السمة العامة للفيلم والتي هي الكآبة والحزن الذي يعصر العظام.
أدم المشغول بالسؤال عن الزمن الماضي السحيق، والزمن الحاضر المختلف، وهو الموزع عيشاً بين الزمنين، يحصل على غذائه من الدماء عبر طبيب في أحد المستشفيات الذي يزوده تباعاً بحاجته، مقابل مبالغ كبيرة من المال. حياة إيف وأدم تتعرض لنكسة درامية كبيرة بدخول آفا شقيقة إيف على حياتهما، ولقائها بأيان الذي كان يزود أدم بالآلات الموسيقية النادرة. فهما الشغوفان باستهلاك الدماء لم يدر في خلدهما أن آفا ستمتص دماء أيان. يطردانها ويخفيان جثة أيان ويسافران إلى طنجة بحثاً عن دماء نقية.
مثيرة لحظات الشغف بارتشاف كؤوس الدم لدى أبطال هذا الفيلم. مثيرة تلك النشوة التي تعتريهما وهما يتلذذان بطعم الدماء الذي يترك بقايا على أسنانهما وشفاههما، مما يثير القشعريرة في الأبدان. هي نشوة شبيهة بتلك التي تعتري مدمني المخدرات. ربما هناك وجه شبه بين مصاصي الدماء الذين جسدهم لنا جارموش بواقعيتهم وبرودة اعصابهم وحركتهم، وتعاطي المخدرات، شتان ربما بين نشوة وأخرى. لكنها الحياة التي نحياها والتي أراد جارموش تجريبها عبر مشاهد رمزية، وبعد فلسفي. وبسخرية موغلة يقدم المخرج مشهداً يختصر فيه نظرته للحياة الحاضرة، وذلك حين وزعت إيف البوظة المصنوعة من الدم.
في طنجة يلمح أدم وإيف شاباً وصبية يتعانقان بحب ولا يلويان على أمر آخر. مشهد يثير فيهما رغبة بالانقضاض عليهما ومص دمائهما، ويقرر أدم أن الصبية له، في محاولة لأن يأخذ منها كل الشباب والحياة التي تضج في جسدها. وفي مشهد لم يكن متوقعاً من قبل المشاهد نراهما وفمهما ملوثان بالدماء وهما فاقدا الحياة. إنه الدم الملوث، والعصر الملوث. إنه الحنين إلى حياة ماضية أكثر انسانية وصفاء.
في «العشاق وحدهم بقوا أحياء» تظهر المغنية اللبنانية ياسمين حمدان تؤدي اغنية Hall في أحد نوادي طنجة، وهي شاركت في كتابتها، كما كتبت أغنية Gamil.
«العشاق وحدهم بقوا أحياء» فيلم عرض ضمن فعاليات مهرجان كان في العام الماضي. بلغت ميزانيته 7 ملايين دولار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية