علي حسن الفوازهل تقف العقلانية السياسية بوصفها نوعا من الثقافة المضادة امام فاجعة السياسة التي تحولت الى نوع من التراجيديا؟ وهل يمكن لهذه العقلانية ان تتنازل عن دور القديم في صناعة اشكال من الثورات / الانقلابات لتحافظ على صناعة الاطمئنانات؟ وهل بات الواقع العربي مثيرا لاوهام المراثي والانفعالات التي تصنعها هذه العقلانية اكثر من اثارتها للمنطق الباعث على الفحص والمراجعة والتبني؟.
هذه الاسئلة أخذت تعترض طبائع المشهد السياسي، ووضعت مفهوم العقلانية امام التباسات كثيرة، وربما امام مفارقات، اذ بات السياسي ضد السياسي، والثوري العقلاني، ضد الثوري الانفعالي، والثقافي اليساري مفزوعا من الثقافي اليميني، والاسلامي غاضبا على العلماني، والعلماني لا يعرف ملامح الارض التي يمشي عليها.. كل ما في الارض اختلطت اوراقه واسماؤه ومفاهيمه، حتى بات الجميع يفتش في اوراق بعضه، بحثا عن الوصفة السحرية، وربما بحثا عن الخارطة التي تؤدي الى الاطمئنان، والى اليقين.
ما نشاهده الان من هوس سياسي عربي بالثورة والاحتجاج، نرى نقيضه هوسا بالعنف والكراهية، وفرض سياسات الامر الواقع الامنية المنافية لاية قيمة شعبية قرينة بوعي الثورة على الاخرين، وقرينا بالحراك الجماهيري الذي يمثل قمة الاحتجاج على التاريخ السلبي لـ (العقلانية السياسية) البائدة التي تركت تحت يافطة مفاهيم التحرر العربي، الشارع والدولة والحزب والمعسكر تحت سيطرة (الجنرالات) و (منظري الفقه السري) و (الثوار نصف الردن) مثلما تبدو المشاهدة (الواقعية) باعثا على اثارة الريبة، والالتباس والشكوك حول طبيعة ما يجري، فأصحاب الثورات الذين رفضوا الوجه الامريكي للحضارة، والوجه الامريكي للسياسة، يطالبون الان هذا الوجه الغرائبي بالدخول الى بلدانهم بكل عنفه وغطرسته واكاذيبه واوهامه وطائراته وجنوده، لان هذا الوجه ارحم عليهم من حكامهم الذين فرضوا عليهم منذ اكثر من نصف قرن حكما يدار بـ (العقلانية السياسية) فضلا عن ان حكاما اخرين في الدول والمشايخ المستبدة تأخذ الضوء الاخضر من امريكا ذاتها جرعات عالية من القوة لزيادة منسوب العنف ضد شعوبها التي اعلنت رفضها لهذه العقلانية الخانقة، وربما تأخذ جرعات عالية للاطمئنان على حصانتها من امراض اليسار واليمين والتشيع والثورة والعلمنة!! كارثة هذا النزوع الى التماهي مع الخصم الامريكي القديم بامبرياليته، وضع مفهوم الثورة امام اسئلة من نوع اخر، مثلما وضعها امام منظور ثقافي ذي مرجعيات معينة اسقطت في حسابها الكثير من الاوهام القديمة والحساسيات القديمة، فالكثير من الشعارات والصور التي ترفعها جماهير الثورة لا تكشف الاّ عن الهم الاحتجاجي للناس، وعن جدية المطالب التي يطالبون بها، ولعل صور تشي غيفارا، والاعلام الحمراء لا تدعودنا للاعتقاد المباشر بان هوية هذه الثورات ماركسية الهوى، بقدر ما انها توظف هذه الشعارات والصور كرموز اخلاقية وتاريخية للنضال من اجل الحق، ومن اجل تأكيد قيمة التضحية التي كرستها قيم الثورة الدائمة في العقل الشعبي. وربما هي قطع الطريق على اصحاب النوايا السيئة من ان يصنعوا وجها ارهابيا للثورة المضادة التي يمكن ان تسرق العقل والاعلان والثورة، وان تضع الجميع امام الجميع في نوبة من الخيانات المتبادلة، وتحت واجهات معروفة وخدمة لأجندات سياسية اقليمية او دولية، لا شأن لها الان سوى تحويل الثورات الشعبية الى تمردات شوهاء، والى انكسارات وطنية يمكن ترميمها بالمال السياسي والامن السياسي، والى خلق مصدات لحماية ما تبقى من قلاع الديكتاتوريات القديمة.. … الثقافة والسياسة… ما تصنعه السياسة الان في المشهد العربي يضع ملامحه على كل الوجوه، خاصة الوجه الثقافي، لان طبائع هذه الثورات لا تحمل المعطيات الدلالية لاعراض الثورات الثقافية، ولا تضع امامها هواجس الانسان في صناعة الدولة العادلة، وتصميم حرياتها وحقوقها، لان عاصفة الاحتجاج قوية، والجميع يرى الجميع في ساحات التحرير والتغيير وفي شارع (بورقيبة) وفي ميدان اللؤلؤة، او في القصيم وغيرها. وهذا الاشباع العميق في الرؤية لا يترك هامشا للثقافي لان يكون فاعلا في الشارع مثل ثوار الفيسبوك، او ثوار اليافطات، خاصة وان المدونين، وصانعي السرديات البصرية يؤرخون لجسد الثورة، دون ان يؤرخوا لوعيها، ودون ان يقفوا امام عناوين الثورة لادراك واستشراف ما تحمله من هواجس ومعطيات ورؤى.. تاريخ الخوف هو الذي يضع السياسي في الخندق الاول، ويترك للثقافي لعبة التجوال في الخنادق الخلفية، واحسب ان هذا التوصيف بات الان، وامام استحقاقات التغيير، بحاجة الى زحزحة كاملة في المنظور، وفي زاوية النظر ذاتها، اذ من الصعب ان نضع الان الثقافي بمعزل عن فضاءات السياسة بمعانيها التاريخية والفكرية، وان نترك للثقافي الانفعالي والجمالي المجرد اوهامه الكثيرة التي يختلط فيها اليومي مع الكوني، والايهامي مع الواقعي، وحتى تلك الواقعية تظل رغم كل الذي يجري بعيدة عن صناعة الاسئلة.. هذا التوصيف ليس اجباريا بالمقابل لاعطاء السياسي جرعة عالية من الوعي، والتخفيف من وطأة الثقافي الذي ظل منذ عقود طويلة بعيدا عن المطابخ السياسية بمعناه الاجرائي، وليس الايديولوجي، اذ ان ما تساقط من أثر العلاقة المريبة بين السياسي والثقافي لا يعدو ان يكون في اكثر تجلياته الاّ ايديولوجيا بالمعنى الضيق، والاكثر تغريبا في استلاب المثقف من عضويته الحقيقية.
اليوم وفي ظل هذا المشهد المضطرب المباح لكل شيء، تبدو الصورة اكثر اثارة للاسئلة، واكثر استدعاء للمسؤولية، لان الاختلاط الغرائبي بين السياسي وغيره اتاح المجال لان يكون هذا السياسي حاملا لمظاهر اكثر استقواء بالواقع، واكثر نزوعا للسيطرة، وفرض شرط الحوار على الاخرين، واحسب ان هذا الدور المتضخم سرعان ما يفقد بريقه، بسبب عدم قدرة هذا السياسي الاجرائي، والسياسي الحزبي، وحتى السياسي اليومي على مواجهة تداعيات الواقع سريعة التحول، والتي تحتاج بالضرورة الى جرعات ثقافية عالية، ليس بمعنى تجريدها من قيمتها السياسية الاجرائية، وانما تفعيلها كقوة اجتماعية لها علاقة حيوية بصناعة الموقف والتعبئة، والرأي العام والقوة الرمزية التي يمكن ان تواجه مشكلات عميقة، ظاهرها سياسي وامني، لكن عمقها يعبّر عن تعقيدات ثقافية خطيرة، تدخل في اشكالات الهوية والتاريخ والسلطة والحرية والدولة والحقوق والعلاقة مع الاخر.
في هذا السياق تبدو الثقافة حاملا مهما لفكرة القوة الدفاعية عن الهوية والوجود، مثلما تضع السياسة بمعناها الاجرائي امام استحقاقات حقيقية لما يمكن ان يعمّق فيها من قوة المعنى والتواصل، وما يسبغ عليها من مظاهر وادوار للفاعلية المهنية، والرؤية الواضحة التي تجلو ما تحتها من ازمات باتت خاضعة الى رهاب العلاقة بين السلطة الاستبدادية والواقع، والتي صنعت لها اشكالا اكثر تعقيدات من الارهاب والعنف والكراهية والتكفير، والذي نعدّه من اخطر الحلقات الامنية التي تواجه المشروع الديمقراطي للدولة العراقية الجديدة.. ولكن ما يدخل في الثقافي الاجرائي هنا يكمن في اعطاء هذا الثقافي قيمة ودافعية للحضور والاداء الذي يضع قيمته الاستثنائية في سياق اكثر اثارة للاسئلة الجديدة، الاسئلة التي تتعلق بصناعة ظاهرة الدولة كمؤسسة وقيم وعلاقات ومفاهيم، ومن خلال استحقاقات تضع هذه الدولة في التاريخ وليست خارجه، وبالتالي فانها ستكون المهاد الذي يمكن ان يصنع وجها آخر للسياسي…. الثورات والثقافات.. من هنا ندرك ازمة بقاء الثورة خارج الثقافة، وكذلك ازمة الثقافة التي تهرب من الثورة، وانشغالها بهموم النوم بعيدا في غلواء الاستعارات التي تقود الى اللغة والصورة ذاتها. اذ لم يعد امام الثوري سوى مراجعة اوراقه وحساباته، ليس لاسقاط فرض الثورة على هذه المراجعة، بقدر ما هو اعطاء العقل توصيفا آخر، واعطاء السياسة توصيفا اكثر عمقا، وبما يمكّن لمفهوم العقلانية السياسية من الانتقال من نسق الفرجة الى نسق المشاركة، وكذلك اعطاء العقل قوته الدافعة، واعطاء السياسة بعدها المهني الاجرائي الذي يمنح شفرة العقلنة السياسية قوة اخلاقية مؤثرة وفاعلة ومثيرة للمزيد من الاسئلة.
ازاء هذه المعطيات لا تملك الثورات الاّ ان تستمر لتكون ثورات حقيقية، ثورات في الشارع والجامعة والتعليم والفكر والتدين، وان تضع الثقافات بكل الوانها ومرجعياتها امام حسابات نقيضة للنوم الرخو، وللجدل السفسطائي، وللغلو الذي اخذ من تاريخها زمانات من الكسل والهشاشة، ووضع المثقف في الخانة الثانية دائما، والسياسي بكل رهابه في خانة الصانع والساحر التي تمنحه قابلية ان يكون الايديولوجي والجنرال والفقيه والارهابي في آن معا. واحسب ان اختلال هذه المعادلة ما بين السياسي والثقافي هو الذي ترك ظلالها على طبائع الثورات وعلى هوياتها، وعلى الشكوك التي بدأت تثار هنا او هناك عن فشل هذه الثورات في صناعة خنادق الامان لمرحلة ما بعد الثورة، او اعطاء الهامش المفتوح لقوى اخرى من الاستبداد لان تشتري بضاعة هذه الثورة وتبيعها في الاسواق العلمية بنوع من الاستعراضية الغريبة، او وهو الادهى العودة الى التلذذ باحضان العدو القديم، بحثا عن رجولة غائبة.. ان البحث عن مناطق التواشج ما بين الثورات والثقافات هو العنصر المفقود في معاينة ما يتساقط من مظاهر الواقع العربي، ومن اللغط الذي يدور هنا او هناك، والضجيج الذي بات يعلو في الاعلاميات العربية التي تمثل الوجه الغرائبي لما يجري في الكواليس الخلفية للثورات..