اتصالات واسعة مع البحرين وعلاقات ثابتة مع الكويت وعُمان
إسطنبول ـ «القدس العربي»: تشهد العلاقات التركية مع دول الخليج، في الأسابيع الأخيرة، مرحلة جديدة من التقارب في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة وسط رغبة متبادلة من الجانبين في إنهاء حقبة الخلافات وفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات تساعد الطرفين على مواجهة التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبيرة بالاعتماد على قاعدة تحييد الخلافات والبناء على نقاط الاتفاق بما يخدم مصالح كل طرف.
وإلى جانب العلاقات التركية الثابتة والمستقرة مع الكويت وعُمان، عززت أنقرة تحالفها الاستراتيجي مع قطر، كما نجحت في تحقيق اختراق كبير في العلاقات مع الإمارات، وإحراز تقدم ملحوظ في العلاقات مع البحرين، وتبذل تركيا جهوداً حثيثة تبدو أكثر تعقيداً وصعوبة لتحسين العلاقات مع السعودية أكبر دول الخليج وسط تفاؤل بقرب إحراز اختراق على غرار ما جرى مع الإمارات مؤخراً.
وبينما لا تُخفي أنقرة رغبتها في إعادة رسم سياستها الخارجية في مسعى للعودة إلى سياسة «صفر مشاكل» التي انهارت بشكل شبه كامل في السنوات الأخيرة، يُجمع محللون على أن الصعوبات الاقتصادية التي خلفتها جائحة كورونا، والتحديات السياسية التي فرضتها إدارة بايدن واحتمال الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وتطورات الملف النووي الإيراني ومساعي كافة الأطراف لإعادة التموضع في مرحلة «ما بعد الربيع العربي» التي تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة، جميعها أسباب دفعت كافة الأطراف لإعادة حساباتها والانفتاح على تجاوز الخلافات لتحديد موقعها في خريطة المنطقة المقبلة.
تحالف استراتيجي مع قطر
في ذروة الخلافات التركية الخليجية، شكل محور السعودية والإمارات والبحرين تحالفاً حاصر قطر سياسياً واقتصادياً ليشكل ذلك فرصة تاريخية لبدء تشكل تحالف بين أنقرة والدوحة، حيث أنشأ الجيش التركي قاعدة عسكرية وأعلنت تركيا وقوفها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلى جانب قطر وهو ما عزز التقارب المتسارع بين البلدين وصولاً لما بات يصنف اليوم على أنه تحالف استراتيجي وسط توافق وتعاون حول أغلب الملفات الثنائية والإقليمية والدولية.
وعلى مدى السنوات الماضية، عقد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني 29 قمة متتالية نجحت في ترسيخ العلاقات بين البلدين، فسياسياً توافق البلدان حول معظم الملفات في الإقليم، وعلى الصعيد الاقتصادي ضخت قطر استثمارات كبيرة في تركيا، ومنحت الشركات التركية استثمارات بأكثر من 15 مليار دولار، وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في معظم القطاعات.
والثلاثاء، وقع البلدان على 15اتفاقية في مجالات مختلفة عقب اجتماع الدورة السابعة للجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين ولقاء اردوغان الأمير تميم في الدوحة، حيث أكد الزعيمان على أهمية توطيد وتطوير علاقات التعاون الاستراتيجية والارتقاء بها على مختلف الصعد، في حين أكد اردوغان على أن «تركيا لا تفصل بين أمنها واستقرارها وبين أمن واستقرار قطر» بينما أكد أمير قطر «أهمية توطيد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين».
اختراق مع الإمارات
على عكس المتوقع، وعقب عشر سنوات من العداء الكبير بسبب الخلافات حول معظم الملفات الإقليمية، نجحت تركيا والإمارات في تحقيق اختراق في علاقاتهما عقب اتصالات سرية تطورت إلى لقاء قمة بين اردوغان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان الذي زار أنقرة الشهر الماضي على رأس وفد كبير وجرى توقيع حزمة اتفاقيات كبيرة بين البلدين كان أبرزها إعلان الإمارات تخصيص صندوق بقيمة 10 مليار دولار للاستثمار في تركيا ايذاناً بفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين.
وبدأت مساعي التقارب بين أنقرة وأبو ظبي منذ أشهر طويلة، وحققت اختراقاً لافتاً في الأسابيع الأخيرة، فمن المباحثات السرية إلى الرسائل الإيجابية وخطوات بناء الثقة وصولاً للاتصالات الدبلوماسية التي تطورت سريعاً إلى اتصالات سياسية على أعلى المستويات مهدت لزيارة بن زايد إلى أنقرة ولقاء اردوغان، كما أعلن اردوغان نيته زيارة أبو ظبي في شباط/فبراير المقبل على رأس وفد واسع لبحث تعميق العلاقات بين البلدين.
وإلى جانب الاقتصاد الذي حافظ على نموه طوال سنوات الخلاف بين البلدين ضمن استراتيجية تحييد الخلافات السياسية عن الاقتصاد، تراجعت الكثير من ملفات الخلاف العالقة بين البلدين لمتغيرات أبرزها تركيبة المنطقة عقب الربيع العربي، والاستقرار الميداني في ليبيا، والتقارب التركي المصري، والمصالحة الخليجية، وتحديات إدارة بايدن، والتطبيع الإماراتي والتقارب التركي المتوقع مع إسرائيل.
مساع حثيثة مع السعودية
على الرغم من أن مساعي تطبيع العلاقات بدأت بقوة أكبر وفي وقت أبكر مع السعودية، إلا أنها مع الإمارات حققت اختراقاً أسرع، في حين ما زالت مع السعودية لم تحقق تقدماً واضحاً على الرغم من اللقاءات والتصريحات الإيجابية المتتابعة.
وقبل أيام، أكد اردوغان قرب تحقيق تقدم في مسار تحسين العلاقات بين أنقرة والرياض، كما جرى اتصال هاتفي بين نائب وزير الخارجية التركي ياووز سليم كيران ونظيره نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي الذي شغل سابقاً لسنوات منصب السفير السعودي في أنقرة لا سيما الفترة التي جرى فيها تنفيذ جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول العقبة الأكبر في مسار علاقات البلدين، ويتوقع أن يلعب دوراً محورياً في مسار تحسين العلاقات مع تركيا.
وفي لقاء على التلفزيون التركي، أكد اردوغان حرص بلاده على الارتقاء بالعلاقات مع كل من السعودية ومصر، وقال: «سنعمل على الارتقاء بالعلاقات مع السعودية إلى مكانة أفضل» لافتاً إلى أن أنقرة عازمة على تحسين علاقاتها مع كافة دول الخليج، وأضاف: «هناك إمكانيات جدية للغاية للتعاون بيننا وبين دول الخليج، فاقتصاداتنا متكاملة، وآمل أن نرى مشاريع تعاون جديدة تقوم على المنفعة المتبادلة كفرص للاستثمارات المشتركة».
وكان اردوغان والملك سلمان اتفقا عقب اتصال هاتفي أيار/مايو الماضي على «إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين البلدين» قبل أن يزور وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو الرياض في أرفع زيارة بين البلدين منذ 4 سنوات، كما جرت مباحثات على مستوى وزيري تجارة البلدين في محاولة لحل الخلافات التجارية بين البلدين لاسيما عقب اتهام أنقرة السلطات السعودية بالتضييق على عبور المنتجات التركية للأراضي السعودية حيث انخفض التبادل التجاري بين البلدين لأدنى مستوياته.
وبداية الشهر الجاري، التقى فؤاد أقطاي، نائب الرئيس التركي وزير التجارة السعودي ماجد بن عبد الله القصبي، في مدينة إسطنبول على هامش مشاركة الأخير في قمة للمنتجات الحلال في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وأوضحت وكالة «الأناضول» أن أقطاي والقصبي بحثا العلاقات الثنائية بين تركيا والسعودية لا سيما العلاقات التجارية.
ويعتبر ملف قتل خاشقجي في إسطنبول من قبل مقربين من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من أبرز ملفات الخلاف بين البلدين. وإلى وقت قريب كانت أنقرة تتمسك بمطلبها بضرورة إجراء محاكمة عادلة للمشاركين في الجريمة، لكن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن عبر مؤخراً عن ترحيبه بالمحاكمة التي أجرتها السعودية للمتهمين بقتل خاشقجي في إسطنبول، وهو موقف يخالف اعتبر بمثابة تغير في الموقف التركي على طريق مساعي إنهاء الخلافات بين البلدين.
ومع التقدم الحاصل في مسار العلاقات التركية مع الإمارات، والتقدم المتوقع مع مصر، يتوقع أن يشهد مسار العلاقات مع السعودية تقدماً أسرع في الأسابيع والأشهر المقبلة، لاسيما مع انفتاح أنقرة على مبدأ تجاوز الخلافات والبناء على نقاط الاتفاق وفتح صفحة جديدة مع دول المنطقة بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص.
اتصالات رفيعة مع البحرين
ومع البحرين أيضاً، أعلن اردوغان منذ أيام أن مباحثات ستجرى مع المنامة، لافتاً إلى أن مسؤولين بحرينيين سيزورون أنقرة بوقت لاحق، لعقد لقاءات ومباحثات لتعزيز التعاون، وذلك بعد أقل من شهر على زيارة وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني إلى أنقرة.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، إنه بحث مع نظيره البحريني العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، واتفقا على «ضلوع البلدين في مشاورات منتظمة» لافتاً إلى أنهما أظهرا خلال اللقاء «إرادة مشتركة لإعادة إحياء العلاقات بين البلدين وتكثيف المحادثات رفيعة المستوى» وعبر عن «سعادة تركيا الكبيرة لعودة العلاقات إلى طبيعتها وتعززها بين دول الخليج» كاشفاً عن أن اردوغان وجه دعوة لملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة لزيارة تركيا.
من جهته، أوضح الوزير البحريني أنه بحث مع نظيره التركي «علاقات الصداقة بين البلدين» مؤكدا ضرورة تطوير العلاقات الثنائية في كافة المجالات. ولفت إلى أنهما ناقشا سبل تطوير التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والسياحة والثقافة، فضلا عن العلاقات السياسية والأمنية، مؤكداً على «أهمية التعاون الإقليمي والدولي، وإنهاء الصراعات التي تضر بالمنطقة».