العصيان الفكري ورقة أخيرة وقنوات تحول احلام الناس لمنتجات
هويدا طه العصيان الفكري ورقة أخيرة وقنوات تحول احلام الناس لمنتجاتفجأة وكأنه توارد خواطر بين المثقفين المصريين وبلا سابق ترتيب، تطالع مقالاتهم، حواراتهم علي مختلف القنوات الفضائية ونقاشاتهم مع بعضهم البعض فتجد حالة واحدة هيمنت علي الجميع في لحظة واحدة.. اليأس! مبارك وعائلته ماضون بثقة لا متناهية وبلا هوادة في إتمام خطتهم لا للاستيلاء علي مصر، فقد استولوا عليها أصلا منذ ربع قرن من وراء ظهر شعبها الذاهل تحت وطأة الحرمان من كل شيء.. وإنما لإتمام إجراءات (حصر ملكية مصر عن بكرة أبيها) في يد العائلة، التوريث التوريث التوريث.. كم (قرفنا) من أنفسنا ونحن نلوك كل لحظة هذا المصطلح المهين! منذ سنوات ونحن علي هذا الحال.. لا مبارك مات وورثه ابنه وقضي الأمر ولا يئس الرجل وابنه وعائلته من إمكانية تحقق حلمهم بسبب (الضجيج) الذي ملأ به مثقفو مصر أجواء البلد والعالم حول رفض التوريث ولا نجح هؤلاء المثقفون البؤساء في إثارة شعبهم الذاهل ضد خطة توريثهم كالشاة من يد الراعي العجوز إلي يد ابنه الراعي مفتول العضلات ولا نجحوا في هز مخطط مبارك، ولا فضوا أيديهم من لعبة القط والفأر المملة مع عائلة مبارك ولا أي شيء يحدث، سوي أن استمر الطرفان في خطهما المتوازيين منذ سنوات.. مبارك وافراد عائلته يخطون كل يوم خطوة جديدة نحو تضمين هذا البلد في قائمة ممتلكات يرتب أبٌ عجوز مشرف علي الرحيل ترتيباته من أجل تركها للعيال لضمان مستقبلهم والمثقفون المصريون يلهثون رفضا للتوريث، حالة شلل وعجز طالت لا عبرة فيها للصلابة ولا للاستمرار! في ظل ظاهرة غريبة هي ظاهرة (الحرية المتاحة) لكل من يريد أن يسب ويلعن التوريث ثأرا لكرامته كإنسان وُلد حرا ويفترض ألا يوّرث.. مناخ عجيب من حرية الكتابة والتعبير فيما يختص بهذا الأمر وكأن لسان حال العائلة يَخرج للجميع حاملا رسالة: (عايزين تكتبوا يا كلاب؟ اكتبوا ياكلاب.. اكتبوا ما شئتم وسنفعل ما نشاء!) لكن الأيام الأخيرة استطاع فيها فريق المثقفين المصريين ـ وعلي غير ترتيب مسبق ـ التقدم خطوة كانت حتمية إذا نظرنا إلي المقدمات.. هي (خطوة اليأس)! تتابع ما كتبوا أو ما قالوا فتجد الواحد منهم يفض يده علي طريقة (أوكيه.. توريث توريث.. بس خلصونا)! علي قناة دريم كان الصحافي عادل حمودة ضيفا يتحدث عن الصحافة المستقلة وضجيجها حول التغيير.. ضمن ما كان يتحدث عنه.. قال: مفيش قوي اجتماعية ورا الصحافيين والـُكتّاب.. مفيش أحزاب.. مفيش طلاب.. سطر واحد مما يكتبه المصريون يُسقط حكومات برّه ـ مش السطر نفسه ـ إنما القوة الاجتماعية اللي وراه ، الراجل يئس! وعلي قناة الجزيرة مباشر انصرف مثقفو مصر يتحدثون ويحللون ويقولون الكلام الكثير عن (ذكري اغتيال السادات) خلاص.. فضوا أيديهم من مبارك وما إلي ذلك! في الوقت نفسه كان جمال مبارك في برنامج وجهة نظر علي التليفزيون المصري يتحدث عن (أحلامه لمستقبل الوطن تحت راية الفكر الشاب)! طبعا المسكوت عنه في هذا الأمر هو أنكم فقط ما عليكم إلا انتظار من أصبحت الكرة في ملعبه.. عزرائيل! عزرائيل الذي يعاند المصريين عائلة وشعبا ومثقفين! لكن الحقيقة أن المثقفين المصريين ليسوا وحدهم من كان حتي وقت قريب (يشكون) من التوريث.. جمال مبارك نفسه اشتكي مر الشكوي من (نفس العلة)! فمنذ فترة قال لفضائية لبنانية عندما سئل عن التوريث: أطلع أمريكا يقولوا توريث.. أكون في حملة انتخابات الرئيس يقولوا توريث أطلع أتحدث عن قضايا الإصلاح يقولوا توريث مطلعش أتكلم يقولوا اختفي.. أطلع أتكلم عن الإصلاح السياسي يقولوا تحدث عن قضايا لا دخل له فيها.. مطلعش في الصحافة يقولوا فيه غموض ! لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتي أنت تشكو من التوريث؟! لكن هذه الأيام يختلف الأمر.. كف جمال عن الشكوي وكذلك بدأ الـُكتاب الدخول في مرحلة (اللاشكوي) في معظم صحف مصر كانت هناك تلك الحالة من (التسليم أو شبه التسليم) بأننا جميعا.. فاشلون! وحتي هؤلاء المصريون الحالمون المقيمون خارج مصر والذين تصوروا في لحظة أن (حراكا سياسيا) قد انبثق في مصر ليغير عهدها بعد طول سنين يئسوا! في مقاله كتب الزميل صاحب الكلمة الدافئة الحانية علي مصر فرانسوا باسيلي وعلي صفحات جريدة القدس العربي ـ التي طالما تحملت منا أحلامنا الكبيرة وتحليقنا بين سحب التغيير.. التي لا تمر أبدا علي سماء مصر.. ومع ذلك نستمر في إنهاك الجريدة بأحلامنا ـ كتب داعيا الجميع إلي نفض أيديهم من حكاية التغيير وخلافه! وحملت كلماته المحملة بالحزن رغبة في الكف عن نطح رأس (تيس التوريث)! والعمل علي تنصيب مبارك ملكا رسميا للبلاد وجمال وليا للعهد حتي نتفرغ لأمور أخري! اختفي الحديث الحالم عن حث الشعب علي (العصيان المدني) وكفت برامج الإذاعات والقنوات الفضائية (غير المصرية طبعا) عن مناقشة موضوع (مبارك وابنه)! ولم يعد هناك ذلك (البريق) لهؤلاء المثقفين المصريين الذين طالما عرف عنهم (تفرغهم) لرفض التوريث وتكريسهم أيامهم ولياليهم من أجل رفع اليد بتلك الـ (لا للتوريث.. باطل!) تستضيفهم قنوات الجزيرة والعربية والحرة لا ليتحدثوا عن هذه الـ (لا) وإنما للحديث عن العراق وإيران والصومال! لكن.. (خطوة اليأس) هذه يفسرها البعض الذي يجبر نفسه علي تجرع (التفاؤل) كدواء مُر لهذه العلة وذاك السقم.. بأنها (الهدوء الذي يسبق العاصفة) يا له من دواء بالفعل مُر! أو.. لعله (هدوء المفلسين)! إنما قد يكون اليأس مقدمة لرفع الورقة الأخيرة في لعبة مبارك ومثقفي مصر.. ورقة (العصيان الفكري) إعلان التوقف نهائيا عن الحديث في مسألة التوريث.. فقد اتضح أننا تاريخيا غير قادرين علي تفعيل (عصيان مدني) شعبا ونخبا.. فهو يحتاج إلي (شعب يستجيب) و(تنظيم يقود) وما إلي ذلك من أشياء عجائبية تستعصي علي الحالة المصرية! فتاريخيا هذا النوع من الشعوب لا يعيش علي أرض مصر لأن تربتها غير صالحة لنمو أي (نبتة تمرد) وهذا النوع من التنظيمات يحتاج إلي قيادات (انقرضت) من تربة مصر! أما العصيان الفكري فهو والله في متناول اليد!.. لا يحتاج إلي شعب قد يخذلك ولا إلي تنظيم قد تشرق الشمس من الغرب قبل أن ينشأ مثله في مصر.. لا يحتاج إلا إلي الاعتذار عن أوهامنا السابقة عن (تغيير احنا مش قدّه) وبعد الاعتذار.. خلينا نحلم علي قدّنا، أحلامنا الغابرة…. وداعا!فوانيس رمضان قنوات الأغاني: والله بعد اكتشاف أن (السياسة هي فعلا جريمة ضد الإنسانية!) يمكنك أن تكتشف شيئا جميلا علي الفضائيات، عشرات القنوات للموسيقي والأغاني تشعرك بالخدر اللذيذ.. لا كلام عن تنمية ولا تغيير ولا يحزنون! قناة اسمها (فن) علي شبكة أوربت قد تقضي شهورا وأنت تمر عليها بالريموت كنترول دون أن تتوقف.. عرضت هذا الأسبوع برنامجا عن الملحن الراحل محمد الموجي، وما لحنه من أغان لعبد الحليم ولغيره من مطربين ومطربات كانوا لذيذين للغاية، تضحك ملء القلب (بلا سياسة ولا همّ) وأنت تسمع قصة روتها المطربة شهرزاد عن ملابسات تلحين وتسجيل أغنية لحنها لها الموجي، كانت حاملا في شهرها التاسع ويوم تسجيل الأغنية قال لها طبيبها إن أمامها عدة أيام علي الوضع.. وأثناء التسجيل بدا عليها التعب فقالت للموجي (الظاهر إني حاوّلد) فقال لها الموجي (لا والنبي.. باقي كوبليه واحد استحملي وسجليه)! انتهت من التسجيل وعادت إلي بيتها فوضعت مولودها! هاها.. حكايات لطيفة.. ما الذي يضطرنا لسماع حكايات أحمدي نجاد والنووي بتاعه وجمال مبارك والنووي بتاعه.. ومبارك العجوز صاحب حق تسمية حزب الله باسم.. البتاع ده! والنبي ليه نشوف قنوات تقدم البتاع ده.. لمّا فيه قنوات بتقدم بتاع ألذ؟ قنوات متخصصة في الإعلانات التجارية: في سبيل الالتزام بخطة وداع أحلام التغيير.. وأوهام التنمية والتقدم.. وما إلي ذلك مما كان يضطر بعضهم إلي اللهاث لتتبع ما يدلي به المناضلون وأشباههم علي قنوات الغّم.. وبعد اكتشاف قنوات الأفلام المتتالية بلا توقف وقنوات الموسيقي والفن هناك اكتشاف أخطر قنوات (متخصصة) في الإعلان التجاري! سلع تتعدد أشكالها وألوانها ووظائفها.. جهاز للمطبخ يطبخ وحده وأنت مستلق علي أريكة تتابع مسلسلا ممتازا ـ إن وُجد يعني ـ! وجهاز يدلك جسدك بخفة ودلع .. وجهاز يحوّل أعتي البدينات إلي امرأة تنافس مارلين مونرو في رشاقتها الخلابة في دقائق معدودات.. ورباط يخسّس.. وكريم يحوّل بشرة تتحدي بقعها وحفرها كل أنواع الترميمات المعتادة إلي بشرة ناعمة طرية تشبه بشرة الرُضّع بتوع إعلانات حفاضات البامبرز وحبوب تحيي العظام الرميم.. ومعدات تصنع الضفائر بإتقان يجعلك ـ إن كنت أنثي ـ تكف عن الحنين الطاغي لضفائر الطفولة التي كانت تلفها أمهاتنا بأناملها الحانية.. أشياء وأشياء تتساءل عما تتكلفه من ورائها بحوث وفرق تعمل ليل نهار لتحّول أحلام الإنسان إلي منتجات.. إذن لا مستحيل بعد اليوم!.. وبعد أن تباع تلك السلع بالملايين تعود الشركات المنتجة لتنصحك في إعلان جديد بأن تنسف منتجاتها القديمة!.. فلديها الجديد وهو هذه المرة سيحقق لك ما نالك الإحباط بسبب عدم تحققه بعد إغواء الإعلان السابق!.. تضبط نفسك وأنت تراقب تلك الإعلانات اللذيذة بعين التحليل والتفسير الشريرة ـ التي لا تخلو من شيطان السياسة ـ تتعهد لنفسك ألا تعود لمثل هذا السلوك الشرير في تفسير الأشياء.. ألم تودع منذ قليل قنوات الغمّ ؟! لا بأس بهذا الجهاز الذي يعرضه ذلك الإعلان.. حزام يمنحك الشعور بالسعادة.. بصراحة.. العرض مُغر!.. خاصة أنك عندما تشتريه تحصل علي هدية مجانية.. أقراص تطرد من رأسك الأفكار الشريرة (بالمناسبة هذه الدعاية حقيقية وليست من بنّات أفكارنا.. الشريرة!) حسنا.. تناولها.. قد لا تعود بعدها تفكر.. في أي بتاع!كاتبة من مصر[email protected]