العفو العام في كل من ليبيا وسورية ومسألة انتقال السلطة في العالم العربي!
عادل الحامديالعفو العام في كل من ليبيا وسورية ومسألة انتقال السلطة في العالم العربي! لن أتحدث عن الرسوم الكارتونية التي أساءت الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، علي الرغم من أنها الأولي بالكتابة والتعبير، ولن أتحدث عن حرية الصحافة والفرق بينها وبين التعدي علي الأديان ومقدسات المسلمين مع أنها أهم وأولي في هذا الظرف الدقيق، فأنا أكتب للعالم العربي ولقراء العربية ممن يحترمون الإسلام وأهله. فن الممكن السياسي وأحكام الواقع الصارمة ومنطق ما لا يدرك كله لا يترك جله، ذلك هو ما حدا بالقيادة السياسية الليبية إلي الاحتيال علي المسلمات الفكرية والسياسية للنظرية العالمية الثالثة والدخول بها في عالم ما بعد الحرب الباردة، في محاولة قيل بأنها لا تهدف للإفلات من قبضة المارد الأمريكي الذي أخطأت صواريخه رأس قائد ثورة الفاتح من سبتمبر منذ ما يقارب العقدين من الزمن يوم دكت الطائرات الأمريكية مقر إقامة العزيز في العزيزية المصانة، بل تستهدف إعادة بناء المنظومة السياسية علي مستوي العالم. عاشت الجماهيرية سنوات طويلة تحت الحصار وما أحدثه من أضرار فادحة طالت الاقتصاد الليبي وعصفت بالحياة الاجتماعية في هذا البلد الثري حتي أتي حين من الدهر علي الليبيين لا يجدون الدواء الكافي ولا الشراب الكافي ولا حتي ما اعتاده الليبيون من طعام كاف، كل ذلك والقيادة الليبية مرابطة مصابرة في وجه الغرب الليبرالي الذي أدار لها الظهر وعمل كل ما في وسعه لعزل هذا البلد العربي إقليميا ودوليا. لم تكن عملية لوكربي التي ذهب ضحيتها زهاء الثلاثمائة من المدنيين أول الجرائم المقترفة ضد الأبرياء، فقد سبق الجماهيرية إلي تلك الفعلة كثيرون في لبنان وليبيا والسودان ومصر والعراق وفلسطين جمع بينهم الإحساس بالغبن والاضطهاد، لكن تلك أحداث تجاهلها مجلس الأمن الدولي وهمشها أعضاؤه الفاعلون حتي غدت نسيا منسيا. أنهت ليبيا إذا سنوات الحصار بعد أن دفعت دية ثقيلة إلي الورثة والمنتفعين في حين ظل المقرحي سجينا يدفع ثمن خطايا سياسية ارتكبتها قيادته يوم كان الاختلاف ممكنا والمدافعة بين الأنظمة والأنساق ميسورة. المقرحي المذنب الذي لم تنجح أطنان الورق المالي ولا حتي قبر المشاريع العسكرية في الإفراج عنه، مثل سابقة في القانون الدولي فريدة، إذ لاول مرة يعدم فيها الجاني رغم دفع الدية. الغرب ديمقراطي مع الذات حتي النخاع عندما يتعلق الأمر بشأنه الداخلي، لكنه يبدو غرائزي السلوك يستنهض كل مخزونه العدائي وحتي العقائدي كلما تعلق الأمر بمصالحه الخارجية، إذ يستأسد ويتنمر ويثور لمجرد إغراق السوق الأوروبية والأمريكية بالسلع الصينية الرخيصة، وهذا مفهوم تماما، إلا أن هذا الغرب نفسه والذي تعودنا منه العقلانية والاتزان يفقد قدرته علي التعاطي بنفس الحكمة والقدرة علي ابتداع الحلول الوسطي عندما يتعلق الأمر بالعالمين الإسلامي والعربي علي وجه الخصوص، وذلك لأسباب ثقافية وتاريخية، وليس العراق إلا مثالا صارخا علي ما ذهبت إليه. في رد فعل بدا كأنه متهافت سارعت واشنطن التي كانت تعد لغزو العراق علي الرد علي القرارات الليبية المفاجئة بما هو خير منها، فما ان أعلنت اللجان الثورية قرارها بالمسؤولية الجزائية عن حادثة لوكربي حتي بادرت كل من العاصمتين البريطانية والأمريكية إلي الترحيب علنا بما توصلت إليه القيادة الليبية من عزم علي البت الفعلي في هذه القضية التي عصفت بالعلاقات الليبية ـ الغربية طوال ما يزيد عن عقد من الزمن. وهكذا دخلت الشقيقة ليبيا المجتمع الدولي علي حين غرة ولم يبخل عنها هذا الغرب بمد الجسور الديبلوماسية منها والاقتصادية، وهو ما نثمنه. يشهد للنظام الليبي كثير من المراقبين والساسة بالفطنة والذكاء والقدرة علي التأقلم مع المتغيرات الدولية، لكن ذلك لم يمنعه من المراوحة المزمنة في نفس المستنقع السياسي الداخلي، حيث أثبت عجزا كبيرا في قدرته علي الانفتاح السياسي الضروري لأية سلطة تريد الاستمرار في الحكم من غير متاعب ولا تثريب. ولقد حسبنا في تلك المرحلة أن ما لوحت به القيادة الليبية من وعود بالانفتاح السياسي وما صرح به نجل العقيد من رغبة صادقة في معالجة الملفات الحقوقية والإنسانية بنفس الروح العالية التي عالجت بها ملف لوكربي، حسبنا أن سجون اللجان الثورية لن يبقي فيها سجين فكر واحد، ولكن مرت أشهر طويلة علي تلك الوعود دون أن نري لها أثرا. ولسوء حظنا فإن الإعلامين الغربي والعربي سكتا عن هذه المطالب كأن ليس في ليبيا إلا مصالح اللجان الثورية. إن الشارع العربي لم يعد يقوي رغم انضباطه الذي لا يحمد عليه علي رؤية المقابر الجماعية لأمواته ومقابر يوسفية لأحيائه وهو يتابع المتغيرات المتسارعة من حوله كأنه ليس من كوكبنا في حين لا نزال نسمع عن سجناء رأي وانسداد لكل أبواب المصالحة في كل من ليبيا وسورية التي لا يزال بعض رجالاتها يواجهون مساءلة حاكم التحقيق الدولي ميليس الذي يذكرنا بسلفه بليكس واتهاماته المباشرة بضلوع أجهزتها الأمنية في اغتيال شخصية سياسية كما لو كانت لوكربي الثانية. القضاء الذي جر ليبيا إلي قاعات المحاكم الدولية وأنهي ما يربو علي العقد ونيف من عزلة طرابلس الدولية، هو من يجر سورية إلي متاهات التقاضي. والسؤال هنا: هل تكفي بلاغة ديار الشام وقصائد التحدي أن تحجب شبح ما يتهددها من القوانين الدولية المدعومة بقوة المنطق والسلاح؟ وهل يمكن للنظام البعثي بكل ما يملكه من طاقات سياسية وعسكرية حافظ بها علي استقلال سورية طيلة العقود الثلاثة والنصف المنصرمة أن تقف في وجه الشرعية الدولية؟ وعلي الأعراف ما بين الخيارين يتكلف ذوو الأقلام المتواضعة والقلوب المحبة المشفقة مشقة الكتابة للخوض فيما ليس من خوضه بد لنقول: إن استحفار الملفات السياسية ومحاولة البت فيها قضائيا تحت إشراف دولي يصعب أن يكون محايدا زمن استفراد الغرب العولمي الجديد بالقيادة، لا بد أن يتم في إطار أخلاقي شفاف بعيدا عن روح التشفي والثأر من التاريخ ومن شريك الأمس حتي وإن بدا مخالفا لبعض قواعد اللعبة الجديدة. وأحسب أن ردغية العقل السياسي المعاصر وكثافة فاته وعكوفه الشائن علي المصلحة الآنية العاجلة ليست مبررا كافيا لاستبعاد قيم التسامح والتسامي بل والتعالي علي الذات قدر الإمكان البشري من أجل إصلاح ذات البين وإعادة النظر البصير في الكثير من الملفات السياسية الساخن منها والبارد والعاجل منها والمعتق، وعندها لن نحتاج لديات مشطة كتلك التي أنهت قضية لوكربي أو الأخري التي تعكف علي إصدارها هيئة الإنصاف والمصالحة في مغرب العرب الأقصي. ہ كاتب وإعلامي من تونس يعيش في بريطانيا 8