منذ أن نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وعد به خلال حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية، وانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران الذي وقعت عليه، عام 2015 مع 1+5 وهي روسيا، ألمانيا، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا والصين إضافة إلى إيران، والبيت الأبيض يسعى لفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية التي قد تصيب الاقتصاد الإيراني بالشلل التام، وتستهدف أغلب تلك العقوبات المعاملات المصرفية ومنافذ تصدير النفط الإيراني للخارج خصوصا وأن الاقتصاد الإيراني يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط.
وأعلنت واشنطن عن عدم تمديد إعفاء بعض الدول من العقوبات على شراء النفط الإيراني حيث قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء الاستثناءات من العقوبات الأمريكية الممنوحة لخمس دول عند شرائها النفط الإيراني بدءاً من الشهر المقبل. كما قالت أن الإعفاءات من أثر العقوبات المفروضة على إيران والممنوحة لتركيا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية لن يتم تجديدها وقد انتهت صلاحيتها في 2 أيار/مايو. ويهدف هذا القرار إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وحرمان طهران من مصدر دخلها الرئيسي.
الاقتصاد المقاوم
ولا يبدو الهدف الأمريكي المعلن وهو تصفير مبيعات النفط الإيراني ممكنا في الظروف الحالية، رغم كل الضغط الذي يمكن أن يتسبب به على طهران. بيد أنه في الوقت نفسه ستكون له تأثيرات واضحة على سياسة إيران النفطية وبنية الاقتصاد الإيراني والذي يتجه عاما بعد عام لتخفيف الاعتماد على النفط مقابل صادرات أخرى. في ميزانية 2019 /2020 كانت نسبة الإيرادات النفطية من مجمل الواردات أقل مِن ثلاثين في المئة لكنها لا تزال بعيدة بنسبة 12 في المئة عن معدل 15 في المئة الذي يجب أن تصل إليه حسب توصيات خطة التنمية الوطنية السادسة.
وكانت النسبة تراجعت تدريجيا خلال السنوات الماضية بِناء على ما يعرف في إيران بنظرية الاقتصاد المقاوم والتي أطلقها المرشد آية الله علي خامنئي وهي في جزء منها تقوم على إنهاء الاعتماد على النفط وتعزيز الاكتفاء الذاتي وصناعة نموذج اقتصادي يمكنه الاستمرار تحت الضغوطات الخارجية. ومن بين أهداف هذا الشعار تقليص حجم استيراد السلع والبضائع الأجنبية.
إلا أن الإشكالية تكمن في كيفية تعريف الحكومة للصادرات النفطية، فإيران لا تدرج المنتجات البتروكيميائية والغاز السائل ضمن قائمة الصادرات النفطية وبالتالي فإن الأرقام والتقارير الصادرة عن وزارة النفط تشير فقط إلى النفط الخام كصادرات نفطية. وهذا ما يعتبره الكثير من خبراء الاقتصاد في إيران نوعا من التلاعب بالأرقام.
والأمر الآخر فإن شعار الاقتصاد المقاوم خلق مساحة واسعة وذريعة لمشاركة جهات أمنية كالحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني وتقليص فرص المنافسة للشركات المتوسطة والصغيرة من المشاركة في الأنشطة الاقتصادية في البلاد. وحسب التقارير الرسمية فإن الشركات التابعة للحرس الثوري تسيطر على نحو 60 في المئة من اقتصاد البلاد.
ومنذ أن أعاد ترامب فرض العقوبات بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، عانى الاقتصاد الإيراني من تراجع حاد، وأثر سلبا على قيمة العملة المحلية التي انخفضت إلى أدنى مستوياتها، كما قفزت معدلات التضخم السنوي، ما أدى إلى هروب المستثمرين الأجانب.
وبدأ نحو 81 مليون شخص في إيران بالفعل يشعرون بالضيق خلال الأشهر الأخيرة مع تباطؤ صادرات البلاد من النفط، فضلا عن تأثير العقوبات الأمريكية على قطاعات الطاقة وبناء السفن والشحن والبنوك.
وسجلت معدلات التضخم في إيران ارتفاعا ملحوظا، واضطرت الأسر إلى زيادة نفقاتها بنسبة 47.5 في المئة شهريا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وحذر صندوق النقد الدولي في تقرير صدر نهاية الشهر الماضي من التأثير السلبي للعقوبات الأمريكية الجديدة على الاقتصاد الإيراني وارتفاع نسبة التضخم حوالي خمسين في المئة عن ما هو عليه الآن. وتوقع الصندوق تراجع النمو الاقتصادي الإيراني بنسبة 6 في المئة خلال العام الجاري.
ونشر مركز الإحصاء الإيراني تقريرا في آذار/مارس الماضي أشار فيه إلى ارتفاع كبيرا بنسبة 30.6 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وحسب التقرير فإن أسعار بعض السلع الأساسية كالمنتجات الغذائية ارتفعت بنسبة 45 في المئة مقارنة بالعام الماضي.
مخاوف من الاضرابات
تزامنا مع بدء سريان الإعفاء وفرض المزيد من العقوبات الأمريكية على إيران، انتشرت أنباء حول اتخاذ الحكومة حزمة إجراءات من بينها خصخصة بعض المنتجات النفطية في البلاد من بينها المحروقات ورفع أسعارها في السوق المحلية، الأمر الذي ينبئ بحدوث ارتفاع في أسعار السلع الرئيسية وبالتالي حدوث تضخم وقد تم نفيها من قبل وزير النفط الإيراني زنكنة جملة وتفصيلاً. ورغم هذا النفي إلا أن الأنباء الواردة من إيران تشير إلى تزاحم السيارات في محطات الوقود أملا في الحصول على البنزين والغازولين قبل بدء سريان الخصخصة كما شهدت بعض السلع الرئيسية ارتفاعا ملحوظا في بعض أسعار خصوصا الخبز.
وتخشى طهران من تكرار اندلاع الاحتجاجات مشابهة للتي اندلعت في الأيام الأخيرة من عام 2017 في البلاد والتي فاجأت السلطات حينها.
يمكن القول إن القرائن والأدلة الرئيسية التي دفعت المحتجين للخروج للشارع واتساع رقعتها بهذا الشكل كانت تُعزى للمشاكل الاقتصادية والمتعلقة بمعيشة المواطنين والبطالة والغلاء والفساد. فلا يمكن لأحد أن ينكر مدى تأثر الكثير من المواطنين بتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة الفقر والبطالة التي خلقت أرضية خصبة لاندلاع المظاهرات وانتشارها على نطاق واسع في البلاد.
كما أن البلاد عانت خلال الشهرين الماضيين من الفيضانات التي أصابت الكثير من المدن الإيرانية، واتُهمت الجهات الرسمية بسوء إدارة الأزمة الأمر الذي أثار استياء المواطنين في مناطق مختلفة من البلاد.
ويرى المحللون والمراقبون للشأن الإيراني أن جميع تلك العوامل قد تنبئ باندلاع الاحتجاجات ضد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد، أكبر مما كانت عليه في 2017 خصوصا في ظل تسارع معدلات التضخم وسقوط سعر العملة المحلية وعجز الجهات الرسمية عن التحكم والسيطرة عليها.