العصـــا

حجم الخط
0

العصـــا

نجيب كعواشيالعصـــادخل السينما لأول مرة في عيد الأضحي، أخوه الأكبر سبقه إليها، وحكا له عن سحرها وإغرائها. كان عنوان الفيلم (capitaine apache) وكان بطله (لي فان كليف). البطل جندي أمريكي، بزي أزرق، وقبعة جلدية، وحذاء جلدي طويل، يصل إلي الركبة، والأعداء هنود حمر، يرتدون الجلود، وأكاليل الريش علي شعورهم الطويلة. أقدامهم حافية، وفي أيديهم فؤوس، يمتطون جيادا برية، مطهمة، وغير مسرجة. في طفولته توهم نفسه بطلا من طينة (جون واين) أو (كلينت ايستوود) أو (كاري كوبر)، وفي عاشوراء يشتري له أبوه بندقية، رصاصها من الفلين، أو مسدسا يطلق الماء. قبل أن يدخل بيتهم جهاز التلفزيون، كان يذهب مع أخيه كل ليلة ليشاهدا التلفزة عند الجيران. عندما يبدأ الفيلم يبحثان بين الوجوه، عن البطل، أما البطلة فكان من السهل معرفتها. جميلة وشقراء، ولكنهما شاهدا فيلما لم تكن بطلته شقراء، كانت سمراء، بل وخرساء.. وكانت من الأعداء، لم يفهما.. لماذا تكون البطلة من الأعداء؟ البطلة دائما من الأخيار. من سيختطفها إذا كانت من الأعداء؟ـ ها هو البطل..ـ اسكت لنفهم..ـ إنه هو. أنظر إليه. أشقر وعيناه زرقاوان. هو البطل..لم يكن فيلم السهرة هذه المرة عن رعاة البقر، ولكن عن أشخاص غادروا كوكبهم، وتاهوا في الفضاء، وهبطوا في كوكب آخر يسود فيه القرود: (كوكب القرود). لم يخب انتظارهما. الفيلم أيضا فيه تشويق وإثارة، ولم يشاهدا مثله من قبل. إنه أول فيلم في أول يوم يدخل جهاز التلفزيون منزلهما، يوم مشهود. كانا يشعران بالحرمان قبل أن يدخل التلفزيون منزلهما، خصوصا لما علما أنه منذ مدة، كان يعرض مسلسل (طرزان). أصدقاؤهما قالوا إنه إنسان يعيش في الأدغال والحيوانات أصدقاؤه. لم يفهما، كما لم يفهما كيف أن القرود في كوكبها تتكلم، وتحب، وتغير، وتعرف الخير والشر، ولها مختبرات.. و.. كانا مهووسين بمعرفة عناوين الأفلام، وأبطالها، ومخرجيها، وسنوات إنتاجها. أعجبا بالبطل وحفظا عن ظهر قلب إسمه: (شارلتون هيستون). توالت الأفلام، وشاهدا العديد منها، ولما اكتشفا الشاشة الفضية، سحرتهما وقلبت كيانهما. كانت القاعات تعرض أفلاما مختلفة.. سنيما (الصحراء) تعرض فيلم (الوصايا العشر). قرآ العنوان واسم البطل: (شارلتون هيستون) مرة أخري، بطل (كوكب القرود). بطل كبير ونجم عظيم، الأخ الصغير سوف يشاهد الفيلم لكن الأخ الكبير لم يكن من عشاق الأفلام التاريخية، وفضل فيلما بوليسيا في قاعة (كوليزي)، بطله ألان دولون: (un flic pourri)، عرفاه في فيلم لن ينسياه: (la tulipe noire). كان فيلما رائعا، ولكن الأخ الصغير فضل فيلم (الوصايا العشر) ليري بطله، بطل كوكب القرود، مرة ثانية لأنه معرفة قديمة. سبق لأخيه أن شاهده، وحكا له عنه حتي بات ينتظر بكل شغف أن يعرض مرة أخري. فتنه عصا سيدنا موسي وهي تنقلب أفعي، وتفترس عصوات أكبر السحرة في الدنيا، وافتتن أكثر وهي تشق البحر ويصبح يابسة، فاجتاز موسي ومن معه البحر، فعاد البحر وأطبق علي فرعون ومن معه، فغرقوا وسط الأمواج العاتية.. ذهبا للسينما دون إذن الأب الصارم: إياكما ثم إياكما أن يؤذن عليكما المغرب وأنتما خارج المنزل. لكن إغواء الشاشة الفضية كان أقوي، وأنساهما الوصية. ستفرقهما رغبتاهما المتناقضتان. ولأنه ضعيف البنية طلب من أخيه أن يحجز له التذكرة، نظرا للزحام الكبير أمام سينما (الصحراء) والأخ الأكبر متمرس علي الزحام والتدافع. بقي في آخر الساحة، وراء الحشد الكبير، يراقب وينتظر. عاد الأخ عرقانا، منفوش الشعر، ومكمش الملابس، وفي يده التذكرة. سلمها له وقال له:ـ هاهي التذكرة. فيلمك طويل، وستجدني بانتظارك بالخارج.أخرج نظارته الطبية ومسح زجاجها بمنديله وثبتها فوق أنفه ودخل القاعة، ووجد أنوارها منطفئة، يخترقها طولا من الأعلي، فوق رؤوس المتفرجين، شعاع أفقي قوي، مصدره كوة خلفية عالية، ويصطدم بالشاشة. بحث عن مقعد شاغر بالصفوف الأولي ولم يجده. تحرك بين الصفوف راجعا إلي الوراء. المقاعد التي مر بها مملوءة. وهو واقف حجب الشاشة عن بعض الجالسين. صامتون، وأعينهم مثبتة علي الشاشة. بدت له بضعة مقاعد شاغرة لكن فوقها معاطف ومناديل. وجد أخيرا مقعدا لكن شابا كان يجلس أمامه غطي عليه زاوية الرؤية، وكلما مال الشاب، أو غير من جلسته، يضطره أن يميل هو الآخر معه. لم يرس في جلسته، وطلب من الشاب أن يتخذ وضعا يسمح له بالمشاهدة. نهض الشاب وبادله المقعد، شكره ثم استوي في جلسته وعيناه نحو الشاشة. لم يكن ينتظر إلا شيئا واحدا، كان الدافع لمشاهدة الفيلم: أن تشق العصا البحر نصفين.. رآها تتحول بين يدي سيدنا موسي إلي حية حقيقية تمشي بإذن الله وتبتلع الحبال التي أوهم سحرة فرعون الحاضرين أنها ثعابين.. فانبهر بالسحر.. أنفاسه محبوسة، لكن الوقت يمر، والبحر لم ينشق بعد، وأخوه بالخارج ينتظر. متي سينشق البحر؟ بدأ يفقد صبره. تمني لو يستطيع أن يغير مجري الفيلم، ويحذف بعض المشاهد ليصل بسرعة إلي اللحظة التاريخية العظيمة. الفيلم سائر، والشوق والتشويق يستفحلان. لماذا لا ينفعل المتفرجون؟ صابرون. متحملون. لا يحتجون. ماذا ينتظرون؟ لعلع أذان المغرب من مئذنة المسجد المتاخم لقاعة السينما. لا أمل في رؤية العصا النبوية وهي تقسم البحر، ولكن تراءت له بدلها، العصا في يد أبيه..قاص من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية