العصبية القبلية الداء الأكبر، وتهذيب رأس المال..

حجم الخط
0

فؤاد أبوحجلة قبل الثورة التي تُعيد هيكلة النظم والحياة في منطقتنا كنتُ أبحث عن عدونا اللدود، وعن العلة التي تفتك بهذا الجسد الكبير من المحيط الأطلنطي إلى الخليج النفطي. كانت هناك عوامل تفت في عضد المجتمعات والدول، وكانت أغلب التحليلات تصب في تيار نظرية المؤامرة الخارجية، وسيطرة الغرب على مقدراتنا من خلال زرع آلية قمع الفكر والحرية عبر وكيل داخلي، ونفث السم من خلال استيراد نمط حياتي غربي يشط بشبابنا نحو تبعية مُغمّاة لا تزيد العقلية الجمعية إلا خبالاً وتهوي بنا إلى قرارة يأس يخنقنا، إلى جانب اتساع الهوة بين المثقف والناس، وبين الهدف والوسيلة.. جاءت الثورة الأولى عبر شباب تونس الأحرار الذين ضاق بهم الحال وطفح كيلهم فكانت الشرارة، وانتقلت حُمى التحرير والتحرر إلى الشباب المصري المضغوط أصلاً فانتصر الشباب والشارع المصري على الوكيل المحلي وتمت تنحيته في لحظة تاريخية قل نظيرها. وأمام دموعنا التي سالت من الفرح وطهّـرت ما علق بالعين من ظلمة وظلام، وامتد الحال إلى ليبيا وشباب ليبيا الحر، والذين صبروا عقوداً طويلة على نهج الفوضى في بلادهم، وعلى ذلك الدموي المسربل بالعقد والأمراض، وهنا بدأت تتكشف الحالة الفكرية التي تتماهى مع الواقع الجديد لنكتشف أن هناك بوناً شاسعاً بين تونس ومصر من جهة وبين الحالة الليبية التي فضحت العقلية العربية الشوفينية، وكشفت أصل الداء.

الشعب التونسي شعب متمدّن منذ أيام خير الدين التونسي، والشعب المصري شعب متمدّن منذ أيام محمد علي وشعب صاحب حضارة وبصمة، ولذا نجحت ثورتاهما بأقل الخسائر، لأن العقلية واعية ومحصنة ضد القبلية وحكم العشيرة، أما في ليبيا فالأمر مختلف ومتخلف بوجود أمثال هذا القذافي الذي يحكم بعقلية القرون الوسطى الأوروبية.. هذه المقاربة البسيطة تؤسس لفكرة القطيعة مع بداوتنا الأولى، وتؤكد أهمية حلول العمل المؤسساتي مكان الفرد والشخصية ذات القدسية القبلية.. لننظر هنا وهناك، ولنتجول فكرياً في هذا الوطن الكبير الممتد لنرى ماذا يحدث في اليمن؟ عصبية قبلية!

، في السعودية؟ قيود قبلية فولاذية! وكذلك معظم بلدان المشرق العربي! فلذا فالجناح الغربي للوطن العربي يتفوق على جناحه المشرقي بالتمدن والتحضر نسبياً بسبب عوامل تاريخية مهمة وركائز في نمط الحياة والنظام.. فالمغرب العربي الأقصى انصهرت فيه حضارة الأندلس الأقرب للمدنية آنذاك، وتعرض لشموس الفلسفة والعقل أكثر من مشرقنا العربي الذي غرق في وحول داحس والغبراء حتى بداية القرن العشرين!

والأمر الآخر الذي كشفته الأحداث الأخيرة وثورتا تونس ومصر كان أيضاً من خلال رصد الرأي العام العالمي، ومواقف الحكومات الغربية حيث تبيّن أن هناك بوناً شاسعاً بين الحكومات والشعوب الغربية، فشعوب أوروبا وأمريكا والدول المتطورة بدأت ترزح تحت نير تسلط رأس المال، وبينما كانت مواقف الحكومات الغربية ضبابية وتتسم بالنفاق والسلبية كان رأي الشعوب في أوروبا والعالم مسانداً لثوراتنا بشكل مباشر، وبدأت الشعوب المتحضرة ترى بشكل أفضل جريمة قياداتها في مساندة الديكتاتورية في الوطن العربي على حساب تلك الشعوب طمعاً في نهب ثروات هذا الوطن من جهة وجعل كلمة إسرائيل هي العليا في الشرق الأوسط من جهة أخرى.. ولذا بدأت النظرة تختلف.. فتسريبات ‘ ويكيليكس’ وضعت الأنظمة الغربية في مأزق، وثورات الوطن العربي أطلقت العنان للذهنية الكونية كي تفكر وترى بشكل مختلف.. فالأوروبي البسيط يتساوى مع المواطن العربي البسيط في كده وسعيه لتأمين حياة كريمة، والأمريكي البسيط اكتشف لعبة رأس المال في الكارثة الاقتصادية الأخيرة وأنه ضحية لأفراد وإدارات لا تعمل إلا لصالح شركات دولية عابرة للقارات ولا تهمها قوته وكرامته وتعليمه وصحته وصحة أبنائه… إلخ فترانا أصبحنا نسمع أن الثورة التونسية والمصرية ألهمتا الشعوب، وانطلق الشباب في أركان الأرض يرهفون السمع لترددات الحرية ويتغنون بأمجاد شباب الثورة العربية.. وحين كنتُ أفكر بمنظومة تهذيب رأس المال عن طريق الفن والأدب تسرب إلى كيان التفكير من خلال حضارية الثورة التونسية والمصرية، وتحضّر شبابها وشاباتها اليأس من تهذيب رأس المال بالطرق الناعمة، وأن البراعم التي تنمو بين ظهرانينا، والطاقات الشابة في العالم أجمع لديها رؤية مختلفة، وتوق للحرية والازدهار ليس بالطرق التقليدية البائدة وإنما من خلال انصهار إنساني بسيط حرّ ٍ وثائر على غول رأس المال، وعلى عقلية الوصاية الغربية التي لا تهمها إلا مصالحها.. المجتمع الشبابي الكوني منفتح على بعضه تماماً ومنصهر في الرؤية عبر مواقع كانت تُدعى افتراضية كالـ ‘ فيس بوك’ و ‘ تويتر’ إلا أنها أثبتت أنها أقوى مما كان يتخيل البعض، وأنها أصلب من الواقع ذاته، وأنها ببساطة شديدة مجّانية وغير مكلفة! وأنها لا تنتمي لشركات الميديا العملاقة، ولا للأشداق التي لا تشبع من التنظير الفلسفي لنهاية التاريخ وانتصار رأس المال.. والطريف في الأمر أن هذه الأدوات المعلوماتية البسيطة أخذت تسحب البساط من تحت أرجل رأس المال الممثل بهوليوود، ومؤسسات صناعة وتوجيه الرأي والتسويق الكوني، وتحل مكان العقليات التوراتية والإنجيلية ( المحافظون الجدد) أي بكلمات لا لبس فيها تسحب البساط من تحت الأنظمة الكولونيالية وإسرائيل على رأسها!’ كاتب عربي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية