العـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (2 من 2 )

حجم الخط
0

العـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (2 من 2 )

ليس أمام الإدارة الأمريكية سوي الخروج من العراق بأقل خسارة ممكنة.. وما يحدث فيه يهم السلام العالميالعراق سيشهد بداية نهاية الامبراطورية الأمريكية وسيعقب تحريره زلزال كبير في المنطقة العربية العـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (2 من 2 )د. خير الدين حسيبمن هم الذين تتكون منهم المقاومة الآن؟الآن وفي ضوء ما تبدو الأمور، من هم الذين يشكلون حركة المقاومة الأساسية؟إن المجموعة الأولي والأهم تسمي الجيش الإسلامي، والاسم ذاته يمكن أن يضلل، ذلك أنه ليس المقصود أن أيديولوجية هذه المقاومة هي أيديولوجية دينية، إنما كان من المناسب استخدام هذا الاسم في البداية واستمر استخدامه، وتتألف هذه المجموعة من ضباط وجنود سابقين في الجيش ومن خبراء من الصناعات العسكرية العراقية السابقة، ومن ضباط مخابرات سابقين في العراق. وحسب ما أعرف فإن هذه هي العـــمود الفقري للمقاومة وهي المخطط والمنفذ كما أشرت بإيجاز للقنابل علي جانب الطريق التي أصبحت تسمي IED اختصاراً لعبارة Improvised Explosive Devices (وسائل التفجير المرتجلة).المجموعة الثانية هي كتائب ثورة العشرين إشارة إلي ثورة 1920. والمجموعة الثالثة تسمي جيش المجاهدين ، والرابعة تسمي جيش الفاتحين .لا أريد أن أخوض في تفصيلات تقارير مختلفة عن المقاومة، ولكن اسمحوا لي أن اقتبس من واحد منها. يقول بيتر سبيغل (Peter Spiegle) في صحيفة فاينانشيال تايمز يوم 15 شباط (فبراير) 2006: لقد أصبحت المقاومة العراقية تحت سيطرة أربع مجموعات كبيرة منظمة تنظيماً جيداً وتملك وسائل اتصالات متطورة وقيادة مركزية مثيرة للدهشة .وقدمت مؤسسة ستراتفور Stratfor ـ وهي مؤسسة ذات سمعة عالمية لمعلومات المخابرات ـ تقييماً آخر تقول فيه في السنوات القادمة ستقوم الحكومات وحركات حرب الفدائيين في أنحاء العالم بدراسة الدروس التي تعلمناها عن عجز العسكريين الأمريكيين عن التصدي سريعاً للمقاومة العراقية . من ثم لا جدوي من إنكار وجود وقوة وتوسع المقاومة العراقية.يطرح السؤال غالباً عمَّ هي برامج هذه المقاومة وما هي أيديولوجيتها، إلخ. وإذا كنا لا نعرف علي وجه اليقين أشياء معينة فإن هذا لا يعني أنها غير موجودة. لقد أعلنت المقاومة في آذار (مارس) 2004 برنامجها الأول، ومنذ ذلك الوقت زادت قدراتها.9 ـ من هذا يتبين الاحتمال الأخير، وربما المؤكد، لفشل الحكومة القادمة في تحقيق الأمن والاستقرار وتحسين الخدمات الضرورية التي يحتاجها الشعب، وسيعكس ذلك نفسه علي موقف الإدارة الأمريكية من العملية السياسية ومدي إمكانية الاعتماد عليها لتحقيق ولو انسحاب جزئي لقواتها من العراق، كما سيعكس ذلك نفسه علي الشعب العراقي الذي كان يتوقع من خلال مشاركته في الانتخابات الأخيرة أن تؤدي إلي تحسين أوضاعه الأمنية والخدمات الرئيسية التي يحتاجها، وكذلك الفضل المتوقع لهذه الحكومة والبرلمان، وكجزء من العملية السياسية، في تحقيق التعديلات الدستورية والتي تمثل مطلباً لقطاع مهم من التكوينات السياسية في العراق. وسيؤدي كل ذلك إلي إحباط في أوساط كثيرة من الشعب العراقي وفقدانه الثقة في العملية الانتخابية وفي العملية السياسية عموماً والبدء في الاستعداد للنظر في حل بديل له غيرها.10 ـ هذا هو الوضع الذي يواجه العملية السياسية والعيوب والنواقص والاختلالات في الجيش العراقي الجديد وقوات الشرطة الجديدة. فما الذي يمكن أن يتوقعه المرء من العملية السياسية الراهنة؟سادساً: الأسباب الأخري التي ستدفع أمريكا للانسحاب من العراق.إضافة إلي الاحتمال الكبير، بل شبه المؤكد، لفشل ما تسميه أمريكا العملية السياسية في العراق فإن هناك أسباباً أخري داخلية في أمريكا نفسها، وفي العراق أيضاً، يعتقد أنها ستضطرها للانسحاب من العراق.ولكن قبل الدخول في تفاصيل هذه الأسباب، فلا بد من توضيح الصلة بين ما يتعلق بتلك الأسباب في داخل أمريكا نفسها وبين تلك التي تجابهها في العراق.ومن المفيد التذكير بأن الذي سيقرر في النتيجة ويفرض انسحاب أمريكا من العراق هو الرأي العام الأمريكي الداخلي والمؤسسات التي تمثله في الكونغرس (مجلسا النواب والشيوخ) وكذلك مقدار ما ستحدثه المصاعب والإخفاقات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق علي الرأي العام الأمريكي وعلي الكونغرس بمجلسيه وبالتالي علي الإدارة الأمريكية نفسها، بفعل الضربات المتتالية للمقاومة الوطنية العراقية.1 ـ المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة داخل العراقأ ـ فشل العملية السياسية سبق أن أشير سابقاً إلي الأسباب التي تدعو إلي الاستنتاج بأن الاستراتيجية الأمريكية داخل العراق والمتعلقة بـ العملية السياسية مآلها الفشل. وسينعكس فشل العملية السياسية في العراق علي الرأي العام الأمريكي التي تريد غالبيته عودة جنودها من العراق، وإن فشل هذه العملية السياسية سيؤخر هذه العودة.ب ـ الضحايا البشرية الأمريكية في العراقمن المفيد التوضيح أن الجيش الأمريكي في العراق يضم أربع مجموعات رئيسية هي:(1) الأفراد في الجيش الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وهو حجم الذين تشملهم الإحصاءات التي تنشرها الولايات المتحدة عن ضحاياها في العراق من قتلي وجرحي فقط.(2) الأفراد المتطوعون في الجيش الأمريكي والذين لا يحملون جنسية أمريكية، ولكن لديهم بطاقة إقامة دائمة في الولايات المتحدة (البطاقة الخضراء Green Card ) ويأملون من تطوعهم في الجيش الأمريكي أن يحصلوا عند انتهاء مدة التطوع علي الجنسية الأمريكية. والضحايا البشرية (من قتلي وجرحي) من هذه المجموعة لا تنشر ولا تشملها الإحصاءات التي تُنشر عن المجموعة الأولي فقط.(3) الأفراد المتطوعون في الجيش الأمريكي ممن ليس لديهم جنسية أمريكية أو إقامة دائمة، وهم يأملون من تطوعهم أن يحصلوا بعد انتهاء مدة تطوعهم علي إقامة دائمة في الولايات المتحدة أو جنسية أمريكية. والضحايا البشرية من قتلي وجرحي من هذه المجموعة لا تنشر ولا تشملها الإحصاءات التي تُنشر عن المجموعة الأولي.(4) المقاولون Contractors الذين يضمهم الجيش الأمريكي للقيام ببعض الخدمات التي تقوم بها الجيوش عادة، مثل الحراسة والخدمات الأخري المتعلقة بمعيشة الجيش، ويقدر عدد هؤلاء بنحو (20) ألف مقاول ونسبة كبيرة منهم من الأمريكيين وقسم آخر منهم من المرتزقة غير الأمريكيين. ولا تنشر أرقام القتلي والجرحي من هؤلاء المجموعة.وقد بلغ عدد القتلي من الذين يحملون الجنسية الأمريكية من المجموعة الأولي حتي الآن حوالي (2400) ألفين وأربعمائة فرد، كما بلغ عدد الجرحي حوالي (18000) ثمانية عشر ألفاً، وأكثر من نصف هؤلاء، وحسب تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لا يستطيعون العودة إلي الجيش بعد معالجتهم. كما أن هناك تقارير أمريكية تشير إلي أن عدد الجرحي هو أكثر من الرقم المعلن عنه رسمياً، وأنه قد يتجاوز الخمسين ألفاً. وتنعكس كل هذه الخسائر البشرية (من قتلي وجرحي) علي عوائل هؤلاء داخل الولايات المتحدة وعلي الرأي العام الأمريكي الداخلي بشكل متزايد.ج ـ الهروب من الجيش الأمريكي واللجوء إلي بلدان أخري نتيجة للحربتقدر التقارير الأمريكية الأخيرة أن حوالي ثمانية آلاف (8000) من أفراد الجيش الأمريكي قد هربوا من الجيش، ومعظمهم بعد عودتهم إلي الولايات المتحدة لغرض استبدالهم بغيرهم لفترة ثم عودتهم ثانية إلي العراق، وأن حوالي أربعة آلاف منهم قد هربوا إلي كندا وطلبوا اللجوء السياسي هناك. وينعكس هذا سلبياً علي الرأي العام الداخلي الأمريكي.د ـ الصعوبات المتزايدة في تحديد مدة التطوع وتجنيد متطوعين جدديواجه الجيش الأمريكي نقصاً في عدد المتطوعين المطلوبين للجيش، وإن نسبة متزايدة من المتطوعين في الجيش الأمريكي يرفضون تمديد مدة تطوعهم، كما يواجه الجيش الأمريكي صعوبة في الحصول علي العدد الشهري المطلوب من المتطوعين رغم تمديدهم لسن التطوع ورغم تسهيل الشروط المطلوبة في المتطوعين.هـ زيادة حالات الأمراض العصبية وحالات الانتحار لدي القوات الأمريكية في العراقفقد كانت آخر الأرقام التي نُشرت أن هناك حوالي (600) مجند أمريكي تم ترحيلهم من العراق إلي الولايات المتحدة بسبب أمراض عصبية، كما أن نسبة الانتحار بين المجندين من القوات الأمريكية في العراق هي أعلي من أية نسبة حدثت في حروب أمريكية أخري.وينعكس هذا العامل سلبياً علي عوائل هؤلاء داخل الولايات المتحدة نفسها، وبالتالي علي جزء من الرأي العام الأمريكي.و ـ الخسائر الأمريكية في المعدات وتقادمهابلغت خسائر الولايات المتحدة في العراق أكثر من (60) ستين طائرة هليوكوبتر من أنواع مختلفة وطائرات استطلاع أسقطتها المقاومة العراقية، وأكثر من ألف آلية بأنواعها وعربات مصفحة وسيارات شحن وغيرها دمرتها المقاومة العراقية. هذا إضافة إلي تقادم هذه الآليات، لأن معظمها هي من صنع أوائل الثمانينات وقد استخدمت في العراق لمسافات تزيد علي ثلاثة أضعاف المسافة المقدرة لها عند صناعتها، وإن وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاغون) قد طلبت من الكونغرس تخصيص (35) مليار دولار لاستبدالها، والتي سيتحملها في النتيجة دافع الضرائب الأمريكي.ز ـ انسحاب معظم ما تسمي قوات التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيالقد شاركت قوات التحالف مع القوات الأمريكية والبريطانية في احتلال العراق، حيث انسحب معظمها، ويتوقع أن تنسحب بقية الدول المشاركة فيها، مثل إيطاليا واليابان، كما أن بريطانيا ستسحب (800) عسكري بريطاني من العراق قبل نهاية الشهر القادم، وستسحب بقية قواتها من العراق قبل نهاية السنة الحالية (2006). وهذا سيرتب علي القوات الأمريكية أن تحل محل ما تسمي قوات التحالف التي انسحبت وستنسحب من العراق، وهذا ما سيؤدي، إضافة إلي العوامل الأخري التي أشرنا إليها في هذا القسم، أن تضطر القوات الأمريكية إلي الانتشار في مناطق أوسع مما سيقلل من فعاليتها، إضافة إلي ما يحدثه الانسحاب من تأثير نفسي سلبي في الجندي الأمريكي.ح ـ فشل الولايات المتحدة في تشكيل جيش وطني عراقي وقوات أمن أخري عراقية وطنيةتشير التقارير الأمريكية المختلفة إلي هذا الفشل، وأن القسم الأغلب من هذه القوات هي من قبيل المليشيات التي يكون ولاؤها للأحزاب التي جاءت منها: الميليشيات التابعة لقوات بدر، وجماعة أحمد الجلبي وغيرها، وميليشيات البشمركة التابعة للأكراد، وهذه كلها لا تمثل جيشاً وطنياً لأن ولاءها للأحزاب والقوي السياسية التابعة لها. وقد حدثت وقائع كثيرة تؤيد هذا التحليل، ولا يُتوقع أن تتمكن هذه القوات العراقية المختلفة التي شكلها الأمريكيون في العراق من العمل لوحدها وحفظ الأمن عند انسحاب القوات الأمريكية إلي خارج المدن الرئيسية وإلي القواعد التي شيدتها. وسيؤدي هذا إلي فشل ركن آخر أساسي من أركان استراتيجيتها في العراق.2 ـ المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة في داخل أمريكا نفسهاوإضافة إلي الصعوبات التي تواجهها أمريكا في العراق نفسه، والتي ستعكس نفسها سلبياً، وبدرجات مختلفة، علي الداخل الأمريكي نفسه، فإن هناك صعوبات أمريكية داخلية، نتيجة لحربها في العراق ستضطرها إلي إعادة النظر في استراتيجيتها في العراق والانسحاب منه، وتشمل هذه:أ ـ الانتخابات النصفية في الولايات المتحدةستكون هناك في الولايات المتحدة انتخابات نصفية في تشرين الثاني (نوفمبر ) 2006، حيث سيتم انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب وكذلك انتخاب نصف أعضاء مجلس الشيوخ، وانعكاس الفشل علي نتائج الانتخابات التي قد تكون لصالح الديمقراطيين وما يرتب عليه من مشاكل للإدارة الأمريكية (إدارة بوش) وخاصة الموقف من بقاء القوات الأمريكية بالعراق.ب ـ انخفاض شعبية بوش الابنوقد انخفضت شعبية بوش وتقييم الشعب الأمريكي لأدائه، بحيث أن آخر استطلاع للرأي العام الأمريكي يشير إلي أن شعبيته قد انخفضت إلي اوطأ نسبة خلال الولاية الثانية لأي رئيس أمريكي سابق، (32) بالمائة.ج ـ مطالبات الرأي العام الأمريكي بانسحاب القوات الأمريكية من العراقتري أغلبية الشعب الأمريكي الآن أن غزو العراق واحتلاله كان خطأ، وتري هذه الأغلبية الآن ضرورة انسحاب الجيش الأمريكي من العراق، ومنهم من يري أن يتم الانسحاب الآن فوراً ومنهم من يري الانسحاب خلال السنة الحالية (2006).كما تعالت أصوات شخصيات سياسية وعسكرية مطالبة بالانسحاب من العراق، مثل بريجنسكي، وسكوكروفت (المستشار الأمني للرئيس بوش الأب سابقاً) وكيسنجر، وانضم إليه مؤخراً المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة (كيلي) الذي طالب مؤخراً بانسحاب القوات الأمريكية من العراق خلال شهر واحد.كما طالب ستة من الجنرالات الأمريكيين السابقين الذين سبق أن اشتركوا في الحرب علي العراق أو المساهمة في التخطيط لها، باستقالة السيد رامسفيلد، وزير الدفاع، وحملوه مسؤولية الفشل في الحرب علي العراق.د ـ زيادة الكلفة الاقتصادية للحرب في العراقبلغت تكاليف القوات الأمريكية في العراق حتي 30 كانون الأول/ديسمبر 2005 (251) مليار دولار. كما زادت الكلفة الشهرية لنفقات الحرب في العراق علي حوالي ستة مليارات دولار شهرياً، كما اضطرت الإدارة الأمريكية إلي طلب ميزانيات إضافية من الكونغرس لتغطية النفقات المتزايدة لحربها في العراق، وزاد العجز في الميزانية السنوية للولايات المتحدة إلي أكثر من (400) أربعمائة مليار دولار سنوياً، كما انخفض سعر الدولار الأمريكي في حدود 30 ـ 40 بالمائة نتيجة لحرب العراق ونفقاتها. كما زادت وتضاعفت تقريباً قيمة استيرادات الولايات المتحدة من النفط من (124) مليار دولار عام 2003 إلي حوالي (235) ملياراً عام 2005، ويتوقع أن تصل إلي ما يزيد قليلاً علي (292) مليار دولار عام 2006. كما زاد عجز ميزان المدفوعات الأمريكي نتيجة لكل ذلك، وكذلك الدين العام لأمريكا. وقد قدر تقرير أخير صدر أوائل نيسان/أبريل 2006 أعده اثنان من اقتصاديي أمريكا، أحدهم جوزيف ستيغليز Joseph E. Stiglitz من جامعة كولومبيا والحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد، والثانية ليندا بيلمز Linda Bilmes من جامعة هارفارد، أن الكلفة الاقتصادية لحرب أمريكا في العراق، حسب مشهدين (سيناريوهين) أحدهما متحفظ والثاني معتدل، ما بين واحد واثنين تريليون دولار (التريليون يساوي ألف مليار).هـ تكاثر الفضائح السياسية والمالية لدي الإدارة الأمريكية الحاليةابتداء من قضايا التعذيب في أبو غريب وغيرها واستمراره حتي الآن وفقدان مصداقية الرئيس بوش ونائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد، وقضايا الفساد التي ارتكبتها القوات والإدارة الأمريكية في العراق، والتي كشفت عنها تقارير المفتش العام الأمريكي المعين من قبل الكونغرس الأمريكي، والحديث عن مليارات الدولارات التي لا توجد وثائق صرف قانونية تؤيدها، وقسم كبير منها من أموال العراق نفسه، وإساءة استعمال نائب الرئيس تشيني لمنصبه لإعطاء معظم العقود لإعادة الإعمار والتجهز في العراق إلي شركة مقربة وكان يترأس مجلس إدارتها سابقاً نائب الرئيس تشيني. وكذلك تسريب معلومات تضر بخصوم الإدارة الأمريكية وكان آخرها ما يتعلق بموضوع محاولة العراق الحصول علي اليورانيوم من نيجيريا والتي ثبت عدم صحتها، إضافة إلي فرض رقابة علي هواتف بعض الأمريكيين في الولايات المتحدة دون الحصول علي إذن قانوني والذي يعتبره بعض أعضاء الكونغرس خرقاً للقانون، والذي قد يترتب عليه إذا ما فقدت الأغلبية المحدودة نسبياً للجمهوريين مجلسي الكونغرس، فإن هناك احتمالاً كبيراً أن يطالب أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بالطعن في الرئيس واتهامه بخرق الدستور وطلب تنحيته.و ـ زيادة متاعب الولايات المتحدة في أفغانستان بزيادة نشاط طالبان، وارتفاع حجم ضحاياها النسبي هناك.ز ـ التغييرات السياسية التي تحصل في عدد كبير من دول أمريكا اللاتينية، والتي تمثل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، والتحول المتزايد في دولها في اتجاه اليسار.ح ـ ولكل هذه الأسباب السابقة فإن قيام الرئيس بوش الابن ـ بعد أن أصبحت قضية العراق وتأثيراتها علي الانتخابات النصفية القادمة في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم هي التي ستقرر مصيره ومصير حزبه ـ بمعالجة هذه التداعيات والانسحاب من العراق، سيضع مصيره ومصير حزبه في الميزان.سابعاً: الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في العراقولذلك فإنه كلما قرب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية، ومع فشل العملية السلمية في العراق ومع تدهور وضع الإدارة الأمريكية داخل أمريكا وفي العراق نفسه، فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة لأن تقوم بعمل ما في العراق ينقذ وضعها وسيكون أمامها ثلاثة خيارات رئيسية.1 ـ الخيار الأول: هو أن تفتش عن وسيلة لسحب قواتها من العراق قبل موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر)، بحيث تحفظ لها بعض ماء الوجه، وهنا تصبح المبادرة مطروحة علي بساط البحث الجدي من قبل الولايات المتحدة.2 ـ الخيار الثاني: هو أن تتلكأ الإدارة الأمريكية في اقتناص فرصة المبادرة، وأن تتدهور الأوضاع الأمنية في العراق مع شلل الحكومة العراقية وربما انهيارها إلي درجة لا تترك لها مجالاً للمفاوضة، فتقوم بسحب جيشها من العراق بدون اتفاق مسبق مع الحكومة المنهارة أو المقاومة، وأن تترك العراق لمصيره وهي ما تسمي بالمصطلحات الأمريكية السائدة (القطع والهروب Cut and Run ) مع ما قد يترتب علي ذلك من تداعيات في داخل العراق. وقد تلجأ في هذه الحالة إلي تشكيل حكومة إنقاذ وطني من خارج العملية السياسية والبرلمان الحالي، وإلي أن تضع علي رأسها شخصية عسكرية قوية.3 ـ الخيار الثالث : أن تحاول سياسة الهروب إلي الأمام وأن تقوم بتوجيه ضربة جوية واسعة لإيران تركز فيها علي منشآتها النووية والعسكرية، مع احتمال استعمال أسلحة نووية تكتيكية في تلك الضربة، مع ما قد يترتب علي ذلك من توقف تصدير النفط الإيراني كلياً أو جزئياً، وضرب إيران للقواعد العسكرية الأمريكية في العراق ومنطقة الخليج عموماً، وإغلاق مضيق هرمز مع ما قد يترتب عليه من إيقاف تصدير النفط من بعض دول الخليج الأخري من خلال مضيق هرمز. وسيساعد علي تحقيق هذا السيناريو (المشهد) هو أن الإدارة الأمريكية تقوم بتجييش الرأي العام الأمريكي لهذا الغرض، كما فعلت قبل غزو العراق، حيث تدل استطلاعات الرأي العام الأمريكي الأخيرة علي أن 65 بالمئة من الأمريكيين يؤيدون توجيه ضربة جوية إلي إيران، كما تؤكد تصريحات الرئيس بوش أنه قد يضطر لتوجيه ضربة إلي إيران حتي بدون قرار من مجلس الأمن.ولكن هذا السيناريو وتوجيه ضربة جوية واسعة إلي إيران لن ينقذ الولايات المتحدة من المستنقع العراقي، وقد يعطيها بعض الوقت ولكنه لن يحل مشكلتها في العراق، وستعود العوامل المشار إليها سابقاً فيما يتعلق بمتاعبها في داخل أمريكا وفي العراق إلي تأكيد وجودها وأهميتها. كما أن هناك ما يشير، حسب تقرير سيمور هرش الأخير، إلي أن القيادات العسكرية الأمريكية الحالية في البنتاغون (وزارة الدفاع) قد هددت بالاستقالة إذا ما قرر الرئيس الأمريكي المضي قدماً في توجيه ضربة جوية لإيران.4 ـ ولذلك يعتقد بأن الخيار الأول سيكون أفضل الخيارات العقلانية المتاحة للولايات المتحدة انطلاقاً من مصلحتها المتاحة بعد فشلها في العراق.ثامناً: المبادرةتجاه هذا الوضع ومن أجل التحضير للخيار الأول، بذلت محاولة لمعالجة هذا الوضع، ولإنقاذ العراق وإيجاد نوع من حفظ ماء الوجه للولايات المتحدة.لقد عملنا في مركز دراسات الوحدة العربية علي برنامج للعراق بعد التحرير، استغرق تقريباً كل عام 2005، ثم عقد مؤتمر ـ وصفناه بأنه ندوة ـ في نهاية شهر تموز (يوليو) 2005 بحضور 108 من العراقيين من مختلف الميول السياسية ثلثهم من عراقيي الداخل والثلث من خارج العراق. وقد ناقشوا هذه البرامج وعلي أساس مناقشتهم وتعقيباتهم وضعنا هذا البرنامج في صيغته النهائية كبرنامج تتبناه المقاومة العراقية كجزء من مبادرة سأشير إليها لاحقاً. وقد نشر هذا البرنامج بالعربية وبالإنكليزية. وهذا البرنامج يتضمن مشروع دستور جديد ومشروع قانون المفوضية العليا للانتخابات، ومشروع القانون المتعلق بالجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية، وإعادة بناء العراق وصناعة النفط وسياسته في العراق، والتعويضات المالية المفروضة علي العراق، والإعلام في العراق وإعادة بناء الجيش، والمسألة الكردية.بالإضافة إلي هذا واستعداداً لاحتمال توقع فشل العملية السياسية فإننا أطلقنا مبادرة من أجل حل الأزمة الراهنة، مبادرة تعكس إرادة ورأي المقاومة الوطنية العراقية والقوي السياسية الأخري المعارضة للاحتلال. وأعتقد أننا وزعنا النص الكامل لهذه المبادرة علي الحضور، وينبغي النظر إليها في علاقتها بالبرنامج الذي أشرت إليه.وهذه المبادرة تحتاج من الولايات المتحدة إلي التسليم بالانسحاب الكامل من العراق خلال فترة زمنية محددة، وأن لا تقيم أي قواعد عسكرية دائمة في العراق وأن يصدر قرار من مجلس الأمن الدولي وبضمانته بتعيين شخص رئيس وزراء في العراق يكون محايداً وليس له علاقة بأية أطراف سياسية، وتشكيل حكومة من التكنوقراط غير منتمين لأي حزب سياسي في العراق، وتكون هناك فترة انتقالية لمدة سنتين، وخلال السنة الثانية يتم إصدار قانون انتخاب وتتم انتخابات في العراق لمجلس تشريعي، وخلال الفترة الانتقالية يكون هناك مجلس استشاري من 100 ـ 150 شخصاً، وأن تلتزم الولايات المتحدة والتي هي مسؤولة عن الدمار الذي حصل في العراق بتقديم تعويض للعراق بمبلغ 50 مليار دولار للعراق، وهو أقل من كلفة الحرب لمدة سنة، كما تلتزم المملكة المتحدة (بريطانيا) بتقديم 20 مليار دولار. ويتم وقف إطلاق النار عندما يصدر قرار مجلس الأمن وتنسحب القوات الأمريكية إلي القواعد وفي آخر الستة أشهر تنسحب كلياً. هذه المبادرة تلزم أطراف المقاومة عندما يصدر قرار الأمم المتحدة بأن يكون هناك وقف إطلاق النار، وبعد الستة أشهر أي بعد أن يتم انسحاب القوات الأمريكية تقوم المقاومة بحل نفسها.أما المقاومة الآن، وهذا ما لم يرد في تقارير أنتوني كوردسمان أو تقارير مجموعة الأزمات الدولية، فإضافة إلي العمليات التي تقوم بها، هناك قسم خاص بمثابة قيادة عامة للقوات المسلحة العراقية تعد للجيش العراقي الذي يستلم بعد انسحاب الأمريكيين من العراق. وهناك في المبادرة تفاصيل حول كيفية التعامل مع الأطراف المختلفة. والمبادرة تتضمن جزرة مقدمة لأمريكا بأن تعامل بعد الانسحاب فيما يتعلق بمشاريع إعادة الإعمار في العراق وأي مقاولات موجودة معاملة متساوية مع الأطراف الدولية الأخري دون أي تحيز ضدها. وفيما يتعلق بالمحاكمة التي تتم حالياً حول الرئيس صدام حسين وبعض معاونيه، فالمبادرة تطرح أن كل المخالفات التي تمت من عام 1958 حتي الآن أي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 تنشأ بشأنها لجنة خاصة وكل من عنده شكاوي أيا كان نوع هذه الجرائم سياسية أو غيرها، يقدم إلي هذه اللجنة الشكاوي. وهذه اللجنة تقوم بإجراء التحقيق اللازم، وبعد أن يتم انتخاب برلمان في نهاية السنة الثانية يحدد كيفية التعامل مع هذه الجرائم، وهل يتعامل معها علي طريقة جنوب أفريقيا أو طريقة شمالي إيرلندا أو عن طريق لبنان أو أية طريقة أخري يقررها في هذا الشأن.هذه هي عموماً النقاط الرئيسية وهي في 21 نقطة في المبادرة، وهي مطروحة شرط أن تؤخذ ككل متكامل. فما هي حظوظ هذه المبادرة؟إنني أعتقد أنه ليس أمام الإدارة الأمريكية سوي الخروج من العراق بأقل خسارة ممكنة، وقد تتساءلون لماذا اهتمام مركز دراسات الوحدة العربية واهتمامي أنا بالعراق؟ الشيء الوحيد الذي اتفق فيه مع ما قالته كوندوليزا رايس في كل الفترة الأخيرة، أن العراق مهم ليس للعالم العربي فقط ولكنه مهم للنظام العالمي ككل. ولذلك فإن اهتمامي بالعراق هو اهتمام بقضية المركز المحورية. قد تجدونني متفائلاً، وأنا متفائل أكثر من أي وقت مضي، وأعتقد أن العراق سيشهد بداية نهاية الامبراطورية الأمريكية وسيعقب تحرير العراق زلزال في المنطقة العربية كلها. فإن شاء الله نلتقي بعد سنة أو أكثر ونري إلي أي حد ستكون هذه التوقعات في محلها أم لا؟ وكل ما أستطيع أن أقوله إن كل كلمة ذكرتها هي نتيجة قناعة خاصة، ولم أحاول أبداً أن أخفي أثناء كلامي بعض الحقيقة وأعطي نصف الحقيقة، ولكن ما قلته هو نتيجة قناعتي ونتيجة المعلومات المتوافرة لدي. قد أكون مخطئاً في تحليلاتي وفي استنتاجاتي لكن هذه هي قناعاتي. وكأي باحث آخر فإن المستقبل سيبين إذا كانت هذه التحليلات والتوقعات في مكانها أم لا.ربما تتساءلون ما هي فرص هذه المبادرة لتحظي بالقبول أو لتتعاطي معها الإدارة الأمريكية؟ إن هذه المبادرة والبرنامج المصاحب لها قد أعدا ـ كما قلت ـ بالتشاور مع المقاومة العراقية ومع الأحزاب والجماعات السياسية الرئيسية المعارضة للاحتلال، كاستعداد لمرحلة ما بعد اخفاق العملية السياسية. ونحن نعرف أن الولايات المتحدة لن تأتي الآن لتجلس إلي طاولة المفاوضات، إنما سيحدث هذا بعد أن تكون قد اقتنعت بفشل العملية السياسية. عنذئذ ستبحث عن حل آخر للخروج من العراق، وعن طريقة للخروج من المستنقع الذي تجد نفسها فيه. ونحن نعتقد أنه بسبب انتخابات منتصف المدة المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر القادم فإن الإدارة الأمريكية ستحاول أن تجد حلاً كي لا تفقد أغلبيتها في كلا مجلسي الكونغرس.هذه مبادرة سلمية تعطي للإدارة الأمريكية ما ينقذ ماء الوجه، فإذا لم يكن هذا مقبولاً فإن المقاومة ستستمر، وأعتقد أنها ستــــلجأ في النهاية إلي أسلوب تحرير المـــدن، وتحرير مدينة بعد أخري، بما في ذلك بغداد، وستُجبر القوات الأمريكية علي المغادرة.إنني لآمـــــل لأجل العراق والشعب العراقي، ولأجل أرواح الأمريكيين أيضاً، أن تسترد الولايات المتحدة عقلانيتها ـ ما أن تقتنع بفشل العملية السياسية ـ وأن تبدأ التفاوض علي هذه المبادرة. وشكراً لكم.ہ مدير مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت(ہ) النص هو عبارة عن ثلاث محاضرات ألقاها خلال الأسبوع الأول من شهر نيسان/أبريل الماضي أثناء زيارته لواشنطن بدعوة من مركز الدراسات العربية المعاصرة التابع لجامعة جورج تاون بالعاصمة الأمريكية. وقد ألقيت المحاضرة الأولي (بالإنكليزية) في الجامعة، والثانية (بالعربية) في الجامعة أيضاً، وألقي الدكتور حسيب الثالثة (بالإنكليزية) أمام مركز تحليل السياسة الفلسطينية (الذي كان قد أسسه المفكر العربي الراحل هشام شرابي). وستنشر في عدد ايار (مايو) الحالي من مجلة المستقبل العربي 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية