رامي أبو جبارةافتتاحية سنة جديدة كانت حبلى بثورة عربية كبرى، ولكن بنسختها الأصلية هذه المرة، استطاعت الاطاحة بزعيمين عربيين حتى الآن، وفي ذروة الصمت والهدوء الليبي الذي شابه الهيولى والعدم، جاءت اللحظة التي اندلعت فيها انتفاضة أخرى، لتقف الثورة العربية الكبرى هذه المرة أمام شرفات طاغية اشتهر بدمويته، وافتقر للحد الأدنى من توظيفه لنعمة تسمى العقل. على أعتاب هذا الطاغية تواجه الثورة العربية انعطافة تاريخية حاسمة، فالهزيمة تعني وأد الثورة العربية ودفنها في الصحراء الكبرى، أما خلعه فيعني استمرار انتقال الطوفان، ضاربا معاقل الرجعية العربية، وقلاع الارهاب والقمع التي شيدتها على أجساد شعوبها. البارحة والعقيد القذافي يؤكد على الرابط الأممي الذي يجمعه بأمريكا اللاتينية، ويدعوها للزحف على شعبه من أجل شعارات ثورية طالما استخدمها لاخفاء ممارساته الانهزامية، استطاع العقيد القذافي أثناء خطابه أن يعيد إلى الذاكرة ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية وبينوشيتها، مختزلا بطريقة عجيبة جميع الروايات والوقائع اللاتينية البائسة في شخصه، الذي أقل ما يمكن وصفه بغير السوي. وأنا في غمرة المقارنة والتأمل أعاد العقيد القذافي إلى ذهني رواية لاتينية يصف كاتبها عقيدا لا يجد من يراسله، بعد أن أعفي من الخدمة العسكرية وبقي خمسة عشر عاما يذهب إلى مكتب البريد عله يجد رسالة من نصيبه، ويبدو أن حال العقيد الليبي مشابه لذلك اللاتيني، بعد أن هجره القريب في ليبيا من وزراء وطيارين وقادة عسكريين وشيوخ قبائل منشقين، قبل البعيد في نيويورك والهند من سفراء ومبعوثين ليبيين ومبعوثين شخصيين مستقيلين. نعم قد يكون هناك رابط بين القذافي وأمريكا اللاتينية، ولكن ذلك لا يتعدى بممارسته كل فظائع الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، وكأنه أبى الا ان يجمع السيئ من كل تجربة لاتينية، ليجربها على شعبه ويذيقه الويلات. فهذا هو القذافي يشترك مع بينوشيه ديكتاتور تشيلي في سجل أسود في انتهاك حقوق الانسان، من تعذيب وسجون سرية واختفاء قسري. كما يشترك القذافي وتريخيليو سفاح جمهورية الدومنيكان باشتهار كل منهما بمجزرة كبيرة ذاع صيتها، وهي مجزرة بوسليم الليبية ومجزرة بارسلي في الدومنيكان. وكذلك يشترك القذافي مع نوريغا ديكتاتور بنما الأسبق بحكمهما العسكري العشوائي، من دون الاستناد لأي دستور. أما القذافي وماكسيميليانو مارتينيز ديكتاتور السلفادور فيشتركان بهلوستهما وأفكارهما الشاذة، التي نتج عنها اختراعات واكتشافات تنتهي عادة بتجربتها على الشعب. وأما مع ديكتاتور المكسيك الجنرال أنطونيو دي سانتا آنا فيشترك القذافي بسرعة تبديل الجلد والحلفاء من دون حرج، والتنكر للماضي بكل سهولة. وهذا أنستاسيو سوموزا ديكتاتور نيكاراغوا يشترك مع القذافي باختزال كلاهما السلطة بشخصه فقط، واشراك العائلة والمقربين لاحتكار النفوذ الاقتصادي والعسكري في البلاد. وخلال الخطاب الذي ألقاه من مقره المحطم مثله قال العقيد: أنا معمر المجد، أنا التاريخ، أنا مجد ليبيا وعزها، كما تردد قبل ذلك قوله: أنا الذي خلقت ليبيا وأنا الذي أنهيها. وقد ذكرتني هذه الأنا التي كررها بقول البطريرك اللاتيني في رواية ملحمية وهو يصيح في ذروة خريفه: عاش أنا، أنا الرب، معلنا الحرب على العالم أجمع، ويموت ضحاياه من أطفال ونساء ومعارضين ورجال دين. وهذا هو البطريرك الليبي يكرر السيناريو نفسه ولكن على أرض الواقع هذه المرة، بعد توارد الخواطر الكبير بينه وبين قرينه اللاتيني. هذا هو العقيد إذا في ذروة خريفه، مدمرا لا معمرا، وأما اسمه الأخير فليس بحاجة إلى تعديل فهو يعبر تماما عن حامله، باعتبار أن قذاف الدم هو اسم عائلته الأصلي، وهو ما يفعله في ليبيا الآن قاذفا الدم والنفط وكل ما هو في ليبيا إلى الخراب، ولكن يبقى السؤال الأبرز بعد توارد الخواطر بين العقيد الليبي والبطريرك اللاتيني، مع أي من هؤلاء ستتوارد مصائره؟ فهل يكون مصيره مثل مصير بينوشيه مهملا قيد الاقامة الجبرية ومطاردا قضائيا في الداخل والخارج؟ أم سيكون الاغتيال مثل مصير تريخيليو وسوموزا، لكن من دون أن يرثه ابناه كما جرى مع هذا الأخير؟ أو ربما مثل نهاية نوريغا متنقلا من سجن إلى آخر حتى هذه اللحظة؟ أم ستكون نهاية في المنفى كما حدث مع الجنرال المكسيكي آنا وشريكه في غرابة الأطوار مارتينيز؟ يبقى التوقع الآن عصيا، ولكن ما لا جدال فيه أن شمس العقيد شارفت على الغروب عن خيمته التي بدا وكأن انتصابها وشموخها أزليان، ومما لا شك فيه أن أركان هذه الخيمة زُلزت بما يكفي لأن يجعلها فريسة سهلة لأي رياح قادمة، أتمنى أن تكون في الأيام القليلة القادمة حتى تكمل الثورة العربية تدفقها وانسيابها الطبيعي، وتتجنب ليبيا المزيد من حمامات الدم التي أغرقها بها هذا السفاح. ‘ كاتب عربي