بعيدا عن أي اصطفاف سياسي من النوع المنهك للضمير والأوطان علينا أن نستقرئ ما يحدث اليوم في لبنان، وكي نفعل ذلك بعقل علينا أن نكون منهجيين في تفكيرنا بمعزل عن كل المؤثرات الواصلة حد الضجيج عن قصد أو بغير قصد، وقد عمدت في عنواني لهذا المقال نفسه أن ننتقل جميعا إلى البديهيات المباشرة ومنها، انه لطالما كانت هناك علاقة سببية دائما ما بين العدالة والحقيقة في أي قضية من القضايا العدلية كقضية الشهيد رفيق الحريري مثلا، التي من المفترض أنها في عهدة العدالة الدولية منذ بدايتها. لكننا جميعا ندرك اليوم وعقب عـدة سنوات عجاف أن هناك اختلالات جسيمة اعترت هذه العدالة (المحكمة الدولية الخاصة) من أهمها قضية شهود الزور النابعة من نفس القضية الأساس، والتي اعترف بها ولي الدم نفسه ورئيس الحكومة اللبنانية وبالأضرار التي تسببت بها، ولكنه مع ذلك ظل لا يرى أي علاقة لهذا الخلل الجسيم في سير العدالة مع الحقيقة التي يقول بأنه يسعى إليها! والحق أنه لا يمكن الفصل بين العدالة والحقيقة كما سبق وأوضحنا، إلا إذا كان المقصود بالحقيقة هو التلاعب بالعدالة نفسها، وعندها يصبح الأمر مصيبة كبرى أشد وطأة وأكثر ضررا من القضية الأساسية! فما الذي يمنع الحكومة اللبنانية والمحكمة الدولية نفسها من التحقيق في قضية شهود الزور هذه قبل الانتقال لأي اتهام اخر، أليس ذلك هو المنطقي في مثل هذه الحالة، أم أن سجن الرجال الشرفاء واتهام دولة بريئة لسنوات هو مجرد خطأ مطبعي يصح تجاوزه بتصريح صحافي مقتضب، إن آفة هذا العصر هو هذه القدرة الهائلة على التلاعب بالأشياء كلها تقريبا، ولم يعد الأمر مقتصرا على الواقع الافتراضي وتطبيقاته البرمجية، مع فارق كبير جدا بالطبع هو ثمن الخطأ أو الأخطاء التي غالبا ما تحدث. لذلك أدعو كل الحقوقيين في العالم إلى الاهتمام لما يحصل اليوم في لبنان، كما أدعو كل المنابر الحرة بحق لأن تتبنى مثل هذه الدعوة ومناقشتها بشكل معرفي وبكل لغات العالم، خصوصا أن ما قد يحدث في لبنان هذه المرة سيحدث باسم العدالة الدولية في حين أن العدالة هي الضحية الأبرز اليوم لسياسات الدول، لاسيما المهيمنة منها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
مجد محمد علي عدن