القاهرة ـ «القدس العربي»: قالت منظمة «العفو الدولية» الخميس، إنّ قطاع الأمن الوطني في مصر، وهو جهاز متخصص في ضبط القضايا السياسية وتلك المتعلقة بالإرهاب، «يستخدم بشكل متزايد نمطاً مُحكماً من الاستدعاءات غير القانونية والاستجوابات القسرية، التي ترقى إلى المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة» فضلاً عن «إجراءات المتابعة والمراقبة المُفرطة ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين، في محاولة لمضايقتهم وترهيبهم بهدف إسكاتهم، ما يؤدي إلى تدمير حياتهم».
ووثقت، في تقرير حمل عنوان «اللى بيحصل ده هيخلص لما تموتي» كيف استخدم قطاع الأمن الوطني هذه الإجراءات للتحكم بحياة 21 رجلاً وتسع سيدات بين عامي 2020 و2021.
ونقل عن النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، قولهم، إن «ضباط قطاع الأمن الوطني، دأبوا على تهديدهم في كل استدعاء بالقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة ما لم يحضروا جلسات الاستجواب، وإن الضباط داهموا منازل مَن امتنعوا عن الحضور».
وحسب التقرير: وصف ما لا يقل عن 20 من الضحايا كيف يعيشون في خوف دائم من الاحتجاز على أيدي قطاع الأمن الوطني، «ما يرميهم في حالة من القلق والاكتئاب، ويحرمهم من حقوق أساسية، ويعيق بشدة قدرتهم على أن يعيشوا حياةً طبيعية. ونتيجةً لذلك، يشعر كثيرون منهم بالخوف الشديد من التعبير عن آرائهم أو المشاركة في أنشطة سياسية، بينما اضطُر البعض إلى مغادرة البلاد».
«يدمّر حياتهم»
فيليب لوثر، مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال افريقيا في منظمة العفو، قال، إن الأسلوب الجديد الذي يستخدمه قطاع الأمن الوطني في ترهيب ومضايقة نشطاء ومحامين وعاملين في منظمات غير حكومية بشكل متواصل يدمّر حياتهم.
وتابع: «الأسلوب الجديد، يحرمهم من العمل أو السفر، ويرميهم في خوف دائم من القبض عليهم. وتكشف أسئلة وتهديدات مسؤولي قطاع الأمن الوطني، عن هدف واضح وهو قمع أنشطة حقوق الإنسان والأنشطة السياسية».
وزاد: «هذا هو مثال آخر على إساءة استخدام السلطة من جانب ضباط قطاع الأمن الوطني، ما يؤدي إلى حرمان صارخ من الحريات وحقوق الإنسان الأساسية. وقد أثبت الإفلات من العقاب عن انتهاكات قطاع الأمن الوطني على مر السنين غياب إرادة سياسية لإنهاء تلك الممارسات المسيئة. ولهذا السبب، تطالب منظمة العفو الدولية الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بأن تدعم على وجه السرعة إنشاء آلية لرصد وضع حقوق الإنسان في مصر ورفع تقارير عنه».
وأكد أن «ضحايا الممارسات المُسيئة على أيدي قطاع الأمن الوطني، الذين لا يُحصى عددهم، أصبحوا عاجزين عن ممارسة حياتهم على نحو طبيعي وآمن من جراء الترهيب والتهديد بالسجن بشكل متواصل. يُعاقب هؤلاء النشطاء عقاباً مُضاعفاً بسبب أنشطتهم المشروعة، حيث سبق أن تعرضوا للاحتجاز التعسفي.
ويتعيَّن على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الداخلية المصري إنهاء تلك المضايقات خارج نطاق القضاء بحقّ النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان».
ولفت التقرير، إلى «الإجراءات التي يتخذها قطاع الأمن الوطني، بدون أوامر قضائية أو أسس قانونية، انتهاكاً للقانون الدولي والمعايير الدولية، وكذلك لأحكام الدستور وقانون الإجراءات الجنائية” المصريَين».
استجوابات مُسيئة
وحسب التقرير، «دأب ضباط قطاع الأمن الوطني، على استجواب الأشخاص الذين تم استدعاؤهم عن أنشطتهم المتعلقة بحقوق الإنسان أو أنشطتهم وآرائهم السياسية، بما فيها تلك التي يُعبرون عنها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عن أنشطة وخطط جماعات المعارضة، أو الحركات السياسية، أو منظمات حقوق الإنسان التي يشتبه أولئك الضباط في انتساب المُستدعين إليها، كما كانوا يأمرونهم بالإبلاغ عنها. ولم يُسمح للمستجوَبين باصطحاب محامين معهم».
ولفت، إلى أنه «خلال تلك الاستجوابات، لجأ الضباط إلى استجواب المُستدعين بشكل متطفِّل عن حياتهم الشخصية وأنشطتهم السياسية، وإلى الإيذاء البدني والنفسي الذي قد يرقى إلى المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وكذلك إلى فحص محتوى هواتفهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي من دون إذن قضائي».
تهديدات
وأوضح أن في أغلب الحالات التي وثَّقتها منظمة العفو الدولية، كان ضباط قطاع الأمن الوطني «يهددون الأشخاص المُستدعين بالسجن والتعذيب وغيره من أشكال الأذى البدني لهم ولأسرهم، إذا رفضوا الكشف عن المعلومات المطلوبة، كما كانوا يحذِّرونهم من ممارسة حقوقهم في حرية التعبير أو حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها أو حرية التجمع السلمي بعد الاستجواب».
ونقل التقرير عن مدافع عن حقوق الإنسان، استُدعي إلى مقر قطاع الأمن الوطني في عام 2020 قوله: «سألني ضابط قطاع الأمن الوطني، المنظمة بتعمل أيه وبتشتغل على أيه، وعلى المدير، والتمويل، وطبيعة عملي، وهددني بعدم رؤية الشمس مرة أخرى».
وقالت مدافعة أخرى عن حقوق الإنسان، إنها تعرضت للتحرش الجنسي من أحد عناصر الشرطة، و«جرى تهديدها، عندما قررت أن تشتكي الضابط المتحرش، أخبروها، أنها لو حررت محضرا، ستعود للسجن مرة أخرى».
وسبق للمنظمة أن وثَّقت تقاعس النيابة بشكل منهجي عن التحقيق في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري على أيدي قطاع الأمن الوطني، ودور هذا الأخير في احتجاز نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان تعسفياً، بالاستناد فقط إلى تحريات قطاع الأمن الوطني السرية.
حرمان من الحرية
وتبعاً للعفو الدولية، «تخطى العقاب فكرة الاحتجاز، فقد أمرت الشرطة نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، وجميعهم سبق أن احتُجزوا لفترات وصلت إلى ثلاث سنوات بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، بالحضور أسبوعياً أو شهرياً إلى مكاتب قطاع الأمن الوطني في أقسام الشرطة أو في مقار منفصلة للقطاع، حيث يظلون محرومين من حريتهم لساعات أو أيام من دون أي أساس قانوني أو إشراف من السلطات القضائية، ومن دون إمكانية طلب التعويض أو الإنصاف».
وزاد التقرير: «ترقى إجراءات المراقبة الشُرطية هذه، والمُتخذة خارج نطاق القضاء ويُشار إليها بتعبير المتابعة، من جانب ضباط قطاع الأمن الوطني، إلى الحرمان التعسفي من الحرية، وهي تختلف عن إجراءات المراقبة بأمر قضائي، كما أنّها غير محددة الأجل ولا تخضع إلا لأهواء ضباط قطاع الأمن الوطني، وفي كثير من الحالات، تعرَّض المحتجزون للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، كما لحقت أضرار شديدة بحقهم في العمل وفي الحياة الأُسرية».
وتابع: «من المستحيل تحديد عدد الأشخاص الذين يتعرضون للمتابعة من قطاع الأمن الوطني، حيث أنّ هذه الممارسات تجري في غياب أوامر من السلطات القضائية، ولا تُتاح سجلات رسمية مكتوبة بشأنها».
ونقل، عن محامين قولهم، إن كثيرين من موكليهم الذين أُفرج عنهم اعتباراً من عام 2015 تعرضوا لهذه الممارسات بشكل متزايد بدءاً من عام 2019.
وتناول التقرير، كيف أن هذه الممارسات، تقع خارج أحكام القانون الدولي، والدستور وقانون العقوبات، التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وكذلك التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصية الشخص أو عائلته أو بيته أو مراسلاته.
ولفت، إلى انضمام مصر، لقانون العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وينص على أنه (لا يجوز أن يتعرض أي إنسان للقبض أو الاحتجاز تعسفياً، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب منصوص عليها في القانون ووفقاً للإجراءات المقررة فيه. وينبغي أن يُبلّغ الشخص المحتجز على وجه السرعة بأسباب احتجازه، وأن يُقدّم للمثول أمام أحد القضاة. كما يجب أن تُتاح له فرصة الطعن في قانونية احتجازه، ويجب إبلاغه بحقوقه، بما في ذلك الحق في التزام الصمت).
غياب الإنصاف القانوني
وخلص التقرير، نقلا عن الضحايا، إلى «عدم وجود سُبل قانونية يمكنهم استخدامها للطعن في تلك الإجراءات أو الإبلاغ عن الانتهاكات أو السعي لتحقيق العدالة، وهو الأمر الذي يضع ضباط قطاع الأمن الوطني، فوق النظام القانوني. فقد شعر الضحايا بأنهم غير قادرين على تقديم بلاغات للنيابة أو التنديد علناً بما تعرضوا له، خوفاً من انتقام ضباط قطاع الأمن الوطني، وذلك بالنظر إلى التواطؤ الموثَّق للنيابة في انتهاكات قطاع الأمن الوطني. وكثيراً ما ذكر الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية أن ضباط قطاع الأمن الوطني كانوا يتفاخرون ويتصرفون بثقة تامة في أنه لا عواقب لأفعالهم».
وتشكّك النتائج التي يتضمّنها التقرير في «جدية» الالتزامات المذكورة في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان الخاصة في مصر، والتي أُطلقت خلال حفل حضره الرئيس عبد الفتاح السيسي في 11 سبتمبر/أيلول ووعد فيه بصون الحقّ في الحرية، والخصوصية، وحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها، وحرية التجمع السلمي.
وحسب المنظمة، «تفضح المضايقة بلا هوادة للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء تبنّي السلطات المصرية حديثاً لاستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وسط جلبة صاخبة، كمجرّد محاولة ماكرة لتبييض سجلها غير المشرّف في حقوق الإنسان».
ودعت، النائب العام المصري إلى «فتح تحقيقات وافية ومستقلة حول ممارسات قطاع الأمن الوطني المُسيئة. إذ يجب محاسبة المسؤولين عن تلك الممارسات على وجه السرعة، بغض النظر عن رُتبهم أو مكانتهم أو وظائفهم. كما يجب أن يصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي تعليمات لوزير الداخلية بوضع حد على الفور للمضايقة والاستدعاء خارج نطاق القضاء للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء، كما يتعيَّن على وزير الداخلية أن يندد علناً بهذه الممارسات».