رغم الاختلاف حول مفهوم العقل بين الفلاسفة وغيرهم، وتعدد الآراء حول جوهره وآلياته وأدواته في إدراك المعارف، وكثير من التفصيلات، إلا أن المقصود به هنا بالذات، العقل كأداة لإدراك الحقيقة وتشخيص الواقع، ومعياراً يمكّن الإنسان من خلاله التمييز بين: الصواب والخطأ.. الخير والشر.. الحسن والقبح.. وكان سؤال الفقهاء في هذا السياق: هل العقل مصدر من مصادر التشريع أسوة بالكتاب والسُنة والإجماع؟ وبأي معنى هو مصدر من مصادر التشريع؟ هل بمعنى إدراك الحكم الشرعي أم الكشف عنه؟ بعد أن فصّلوا الكلام بين العقل النظري والعقل العملي. الكلام في الأول عن حدود الإدراك، وتحديد الموقف العملي وما يجب أن أعمل يتولاه الثاني. والتفصيل في كتب أصول الفقه، لنبقى في حدود الموضوع. وهنا نقرر أن العقل، وفقاً للاتجاه الأخلاقي، قادر على اكتشاف الجذر الأخلاقي لأحكام الشريعة، ومبادئ تشريعها، بل حتى ملاكاتها من خلال ملاكات الجعل الشرعي التي سبق بيانها. ويمكنه التشريع في ضوئها لملء الفراغ التشريعي، الذي يشمل جميع مناحي الحياة ما عدا العلاقات التي تنظّم علاقة الفرد بخالقه، والتي قد استوفت آيات الكتاب وجملة من أحاديث النبي بيانها. إلا أنه رغم كل هذا لا ينسب أحكامه لله تعالى، بل تبقى أحكامه أحكاماً بشرية تتأثر بقبليات المجتهد والخبير التشريعي وتغيرات الواقع وحاجات الإنسان والمجتمع. الاتجاه الأخلاقي لا يعتقد بشمول الشريعة لجميع مناحي الحياة، كي يمنح الفقيه حق احتكار التشريع فيها، بل تقف الشريعة عند حدود آيات التشريع، وما عداها منطقة فراغ تشريعي، باستثناء ما له جذر قرآني من سُنة النبي، وتطبيقات كليات الأحكام على مصاديقها. المشكلة التي نواجهها الآن وهي الشريعة في الوسط الديني، فيبدو الحديث عن منطقة فراغ تشريعي مرتهن للعقل وأحكامه في ضوء القيم الأخلاقية والدينية، أمراً غريباً غير ممكنٍ بعد أن اعتادوا على تلقي أجوبة شرعية جاهزة لكل مسألة يطرحونها. الشريعة في وعي الناس مصدر للتشريع في كل مكان وزمان، هذا ما ترسب في أذهانهم بفعل مواصلة الإفتاء، وعدم توقف الفقيه عن الفتوى بذريعة شمول الشريعة، وهي قضية مختلقة لها أسبابها السياسية والدينية.
الدليل العقلي
يقصد بالدليل العقلي: كل قضية يُدركها العقل، ويمكن أن يُستنبَط منها حكم شرعي… ولا داعي للبحث عن حجية العقل إذا كان حكمه قطعياً بعد الفراغ عن حجية القطع، وإنما نحتاج إلى البحث عن حجيته إذا لم يكن قطعياً، كالقياس مثلاً. ثمة جدل قديم حول مدركات العقل بين المعتزلة والأشاعرة انعكس على البحث الفقهي. وهناك اختلاف حول وظيفته بين العقل النقدي المستنير والعقل الأداتي المستقيل. على الأول لا يوجد فيتو على العقل، يمكن أن يكون مصدراً من مصادر التشريع، ويمكنه إدراك الجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية، وتحديد تاريخيتها ومدى إطلاقها، بينما وظيفة العقل لدى الاتجاه الثاني فهي الطاعة والاتباع والتسليم وعدم الاحتجاج، هو مجرد أداة.
لا ريب في قدرة العقل على تشريع الأحكام وإدراك الجذر الأخلاقي وملاكات الأحكام الشرعية، غير أن أحكام الشريعة وفق ثنائية الحلال والحرام شأن إلهي. ولا طريق لمعرفة الحكم الشرعي (المنصوص عليه قرآنياً) سوى النص، وفي هذا الخصوص لدينا آيات الأحكام قطعية الصدور، ومجموعة أحاديث ظنية الثبوت. أما العقل فقد اختلفوا حول قيمته المعرفية وحجية أحكامه، ومدى قدرته على إدراك أحكام الشريعة. وعندما ذهب الشيعة إلى حجية العقل، واعتباره مصدراً من مصادر التشريع، فيفرقون بين المستقلات العقلية، وهي قضايا يمكن للفقه أن يستنبط منها حكماً شرعياً مباشرة بلا حاجة إلى بيان شرعي. كوجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته. وغير المستقلات العقلية التي تحتاج إلى ضميمة شرعية. وبتفصيل أكثر: كما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشيء وعدمه في عالم التكوين عن طريق كشفه للعلاقة بين الشيء وضده أو ملازمه، كذلك يمكن للعقل أن يكشف عن وجود حكم أو عدمه في عالم التشريع عن طريق تلك العلاقة (الصدر. محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج1).
وبشكل آخر، العقل عند الأصوليين والفقهاء أداة للإدراك، كإدراكه لعلاقة التضاد بين السواد والبياض، التي تعني استحالة اجتماعهما في جسم واحد. وبعد إدراك العقل لتلك العلاقة يستطيع أن يستفيد منها في اكتشاف وجود الشيء أو عدمه. وعن طريق علاقة التضاد بين السواد والبياض يستطيع أن يثبت عدم السواد في جسم إذا عرف أنه أبيض، لاستحالة اجتماع البياض والسواد في جسم واحد. كذلك في عالم التشريع، فكما يُدرك العقل العلاقة بين الأشياء ويستفيد منها في الكشف عن وجود شيء أو عدمه، كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الأحكام، ويستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه. فهو يدرك مثلاً التضاد بين الوجوب والحرمة، فيستخدم علاقة التضاد بينهما لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنه حرام. (المصدر نفسه). أو كما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشيء وعدمه في عالم التكوين عن طريق تلك العلاقات، كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه في العالم التشريعي عن طريق تلك العلاقة. بهذا الشكل يكون العقل مصدراً للتشريع بمعنى كشفه عن وجود الحكم الشرعي. وهذا يعزز مكانة العقل في عملية تشريع الأحكام في منطقة الفراغ.
من جانب آخر إن ما حكم به العقل حكم به الشرع باعتباره سيد العقلاء، وهذا متفق عليه عندهم بشكل ما. فعندما يحكم العقل بحُسن العدل وقُبح الظلم مثلاً، يحكم الشرع بوجوب العدل وحرمة الظلم.
– من جهة ثالثة يُعد العقل المصدر الوحيد للقاعدة العملية الأولية، سواء كانت الاحتياط العقلي، أو كانت البراءة وقبح العقاب بلا بيان.
هذه هي مصاديق دليلية العقل في التشريع. فالكلام تارة عن قدرة العقل على التشريع، وهذا لا ريب فيه عندنا مهما ارتاب الفقهاء، وأخرى الكلام حول نسبة أحكام العقل إلى الشريعة، كما تقدم تفصيله أعلاه.
باحث عراقي مقيم في أستراليا