العـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (1 من 2 )

حجم الخط
0

العـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (1 من 2 )

بوش أوفد رامسفيلد ورايس الي صدام في السجن عارضاً إطلاق سراحه ومعاملة رئاسية وحماية لكنه رفضالأخطاء الأمريكية ليست تكتيكية وإنما استراتيجية وهناك خمسة أنواع للإرهاب.. ولا علاقة للمقاومة بهاالعـراق إلـي أيـن؟ العمليـة السياسيـة مآلهـا الفشـل ولا مخـرج لأمريكـا إلاّ المبـادرة الوطنيّـة (1 من 2 )د. خير الدين حسيبہأولاً: أهداف أمريكا من احتلال العراقلا أريد أن أدخل في تفاصيل الحرب وكيف حصلت وتطوراتها وهو ما أصبح معروفاً، ولكن ما يهمني هو التأكيد علي المرحلة الحالية وعلي المستقبل. ومع ذلك فلا بد من بعض الملاحظات التي سوف تساعدنا في فهم الحاضر والتطلع إلي المستقبل.فإذا استخدمنا طريقة التحديد بالاستبعاد Proce of Elimination، في الإجابة عن التساؤل حول ما هي الأهداف التي يمكن أن تكون أمريكا قد سعت إليها من وراء غزو العراق واحتلاله، واستبعدنا الأمور التي هناك اتفاق علي عدم صحتها (مثل أسلحة الدمار الشامل وعلاقة النظام السابق بالقــــاعدة والديمقراطية.. )، فإنه ستبقي عندنا ثلاثة أهداف محتملة غير معلنة: هدف استراتيجي بسبب موقع العراق، وهدف النفط والسيــــطرة عليه، والهدف الثالث هو حماية أمن إسرائيل. تلك هي الأهداف غير المعلنة المتبقية والمحتملة لغزو واحتلال أمريكا للعراق.ثانياً: موقف الدول العربية من احتلال العراقأما بالنسبة للدول العربية وموقفها من احتلال العراق، فهناك اتفاقية بين الدول العربية تعرف بـ اتفاقية الدفاع العربي المشترك ووُقعت هذه الاتفاقية في عام 1950 وانضمت إليها جميع الدول العربية التي استقلت بعد ذلك التاريخ ووقعت عليها والتزمت بها. وحسب اتفاقية الدفاع العربي المشترك فإنه في حالة تهديد أي دولة عربية عسكرياً من قبل دولة غير عربية فإن علي جميع الدول العربية أن تهب لمساعدتها بما في ذلك عسكرياً وتعتبر هذه حرباً علي جميع الدول العربية. وحتي في حالة التهديد بالعدوان فإن جميع الدول العربية مُلزمة بأن تأتي لمساعدة الدولة العربية المعنية. وأكثر من هذا، تنص الاتفاقيـــة علي أنه لا يجوز لأي دولة عربية أن تعقد اتفاقية عسكرية وأمنية مع دولة أخري غير عربية إذا كان ذلك يهدد الأمن القــــومي العربي. هذا علي الورق، وما حصــــل في الواقع كان مختلفاً.فقبل الحرب كان هناك تحريض من بعض الأنظمة العربية علي الحرب علي العراق، إلي حد الزعم من بعضهم بأن لديه معلومات استخباراتية موثوقة من داخل العراق تقول إن العراق لديه مختبرات متنقلة لصنع الأسلحة البيولوجية. وتم نقل هذه المعلومات إلي الرئيس بوش، وتجدون التفاصيل الخاصة بهذه المعلومات في كتاب بوب وودوورد خطة الهجوم Plan of Aack . إضافة إلي هذا فإن اثنين من رؤساء الدول العربية أبلغوا تومي فرانكس الذي كان قائداً للقيادة المركزية الأمريكية أثناء احتلال العراق أن العراق يملك أسلحة دمار شامــــل، وقد أشار تومي فرانكس في كتابه الذي نشره عن الحرب بعنوان (جندي امريكي) الي هذا بوضوح. هذا كله فضلاً عن إتاحة القواعد البرية والمياه الإقليمية والأجواء الوطنية لعدد من الدول العربية للقوات الأمريكية لاستخدامها في عمليــــة الهجوم والغزو ضد العراق، وعمـــوماً يمكن تصنيف موقف الأنظمة العربية من احتلال العراق ما بين ساكت أو خائف أو متواطئ علناً أو متواطئ سرّاً .لهذا فإنه عندما نتحدث عن الحلول الممكنة وما يُطرح من إرسال جيوش عربية للمساعدة في المحافظة علي الأمن في المدن العراقية الرئيسة، يجب أن نكون واضحين من أن هذه الدول العربية التي هي إما حرضت علي أو ساهمت في الحرب بتقديم التسهيلات العسكرية واللوجستية للقوات المحتلة، لا يمكن أن يُتوقع منها أن تساهم في حل المشكلة الحالية إلا في حدود ما تطلبه السياسة الأمريكية منها.ثالثاً: الأخطاء الأمريكية في احتلال العراقتعرفون الآن ما حصل منذ الغزو والاحتلال وغيره. فما هي الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في احتلالها للعراق؟اعترفت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بأن الولايات المتحدة ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية بقولها: أعرف أننا ارتكبنا أخطاء تكتيكية. الألوف منها. إنني واثقة . ومن المفيد أن نري ما اذا كانت هذه الأخطاء هي فعلاً أخطاء تكتيكية أم أخطاء استراتيجية.1 ـ فحسب معاهدات جينيف ولاهاي فإن الجيوش المحتلة، وأمريكا اعترفت للأمم المتحدة أنها كانت محتلة للعراق، وذلك في الرسالة الأمريكية الموجهة إلي مجلس الأمن والتي صدر علي أساسها القرار 1453 الذي حدد أنها دولة محتلة، حسب هذه الاتفاقيات تكون مسؤولة عن الأمن في البلد الذي تحتله. والذي حصل في العراق أنه في الأيام الأولي في بغداد نُهبت متاحف العراق، ونُهبت السجلات الحكومية والمكتبات وكل ما يتعلق بمؤسسات الدولة من سجلات وغيره، بحيث تم القضاء علي ذاكرة العراق وتُرك الأمر علي هذا الشكل ما بين حرق ونهب وسرقة وما إلي ذلك من أعمال. والسؤال هو هل كان هذا متعمداً أم نتيجةً لعدم التخطيط أو أمور أخري؟ وهناك مجال للاجتهاد. ولكن روبرت فيسك الصحافي البريطاني المعروف ومراسل صحيفة اندبندنت في الشرق الأوسط، والذي كان موجوداً في العراق عند الاحتلال، ذكر في كتابه الذي صدر مؤخراً، وأكد أن هذه الأعمال تمت تحت بصر قوات الاحتلال الموجودة هناك والتي لم تحرك ساكناً لمنعها أو وقفها.2 ـ وعندما دخل الجيش الأمريكي إلي العراق لم يعد أحد في الإدارة الأمريكية أو في القيادة العسكرية يتكلم عن شيء اسمه الشعب العراقي، هم بدأوا يتكلمون عن شيعة وسنة، وعرب وأكراد تركمان إلخ، وقاموا بتشجيع العملية الطائفية في العراق، وقاموا بتشكيل مجلس الحكم المؤقت علي أساس تقسيم طائفي واثني (عنصري) واستمرت العملية السياسية كلها علي هذا الأساس، وكما سنجد بعد قليل أنهم يحصدون الآن نتائج ما زرعوه في تلك الفترة. فإلي أي حد يعكس هذا واقع الشعب العراقي؟بداية، يجب الإشارة إلي إن حوالي ثمانين بالمئة من الشعب العراقي هم عرب، وأن نسبة 95 بالمئة من السكان هم مسلمون. ومنذ استقلال العراق في عام 1920 وحتي احتلال العراق عام 2003 لم يشهد العراق أي صراع طائفي، خلافاً للبنان أو أي بلد آخر حيث توجد فيه مصاعب طائفية. ومن بين رؤساء الحكومات الذين تولوا السلطة بين عام 1920 وعام 2003 (قبل الاحتلال) كان تسعة منهم من العرب الشيعة واثنان من الأكراد. ومن بين 18 من رؤساء الأركان في الجيش العراقي كان ثمانية من الأكراد أي حوالي 44 بالمائة وهي أكبر من نسبتهم في السكان (16.4 بالمئة). وفيما يتعلق بحزب البعث نفسه، فإن غالبية أعضائه كانت من الشيعة، كما كانت أغلبية قيادة حزب البعث، بغض النظر عما كان للقيادة من سلطة حقيقية، من الشيعة. ومن بين الخمسة والخمسين شخصاً الذين نشرت صورهم سلطات الاحتلال وكانوا مطلوبين منها فقد كانت 35 بالمئة منهم من العرب الشيعة. ومن ثم فإن ما تمارسه سلطة الاحتلال في العراق شيء جديد، وقد بدأت بدعم العرب الشيعة ضد السنة ثم أظهرت تحولاً نحو دعم العرب السنة ضد الشيعة. والآن فإنها تزرع ما حصدت.كذلك من المهم أن نعرف كم كانت نسبة الأكراد في العراق ـ حسب تعداد عام 1957 ـ وهو التعداد الوحيد الذي تضمن سؤالاً عن اللغة الأم حيث نستطيع أن نستدل من ذلك عدد الأقليات المختلفة. وقد نظر الأكراد إلي هذا التعداد كأساس لنسبتهم بين السكان وكان ذلك قبل ثورة 1958. وحسب هذا التعداد فإن نسبة الأكراد كانت 16.4 بالمئة. ومدينة كركوك نفسها ـ التي يحاول الأكراد الآن المطالبة بها ـ كانت الأغلبية فيها حسب ذلك التعداد من التركمان والعرب. وينطبق هذا علي محافظة كركوك فالأغلبية هي من التركمان والعرب.إلا أن قوات الاحتلال وسلطاته تتجاهل هذه الحقائق ويجري تحريف الأمور فيما يبث إعلامياً، ولم يظهر تفسير مضاد أو تفسير في الإعلام يشرح الأمر للشعب.3 ـ علي الرغم من مضي أكثر من ثلاث سنوات علي احتلال الجيش الأمريكي للعراق، فإننا نلاحظ أن الأمن في تدهور مستمر، وكذلك الخدمات من كهرباء وصحة ومياه شرب وغيرها، وهذا باعتراف السلطات والتقارير الأمريكية نفسها. وعلي سبيل المثال لا الحصر، ورغم صرف مليارات الدولارات علي مشاريع الكهرباء في العراق، فإن الطاقة الإنتاجية للكهرباء الآن هي أقل مما كانت عليه قبل الاحتلال رغم أن العراق كان يعاني حينئذ من حصار استمر ثلاث عشرة سنة.4 ـ كما جاء قرار حل الجيش العراقي وتسريح مئات الألوف من الضباط والجنود العراقيين بمثابة حل للجهاز الرئيسي لحفظ القانون والنظام في البلد وترك الجنود بلا عمل، الأمر الذي أجبر كثيرين منهم علي البحث عن حلول عنيفة.5 ـ ثم كان قرار اجتثاث البعث. وقد طبق هذا علي كل موظفي الحكومة في جميع المستويات وأياً كانت الدائرة التي يتبعونها، بما في ذلك موظفو المدارس الحكومية…إلخ. الأمر الذي أدي إلي فراغ كبير ـ وكذلك الي حقد كبير ـ وأدي إلي خفض مستوي الخدمات التي تقدم للعراقيين، وهو كان متدهوراً أصلاً بسبب العقوبات التي كانت مفروضة علي العراق لسنوات طويلة قبل الغزو.6 ـ أخطاء في التقدير، فلم يحسنوا تقدير العدد المطلوب من الجنود لضبط الوضع في العراق بعد الاحتلال، كما لم يقدروا حجم المقاومة للاحتلال وعدم الترحيب بهم كما توقعوا، وكذلك عدم تقديرهم الجيد لدور إيران في العراق، وإعلان العراق نموذجاً للديمقراطية في الشرق الأوسط ونموذجاً للتغيير الديمقراطي في المنطقة، وإذا بالعراق يتحول إلي نموذج يخشي الجميع في المنطقة وخارجها، والأمريكيون في الطليعة، أن يتكرر في أي مكان آخر.7 ـ فإذا لم تكن هذه أخطاء استراتيجية، فماذا تكون الأخطاء الاستراتيجية إذن؟رابعاً: السياسة الأمريكية الحالية في العراقإنني أحاول أن أضع أمامكم الخطوط العريضة للسياسة، والاستراتيجية الأمريكية الحالية في العراق، وأن أشارككم في فهم إلي أي حد يمكن لهذه الاستراتيجية أن تنجح؟ وإذا كان لا يبدو أنها ستنجح، فما هو البديل أو البدائل لإخراج أمريكا من مأزقها الحالي؟في تقديري، وفي حدود معلوماتي، فإن الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة في الوقت الحاضر تقوم أساساً حول ما يسمي العملية السلمية وتتضمن ما يلي:1 ـ بعد أن تم الاستفتاء علي الدستور، و الانتخابات التي تمت في 15 كانون الأول (ديسمبر) السابق (2005) ونجحت فيها الولايات المتحدة في إشراك بعض من يسمون العرب السنة بما في ذلك الحزب الإسلامي العراقي وما يسمي الحوار الوطني ـ التوافقي و جبهة الحوار الوطني ، فإنها ومن خلال تضخيم أهمية هذه المشاركة وكذلك تضخيم الثقل الحقيقي للأطراف السنية المشاركة، فإنها قد نجحت جزئياً في إعطاء الانطباع بأن جميع التكوينات السياسية والاجتماعية في العراق قد ساهمت في العملية الانتخابية، رغم كل التزوير الذي تم فيها. وقد ساعد الإدارة الأمريكية في ترويج هذه الانطباع، أن المقاومة الوطنية العراقية قد سمحت بهدنة خلال فترة الانتخاب أعطـــت انطـــباعاً بموافقتها غير المباشرة علي العمـــلية السياسية، رغم ما تقوله المقاومة الوطنية بأن موقفها هذا كان استجابة لرغبة شعبية واسعة للاشتراك في انتخابات 15 كانون الأول (ديسمبر) الأخيرة لأسباب مختلفة.2 ـ محاولة التفاوض وإجراء الاتصالات مع أطراف المقاومة المختلفة، عدا جماعة الزرقاوي، وكل علي حدة، لإيقاف المقاومة والمشاركة في العملية السياسية. وقد فشلت حتي الآن في ذلك.وقد اضطرت الولايات المتحدة بعد فشلها في إقناع المقاومة بالمشاركة في العملية السلمية، إلي اللجوء إلي وسيلة أخري لعلها تبين مدي الوضع الحرج الذي تجد نفسها فيه، حيث اضطرت إلي الاستعانة بالرئيس العراقي صدام حسين في سجنه لإقناع المقاومة بالالتحاق بالعملية السياسية. وفي هذا الإطار من المفيد أن أذكر لكم معلومة مهمة لم يتطرق إليها الإعلام حتي الآن، ذلك أنه بغض النظر عن الخطاب الأمريكي عن النظام السابق وعن صدام حسين، فإن الإدارة الأمريكية في محاولتها للمفاوضة مع المقاومة وإيجاد تسوية سياسية، اتصلت بالرئيس صدام حسين في سجنه وكانت هناك مجموعة من الشخصيات العالمية مثل أحمد بن بيلا ونيلسون مانديلا وغيرهم قد رأوا الرئيس بوش بشأن موضوع صدام حسين والوضع في العراق. والرئيس بوش أرسل دونالد رامسفيلد إلي بغداد في مهمة خاصة وقابل صدام حسين وعرض عليه أن يخرج هو وعائلته وجميع أقاربه ويختار أي بلد أوروبي يريده وتضمن له الولايات المتحدة المعاملة علي مستوي رئاسي وكل الضمانات والحماية وغيرها مقابل أن يطلب من المقاومين من حزب البعث أن يوقفوا المقاومة ويلتحقوا بالعملية السياسية. والرئيس صدام حسين رفض هذا رفضاً باتاً. ثم جُددت المحاولة مرة ثانية، فمحامي الرئيس صدام حسين أعطي الانطباع بأنه ربما يكون الآن مستعداً، وهذه المرة ذهبت كوندوليزا رايس وقابلت صدام حسين قبل مدة، وعرضت عليه العرض نفسه، ورفض صدام هذا العرض مرة أخري رفضاً باتاً. وأعلن أنه لو أراد أن يترك العراق لكان تركه سابقاً لكنه موجود في العراق ويريد أن يموت في العراق وتفاصيل أخري.3 ـ استكمال العملية السياسية بتشكيل حكومة جديدة موالية للولايات المتحدة، وتوقيع اتفاق أمني ودفاعي معها يتضمن انسحابها من المدن العراقية الرئيسية إلي القواعد التي قامت بإنشائها في العراق، وبعد أن يتم استكمال بناء ما يسمي الجيش العراقي الجديد وقوات الشرطة وغيرها من القوات الأمنية، وأن يقتصر دورها بعد ذلك علي تأمين التغطية الجوية لتلك القوات العراقية، وإذا ما تطلب الأمر الطلب من جامعة الدول العربية من خلال الحكومة العراقية الجديدة الموالية لها، إرسال قوات عسكرية عربية و/أو إسلامية لتتولي حماية المدن الرئيسية العراقية وإلي أن تتمكن القوات الحكومية الجديدة من تولي تلك المسؤولية.4 ـ أن يقتصر وجود القوات الأمريكية، بعد تنفيذ ما ورد في الفقرة (3) أعلاه علي أربعة قواعد عسكرية رئيسية في العراق.خامساً: ما مدي إمكانية نجاح هذه الاستراتيجية الأمريكية في العراق؟يمكن القول إن مدي نجاح هذه الاستراتيجية في العراق تعترضه الصعوبات التالية:1 ـ تعثر العملية السياسية في العراق، حيث رغم كل الضغوط الأمريكية فإن الأطراف العراقية المختلفة لم تتمكن حتي الآن، وبعد مضي أكثر من أربعة أشهر علي الانتخابات، من الاتفاق علي رئيس للوزراء.2 ـ وحتماً بعد أن يتم الاتفاق علي رئيس للوزارء والمواقع الرئيسية الأخري وعلي المحاصصة الطائفية في اختيار الوزراء، فلا يتوقع أن تكون هذه الوزارة فاعلة وأن تتمكن من ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار وتحسين الخدمات للشعب العراقي من كهرباء وماء وصحة وغيرها، والتي هي جميعاً آخذة بالتدهور منذ الاحتلال وحتي الآن، وخاصة أن الأطراف المختلفة المشاركة في الحكومة الجديدة، وبفرض نجاحها، تنطلق من اعتبارات طائفية ومذهبية وعنصرية ولا تمتلك أفقاً وطنياً يجمعها فيما بينها، مما سيعكس نفسه في صراعات داخلية بينها وفي أدائها. وبالتالي من المتوقع أن تفشل هذه الوزارة، حتي لو تمّ تشكيلها، في المهمات الرئيسية المتوقعة منها.3 ـ ستحتاج الحكومة الجديدة، حتي إذا تم تشكيلها، وكذلك البرلمان الجديد، إلي إصدار (55) قانوناً لتطبيق بعض مواد الدستور التي تحتاج إلي هذه القوانين، وبعض هذه القوانين تمثل قضايا شديدة الخلاف والحساسية بين التكوينات السياسية المختلفة حالياً في العراق.4 ـ كما يتطلب الأمر من هذه الوزارة الجديدة والبرلمان، أن يقوما بتشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور الذي تم الاتفاق عليه في استفتاء تشرين الأول (اكتوبر) الماضي (2005) والذي ينص علي تشكيل لجنة خلال مدة لا تزيد عن (120) يوماً لإعادة النظر في الدستور حول المواد المختلف عليها فيه.5 ـ وحتي إذا نجحت الحكومة الجديدة في تشكيل هذه اللجنة، فإن المطلوب موافقة هذه اللجنة علي التعديلات المقترحة، وهو أمر غير مؤكد، ثم موافقة الحكومة ومجلس النواب علي هذه التعديلات المقترحة وهو أمر في غاية الصعوبة.6 ـ وحتي لو وافقت الحكومة والبرلمان علي التعديلات المقترحة من قبل اللجنة، فإنها يجب أن تعرض خلال (60) يوماً علي الاستفتاء الشعبي. وحتي إذا افترضنا جدلاً أن التعديلات (أو الدستور المعدل) سيمر بكل هذه المراحل بنجاح بما فيها عملية الاستفتاء، فإن بإمكان أية ثلاث محافظات أن تسقط هذا الدستور المعدل (التعديلات) إذا صوّت ثلثا الناخبين فيها برفض التعديلات، وهو أمر محتمل جداً إذا كانت التعديلات لا تلائم الأكراد حيث بإمكانهم إفشالها من خلال رفض ثلثي الأكراد في محافظات أربيل والسلمانية ودهوك، أو إذا كانت التعديلات لا تلائم قائمة الائتلاف فيمكن أن يحصلوا علي رفض ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات علي الأقل في الجنوب و/أو وسط العراق لرفض هذه التعديلات.7 ـ وجميع ما ذكر أعلاه هو نتيجة لغياب الممارسة والثقافة الديمقراطية في العراق. فمنذ ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 لم يمارس العراقيون أبداً تصويتاً حقيقياً في انتخابات، فإذا ما أخذت الفترة من 1958 إلي 2003 نجد أننا نتحدث عن 45 عاماً، وإذا زعمنا أن الشخص يكون قد وصل إلي النضج السياسي في عمر الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة نستطيع أن نقول إنه حينما وقع الاحتلال كان جميع العراقيين من عمر الستين فأقل ممن لم يمارسوا الديمقراطية في العراق.فماذا عن القوي السياسية في العراق؟ الأحزاب السياسية التي جاء معظم قادتها مع قوات الاحتلال لم يمارس أي منها أية ديمقراطية. قادة المجلس الأعلي للثورة الإسلامية معينون ولم ينتخبوا أبداً، وينطبق هذا علي إبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي، وحتي علي الأكراد، إذ يقال أحياناً إن كردستان نموذج للديمقراطية. حسناً إن المرة الوحيدة التي جرت فيها انتخابات برلمانية ـ لانتخاب برلمان كردي ـ كانت في عام 1994، وقد عاش هذا البرلمان عاماً واحداً وشكلت حكومة موحدة انقسمت بعد ذلك إلي حكومتين، واحدة في السليمانية وواحدة في آربيل، وجري قتال إلي حد أن مسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردي طلب العون من صدام حسين لاخراج أتباع جلال الطالباني منها. ومسعود برزاني لم يجر أبداً انتخابات في حزبه وهو يتزعم هذا الحزب، وينطبق الأمر نفسه علي جلال طالباني حتي الآن. وقد أعلنا أنهما سيوحدان حكومتيهما مرة أخري في غضون عامين، ولكن أكثر من ثلاث سنوات مضت ولم يفعلا شيئاً من هذا القبيل. وإذن فهذه تنظيمات ميليشيا وهؤلاء قادة ميليشيات، وينبغي أن نضع هذا في اعتبارنا حينما نتحدث عن مستقبل الديمقراطية في العراق.لم أكن أقصد مما ذكرت أننا ينبغي أن لا نبدأ العملية الديمقراطية، إنما يتعين علينا أن نعي حدود هذه العملية. والصعوبة الأخري الواضحة الآن بعد الانتخابات بشأن تشكيل مجلس وزراء تكمن في أنه لا يوجد قادة يملكون القوة أو الصدقية أو حتي الرغبة في تجميع أحد حولهم إلا من ينتمون إلي ديانتهم أو جماعتهم العرقية. فكيف يمكن تشكيل حكومة موحدة من هذه الجماعات؟هذه هي المحنة التي تواجهها إدارة بوش الآن في العراق. ويمكن للمرء أن يقول بأمان إن الاستفتاء علي الدستور وانتخاب مجلس جديد للنواب في كانون الأول (ديسمبر) 2005 لم يأتيا بأمن أو استقرار، إنما هما ـ عوضاً عن ذلك ـ كشفا عمق الانقسامات الطائفية والعرقية في العراق.8 ـ ويضاف إلي كل ذلك استمرار المقاومة الوطنية العراقية بعد فشل القوات المحتلة في العراق في إجراء حوار معها للتخلي عن المقاومة والانخراط في العملية السياسية، حيث فشلت الإدارة الأمريكية في إقناع أطراف المقاومة الوطنية بذلك، والتي تطالب قبل الدخول في أية مفاوضات بإعلان الإدارة الأمريكية عن استعدادها للانسحاب من العراق خلال مدة وجيزة بدون ترك أية قواعد عسكرية وراءها في العراق، وأن المفاوضات يمكن أن تتم بعد إقرار الإدارة الأمريكية بذلك وحول تنفيذ ذلك. وهنا لا بد من بعض التوضيح حول المقاومة العراقية.المقاومة العراقيةسأعطي خلاصة سريعة عن المقاومة في العراق، فأولاً يجب التفريق بين المقاومة والعمليات الإرهابية. هناك عمليات إرهابية من قتل وخطف واستهداف مدنيين، وهذه أمور مُدانة بكل المعايير وبكل القوة، ولكن القضاء علي هذه العمليات الإرهابية ليست مسؤولية المقاومة، لأن الأمن هو مسؤولية قوات الاحتلال وما تسمي الحكومة العراقية المؤقتة. أما المقاومة فهي أمر آخر.في أدبيات التقارير الأمريكية يطلقون عليها اسم التمرد Insurgency ولا يستعملون كلمة المقاومة Resistance فيما عدا المجموعة الدولية للأزمات فهي تسميها أحياناً مقاومة وأحياناً أخري تمرداً.وقيل كلام كثير حول المقاومة وحول ما إذا أعد لها قبل الغزو أو بعد الغزو. ومن الملاحظ من تجارب المقاومة في دول مختلفة، أنه كانت هناك فترات تحضيرية تستغرق ما بين ستة أشهر إلي سنة بين الاحتلال وبدء المقاومة. أما في حالة العراق فقد سقطت بغداد في 9 نيسان (أبريل) 2003 والمقاومة بدأت في الشهر نفسه. وهذا أثار الكثير من الجدل حول ما إذا كانت المقاومة معداً لها مسبقاً ومهيأ لها، وهناك تقارير مختلفة وآراء مختلفة حول هذا الموضوع. لكن أياً كان، سواء أعد قسم منها قبل الغزو أو بعد الغزو مباشرة، فالمقاومة موجودة ومستمرة وتتزايد.بالنسبة لمن يريد أن يأخذ معلومات أكثر حول المقاومة، هناك تقريران صدرا مؤخراً. أحدهما أعتقد أنه من أهم التقارير التي صدرت حول المقاومة، وهو التقرير الذي صدر يوم 23 آذار (مارس) الفائت بعنوان Iraq’s Evolving Insurgency and the Risk of Civil War لأنتوني كوردسمان الأستاذ بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، ويقع التقرير في أكثر من 200 صفحة لكن الخلاصة التنفيذية والاستنتاجات لا تدع مجالاً للشك في أن هناك مقاومة متزايدة ومنتشرة وعلي درجة عالية من التخطيط والتقدم التكنولوجي، وهي في سباق مع البنتاغون في بعض العمليات. علي سبيل المثال أذكر حالة منها، هناك شيء يسمونه Road Side Bomb أي المتفجرات التي تزرع علي جوانب الطرق والمصطلح التقني لها هو IED وهذا اختصار لعبارة Improvised Explosive Devices أي أجهزة تفجير مرتجلة؛ وأكثر من 50 بالمئة من الإصابات القاتلة في القوات الأمريكية و70 بالمئة من الجرحي هي بسبب هذا النوع من المتفجرات. وفشلت كل المحاولات من البنتاغون للقضاء علي هذا النوع، ومؤخراً اضطر البنتاغون أن يعيد جنرالاً متقاعداً للعمل مع فريق وخصصوا لهم 3.2 مليار دولار لمحاولة مكافحة الـ Road Side Bomb في العراق، وهذا مثال فقط.والتقرير يشمل معلومات مفصلة حول القيادة وغيره. والتقرير الثاني المهم والمكمل في الحقيقة لهذا التقرير هو التقرير الذي نشرته المجموعة الدولية للازمات وعنوانه: المقاومة تتحدث عن نفسها: قراءة المقاومة العراقيةأكثر من زرقاويوأعود إلي حديثي عن المقاومة. وكما ذكرت هناك مجموعة من الأعمال هي أعمال إرهابية لا علاقة بها بالمقاومة، ومن ضمن هذه الأعمال الإرهابية تدخل مجموعة ما يسمي بالزرقاوي إلخ، ولكن هل الزرقاوي موجود أم لا؟ في الحقيقة الزرقاوي موجود ولكن هناك أكثر من زرقاوي، فهناك زرقاوي أمريكي وهناك زرقاوي موساد وهناك زرقاوي إيراني وهناك زرقاوي حقيقي. بعض القوات الخاصة الأمريكية تقوم بعمليات باسم جماعة الزرقاوي والقاعدة إلخ، وهناك قسم آخر، فالزرقاوي لديه إمكانيات مالية كبيرة وهناك مجموعات من عشرة أو 15 أو ربما 20 إلخ، والذين لديهم لسبب أو لآخر مآخذ علي القوات الأمريكية، فيأخذون إمدادات من مال وسلاح من الزرقاوي ويُخترقون من قبل بعض القوات الخاصة سواء كانت أمريكية أو إيرانية أو موساد ويقومون بعمليات وتحسب كلها ضمن الزرقاوي.وعلينا دائماً أن نفرق بين الإرهاب والمقاومة. وفيما يخص الإرهاب هناك خمسة أنواع من الإرهاب في العراق.الأول: ذلك الذي تنفذه قوات الاحتلال، وأعتقد أنه اصبح معروفا ما حدث في أبو غريب وأشياء أخري. إن تقريراً نشر مؤخراً ـ قبل أربعة أيام فقط ـ من منظمة العفو الدولية عن اعتقال وتعذيب العراقيين علي أيدي القوات الأمريكية في العراق وعلي أيدي قوات الحكومة. ولا يسمح لي الوقت بالخوض في هذا، ولكن التقرير متاح علي موقع منظمة العفو الدولية علي الانترنت، ولست أظن أن هذا شرف لأي جيش في العالم، إنه عار.هناك جماعات إرهابية شكلتها قوي خاصة تمارس هذه الأمور، وقد نشر في 31 آذار (مارس) تقرير يفيد أن جيشاً ثالثاً عراقياً ليس تحت سيطرة وزارة الدفاع موجـــود في العراق، وهو تحت سيطرة القوات الأمريكية وأولئك وحدهم هم الذين يؤدون المهام القذرة. لقد أكدت وزارة الدفاع هذا التقرير. وعلي الرغم من أن أحد القادة العسكريين الأمريكيين أنكره، إلا أن مسؤولين عراقيين أكدوه.النوع الثاني: من الإرهاب هو ما تمارسه قوات الحكومة الانتقالية الحالية.والنوع الثالث: تمارسه الأحزاب السياسية الرئيسية الحاكمة في العراق في الوقت الحاضر وميليشياتها.أما النوع الرابع: فهو الذي تمارسه مخابرات حكومات أجنبية معنية بتفتيت العراق واضعافه، وذلك مثل المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وغيرها الذين يعملون جميعاً في العراق.وهناك النوع الخامس: من الإرهاب وتمارسه القوي التي تزعم أنها مقاومة: وهي قوي لا علاقة للمقاومة الوطنية الأصيلة بها. وهذه تشمل ما يسمي عادة في أجهزة الإعلام بالقاعدة أو جماعات الزرقاوي، وهناك أكثر من زرقاوي، كما أشير إلي ذلك سابقاً.ہ مدير مركز دراسات الوحدة العربية في بيروتہہ محاضرة القيت في مركز الدراسات العربية التابع لجامعة جورج تاون، واشنطن وستنشر في عدد ايار (مايو) من مجلة المستقبل العربي 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية