العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية: هل من سبيل للتخلي عن التقزيم الذاتي؟
د. عبدالفتاح ماضيالعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية: هل من سبيل للتخلي عن التقزيم الذاتي؟ في ذكري نصر أكتوبر ـ رمضان من كل عام يُطرح التساؤل الخاص بمستقبل العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية وما إذا كانت حرب 1973 هي آخر الحروب بين البلدين. فما الذي أنجزته السياسة الخارجية المصرية منذ حرب أكتوبر علي هذا الصعيد؟ وما نتائج اتفاقية السلام الموقعة في 26 اذار (مارس) 1979 علي مجمل الأوضاع العربية وعلي ما صار يعرف بمسار التسوية بالشرق الأوسط؟ حرب أكتوبر ـ التي انحسر هدفها عند القيادة المصرية آنذاك عند التحريك وليس التحرير، أي تحريك الوضع السياسي وليس تحرير سيناء، وذلك تمهيداً للبدء في مفاوضات تسوية لاسترجاع الأرض المحتلة ـ أدت بالفعل إلي اتفاقية سلام بين البلدين وإعادة السيادة المصرية إلي سيناء بشكل أو بآخر، والأهم إنهاء حالة الحرب بين البلدين بعد عقود من العداء والقتال. هذا فضلاً عن إقامة مصر علاقات قوية بالولايات المتحدة والحصول علي معونة سنوية سخية. لكن اتفاقية السلام تلك لم تحقق أهدافاً أخري، فالتطبيع ـ الذي هو أحد الأهداف الرئيسية للإسرائيليين ـ لم يتحقق لا علي المستوي الرسمي ولا علي المستوي الشعبي، وظل السلام بين الدولة العبرية وكل من مصر ـ وكذا الأردن ـ سلاماً رسمياً بارداً كما درج المحللون علي وصفه، بل وظلت ميزانيات الدفاع العربية والإسرائيلية في تصاعد مستمر. كما لم يعترف العرب بدولة إسرائيل وإنْ دعوها في مبادرة قمة بيروت 2002 إلي اعتراف كامل مقابل سلام شامل. ولقد ظلت هذه الاتفاقية قائمة برغم حدوث الكثير من التغيرات المحلية والإقليمية، بل وعلي الرغم من تغير صورة النظام الدولي، الأمر الذي يعكس بالفعل رغبة الحكومتين المصرية والإسرائيلية في عدم خوض مزيد من الحروب والتفرغ لتحقيق مصالح أخري، محلياً وإقليمياً. فإسرائيل انفردت عسكرياً بالأطراف العربية الأضعف وخاصة الفلسطينيين واللبنانيين، وحققت دبلوماسياً انجازات عدة باعتراف الكثير من دول أفريقيا وآسيا بها، كما حافظت استراتيجــــياً علي تدفق المعونات الأمريكية السخية لها. أما مصر فقد أعلنت منذ اليوم الأول لتوقيعها اتفاقية السلام أن إمكانات مصر ستتوجه نحو تحقيق التنمية والرفاهية الأمر الذي لا يمكن أن تدعي الحكومة أنها أنجزته، فتردي الأوضاع الاقتصادية، ناهيك عن السياسية والاجتماعية، لا يمكن إنكاره. أما هدف الريادة المصرية وقيادة التحرك العربي فأمر لم يتحقق، بل إن المعاهدة أدت ـ حسب الكثير من المحللين ـ إلي تقزيم الدور المصري في الصراع العربي ـ الصهيوني حتي تحولت السياسة الخارجية لمصر، مؤخراً، إلي القيام بدور أمني يتمثل في تأمين ممر فيلادلفيا لمنع تهريب السلاح والمتسللين وفي تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية. تقزيم الدور المصري هذا كانت له آثاره السلبية علي مجمل السياسات العربية، إذ أصبح من العسير الحديث عن مواقف عربية موحدة، بل وغاب حتي التنسيق العربي في ظل غياب دولة المحور أو القطب العربي الأكبر. كما تسابقت دول عربية، ولا سيما الصغيرة منها، علي إرضاء الإدارة الأمريكية، بل وحاولت التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي قضي علي أي محاولات لتسوية جادة في شأن الجولان المحتل، وأدي إلي التخلي عن الشعب الفلسطيني وتركه وحيداً أمام جحافل آلة الحرب الصهيونية تارة، وأطماع المفاوضين الإسرائيليين علي مائدة المفاوضات تارة أخري. هذا فضلاً عن أن الاتفاقية أفضت أيضاً إلي أمرين مهمين جاءا لصالح الدولة العبرية، هما تبني الحكومات العربية، والقمة العربية، مبدأ التفاوض لحل مشكلاتها مع إسرائيل وإسقاطها سُبل المقاومة الأخري، وكسر المقاطعة العربية لإسرائيل. وهذان أمران أضعفا المفاوض العربي وأسقطا من حساباته جُل الأوراق التي عادةً ما يستخدمها السياسيون أثناء أية عملية تفاوضية. فالإصرار علي التسوية السلمية كخيار استراتيجي ووحيد للتعامل مع الإسرائيليين وعلي تحييد التلويح باستخدام القوة أو اللجوء إلي سلاح المقاطعة أو حتي التهديد به كسبل بديلة للحصول علي الحقوق المسلوبة أمر يتناقض مع أبجديات السياسة المعاصرة، ويُجرد العرب من إمكانية استخدام عناصر القوة المتاحة لهم. كما أدي هذا الإصرار إلي الإبقاء علي الطبيعة التي اتسمت بها جُل السياسات الخارجية العربية من حيث كونها ردود أفعال لسياسات إسرائيل، وإلي حرمان الحكومات العربية من عنصر المبادأة، ومن المكاسب التي يمكن أن تجنيها من اللجوء إلي شيء من المخاطرة لتحقيق مكاسب أكبر في صراعها مع الصهاينة. هذا ناهيك عن أن الإصرار علي الحل السلمي ـ والشروع في مباحثات التسوية التي عرفت بمسار أوسلو وما بعد أوسلو ـ تجاهل جوهر الصراع من حيث هو صراع حقوق وتقرير مصير وأراض محتلة وحوّله إلي تفاوض سياسي علي مصير أراض متنازع عليها ، كما دأبت الحكومات الإسرائيلية، ومن ورائها الإدارة الأمريكية، علي وصف مفاوضات التسوية العربية ـ الإسرائيلية في السنوات القليلة الأخيرة عند الحديث عن هدف ذلك التفاوض.وتكتمل حالة التقزيم الذاتي الذي ارتضاه راسمو السياسة الخارجية لأنفسهم ولمصر إذا ما أضفنا إلي هذا كله التنازلات التي أقدمت عليها الحكومة المصرية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة. فعلي سبيل المثال، بعد أن ظل شارون عقبةً أمام السلام في الخطاب السياسي للرئيس مبارك، أصبح شارون فجأة ـ في كانون الاول (ديسمبر) 2003 ـ رجل سلام ، بل إن الرئيس مبارك راح ينصح الفلسطينيين بضرورة التوصل إلي تسوية مع الإسرائيليين تحت حكم شارون لأن هكذا هدف سيصبح غير ممكن بعد شارون! وبجانب هذا كان إطلاق الجاسوس عزام عزام، وعقد اتفاقيات الكويز، وعودة السفير المصري إلي تل أبيب. كل هذه السياسات التي أتت دون تشاور مع الشعب أو التنسيق مع العرب ـ كما هي عادة جُل الحكومات العربية ـ جاءت ـ كما أشار الكثير من المتابعين مع اشتداد الضغوط الأمريكية علي مصر وأنظمة عربية أخري نحو مزيد من الديمقراطية والإصلاح في أعقاب أحداث ايلول (سبتمبر) 2001. إن استخدام الحكومات العربية كل عناصر قوتها المتاحة في إدارتها للصراع والتخلي عن إضعاف الذات والخنوع لمطالب الآخرين لن يتحقق إلا عندما تمتلك تلك الحكومات إرادتها السياسية في التعامل مع الإسرائيليين وتتخلي عن فرقتها وتسابقها لإنجاز مكاسب قطرية ضيقة علي حساب المصالح العربية العليا المشتركة.ہ قسم العلوم السياسية ـ جامعة الإسكندرية[email protected]