العقل والعدمية… والشغف بالفلسفة!

«هنا العدمية، إنها ترقص على إيقاع هذا العصر المضطرب»
الإنسان: هذا الأمل الأعمى، لأنه بمجرد ما اكتشفت الميتافيزيقا ماهيته، ومزقت الحجاب عن كينونته، بمجرد ما أراد تدميرها، ولذلك هجرته. ليظل وحيدا في هذا العالم، ولم يعد ذلك الذي يقول: مالي والسعادة، بل إنه المنفرد المتشوق في الصقيع حتى إلى أعدائه ينادي النداء: لا تذهب ارجع عد إليّ بتعذيبك لي فأي برهان قصدت نيله مني؟ وما هي غايته من وراء هذا العذاب، أتقصد المحبة العظمى؟ أم أنك تريد قتلي؟ لم يبق لي غير قلب متعب وعواطف أنهكها الزمان، ولا أريد سوى الإقامة في شاعرية الميتافيزيقا، لكن أما آن الأوان أيها الحكيم لتصاب بخيبة الأمل وتقبل دعوة الضيافة في الميتافيزقا؟ ألم تصبح وحيدا لا أحد يحاورك؟ وهل ما زلت تؤمن بأن الحوار هو اقتسام متعة الإنصات؟ وما قيمة الميتافيزقا دون حوار؟
الحقيقة الحجاب، الأسئلة الحوار، الأبدية الفناء، الوجود العدم، السعادة الشقاء، مفاهيم متعبة لكل من يحمل هموم الميتافيزيقا، خاصة بعد ما تعرف على أنها تشكل ماهيته، لأن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا حين يمسي عاقلا، فهذا الحيوان العاقل، هو ما تتشوق الميتافيزيقا إليه، وإذا تساءلنا: ما العقل؟ ومن ذا الذي قرر ماهية العقل؟ وهل نصب العقل نفسه حاكما على الفلسفة؟ فإن كان الجواب، نعم، فبأي حق؟ وإن كان الجواب، لا، فمن أين تلقى هذه المهمة؟ بل أكثر مما قاله هايدغر، لماذا الميتافيزيقا تسعى إلى استقلال عقل الإنسان ثم تتخلى عنه؟
لم نتعلم من الميتافيزيقا سوى صياغة السؤال وتوجيهه توجيها واضحا، وبقدر ما أنه يمسنا في صميم ماهيتنا، وبقدر ما يكون تساؤلنا بهذه الطريقة سيرا على الطريق الذي يقود نحو الميتافيزيقا ونقيم فيها مدى الحياة، قد نشعر بالاغتراب أيام العزلة، لكن هذا الاغتراب أعظم من مخالطة العوام الذين أصابهم مرض الشره بالشهوات، وأضحى حديثهم لا يتجاوز أنواع المأكولات والمشروبات والمنكوحات، إلى درجة أنهم لا يرون في الحياة سوى موائد ممتلئة بالطعام والشراب، ونساء مدللات يتجولن أمامهم. وبالإفراط في الشهوات يولد الإنسان الرديء الذي ينبغي هدمه.
فمفهوم التهديم لا يعني التحطيم، بالنسبة لهايدغر: «بل يعني التفكيك والتصفية والتنحية جانبا للتقريرات التاريخية عن تاريخ الفلسفة. التهديم يعني أن نفتح آذاننا، أن نجعل أنفسنا منفتحين أمامنا لما يحدثنا به التراث، من حيث هو وجود الموجود، وبالاستماع إلى الحديث تحصل الاستجابة». كم كنا نأمل أن تحصل هذه الاستجابة عندنا، لكن من المؤسف أن الإنسان منذ أن اختطفه ليل الثيولوجية، لم يعد يسمع إلا للخطباء والوعاظ، هكذا ألقي به في العدمية. لأنه إذا كانت الفلسفة هي الاستجابة إلى وجود الموجود، فإن الإنسان الإنساني هو الاستجابة لنداء الوجود، من خلال الاستماع إلى الحوار الفلسفي: «وتبعا لما إذا كان هذا النداء مسموعا أو غير مسموع، منطوقا أو غير منطوق. فإنه يمنحنا الفرصة اللازمة لأن نتأمل هذه النقطة». وما يقصده هايدغر هو الإجابة عن، ما الفلسفة؟ بمعنى ما تنحو الفلسفة في سيرها نحوه «وهذا الذي تنحو نحوه الفلسفة هو وجود الموجود» أي الاستماع إلى ما تقوله الفلسفة، هكذا يبدأ الحوار بين الإنسان والفيلسوف.

الدهشة هي الباتوس مصدر العقل، ومن المستحيل أن يختفي العقل، إذا هو مقياس الوجود ومن خلاله يتم التجاوب مع وجود الموجود. لكن ما هو الموجود من حيث هو موجود؟

دون هذا الحوار مع الفلسفة ينقطع الإنسان كموجود عن الوجود: «الفلسفة والتفلسف يرجعان إلى بعد من أبعاد الإنسان، وهذا ما نسميه بالنغم». ولن يحدث إلا من خلال الباتوس الذي يميز الإنسان حقا، وليس للفلسفة مبدأ سواه، فالإنسان لا يستطيع أن يدخل في حوار مع الفلسفة، إلا إذا كان مندهشا أمامها، والدهشة من حيث هي باتوس هي المبدأ للفلسفة، أي ذلك الذي تنبع منه الفلسفة، هكذا يكون الإنسان هو منبع الفلسفة، دون أن يعلم ذلك. قد يبدو الأمر كما لو كنا لا نضع إلا أسئلة تاريخية، لكن هدفنا في الحقيقة أن نضع ماهية الإنسان في صميم ماهية الفلسفة، باعتبارها قدرا مبتهجا، جاء إلى الإنسان عن طريق الدهشة: «من خلال الدهشة بدأ الناس يتفلسفون». فمن غير المفهوم أن تصدر الفلسفة عن الدهشة ويتحدد مصيرها ومجراها، ثم ينقلب عليها هذا الموجود المندهش، كمن ولد طفلا نكره. فالدهشة ليس سبب التفلسف فقط، لأنه لو كانت كذلك، لأصبحت الدهشة شيئا لا ضرورة له، ولهذا اختفت، واختفت معها الفلسفة منذ القدم. لكن الدهشة هي الباتوس مصدر العقل، ومن المستحيل أن يختفي العقل، إذا هو مقياس الوجود ومن خلاله يتم التجاوب مع وجود الموجود. لكن ما هو الموجود من حيث هو موجود؟
إنه الميتافيزيقا التي تحرك طبيعة الإنسان نحو الاندهاش تجاه الفلسفة، هكذا تصبح الميتافيزيقا هي مبدأ الدهشة، والفلسفة شغوفة بالميتافيزيقا، وليس لها موضوع مهم من غير الموجود بما هو موجود، أي الإنسان بما هو إنسان. فثمة بين الإنسان والفلسفة صلة قرابة خفية، لأنهما مولعان بخدمة الميتافيزيقا، ومع ذلك توجد بينهما مسافة بعيدة وكأنهما على جبلين منفصلين عن بعضهما أشد الانفصال وأوسعه، بلغة هايدغر.
في الطريق نحو الاستجابة إلى نداء الوجود الذي لا صوت له، تصبح الكتابة خرساء، عاجزة عن وصف هذا الطريق، ولذلك فإن الذات التي تضع طبيعة الإنسان أمام محكمة الشك، لا يهمها الانتقال من الأنا موجود إلى أنا الإنسان، بل أن تقتحم مجال الذات التي اكتسبت لغة ديكارت: «نغمية الإدراك الواضح والمتميز، ذلك أن الشك هو الرضى الإيجابي باليقين كصورة محددة للحقيقة». ولعل هذا بالذات ما ينبغي أن يتحكم في مستقبل الفلسفة كوجه آخر لمستقبل الإنسان، وبعبارة أخرى، فلا مستقبل للإنسان دون فلسفة. والشاهد على ذلك ما تعيشه هذه الشعوب التي حرمت من التفكير الفلسفي وتم اعتقاله في عقيدة الفقهاء.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية