“العلا”.. بين خاسر وفائز: هل انصاع “الممثل وهامسه” لتخويفات ترامب من إيران وبايدن؟

حجم الخط
0

هناك شيء ما رمزي في العناق الموثق ظهر الثلاثاء بمطار مدينة العلا، جنوب غربي السعودية. فقد استضافت هذه الواحة الصحراوية قمة دول الخليج، مثابة جامعة عربية صغيرة ومهمة، خاصة بالمنطقة إياها. هبط من الطائرة بعباءته الفاخرة داهية ابن أربعين. ينتظره على الأرض شاب موتور ابن 35. وقد سقط أحدهما بين ذراعي الآخر كالعشيقين.

ارتفع صوت المذيع في قناة التلفزيون السعودية، ولكن لم يغطِ أي فرح صورة الحقيقة؛ فقد كان الضيف تميم بن حمد، أمير قطر، زعيم دولة من ربع مليون مواطن تلف على أصبعها الصغير نصف دول الجامعة العربية. أما المضيف فهو محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي يعد كأحد الزعماء الأقوى في العالم بفضل ماله والعلاقات التي ورثها عن آبائه. ارتدى كلاهما كمامته، فاخفتا الحرج على وجهيهما. فهما لم يلتقيا منذ سنين، منذ فرض الواحد مقاطعة على الثاني وسكب دم الاثنين عبثاً. ساعات قليلة، ثم وقع اتفاق في قاعة المؤتمر لإنهاء المقاطعة. بعد ثلاث سنوات ونصف مات الإغلاق العربي على قطر أمام عدسات الكاميرات. وطوال هذا الوقت أخفى الرجلان ذيليهما اللذين كانا متدليان بين سيقانهما خلف العباءتين.

كان الربح الفوري قطرياً، وتنفس للجميع الصعداء. ولكنها قصة أكثر تعقيداً. عندما انطلقت المقاطعة في 5 حزيران 2017 بدت كخطوة صارمة وواعدة. فقد استدعت السعودية سفيرها في الدوحة للعودة على الفور إلى الديار، وأعلنت قطع العلاقات مع قطر. وفعلت الإمارات مثلها، وعقبتهما مصر والبحرين. بعد الإعلان عن قطع العلاقات السياسية، جاءت المقاطعة الاقتصادية. وتوقفت كل علاقة تجارية بين قطر وهذه الدول، وأغلقت معابر الحدود من السعودية إليها. وسد المجال الجوي في السعودية والإمارات والبحرين في وجه الطائرات التي أقلعت أو هبطت في الدوحة.

تصرفت قطر برباطة جأش. توجهت على الفور إلى إيران واشترت منها كل منتج احتاجته، بل وفتحت لنفسها مساراً جوياً لحركة الطائرات. طالت الرحلات الجوية إلى الدوحة، وحلت البضائع التركية والإيرانية محل منتجات الجيران، وشد القطريون على أسنانهم وواصلوا العيش.

كانت جملة من الأسباب للسعوديين وأصدقائهم من أبو ظبي للنزول هذا الأسبوع عن الشجرة العالية. بعد المليارات التي بذرت في محاولة فاشلة لتصفية الميليشيا الشيعية في اليمن، كم من المال يمكن خسارته في مغامرات عابثة. كما أن مناشدات مبعوثي البيت الأبيض (بتشجيع الكويت) فعلت فعلها. واشنطن شريك استراتيجي للدوحة والرياض. ومنذ سنين تبيعهما سلاحاً نوعياً بعشرات مليارات الدولارات. ضغطت إدارة ترامب لهما على النقطة الإيرانية. هيا، قالت لهما، تصالحا قبل فوات الأوان، فلا يمكن أن نعرف ما ينتظركما في السياق الإيراني على يدي الرئيس بايدن. والأفضل لكما أن تستقبلاه متحدين.

وبالطبع الحرج كبير. هذه المقاطعة، كما فهم الجميع منذ زمن بعيد، فشلت فشلاً ذريعاً. وطرح المقاطعون 13 مطلباً نشرت على الملأ، ومنذئذ كان مشكوكاً أن تركع قطر وتطيعها، ولكن القائمة المغرورة شهدت على مزاج أصحابها أكثر مما جاءت لتنفذ. فقد طلب من الدوحة إغلاق قناة “الجزيرة”، الذراع الإعلامية التابعة للقصر. كما طالبوها بتخفيض مستوى العلاقات مع إيران والتوقف عن كل علاقة تجارية معها، مما يخرق المقاطعة الأمريكية. وطالبوها أن تغلق قاعدة سلاح الجو التركية في أراضيها، وتقطع علاقاتها الأمنية مع أنقرة. قطر تدعم حركة الإخوان المسلمين، وهذه الحركة، بفروعها تشكل علماً أحمر لدى الإمارات والسعودية والبحرين، التي ترى في الجهاد خطراً على وجودها. وقد طولبت قطر بالكف عن دعمها بل وقطع علاقاتها مع حزب الله والقاعدة و”داعش”.

نفذت الدوحة بالفعل سلسلة تعديلات تجميلية. فقد ودعت نشطاء من “الإخوان”، وخفضت من حماسة التغطية الإعلامية لـ “الجزيرة”، وشددت الرقابة على الحسابات البنكية لذوي العلاقة بمحافل الجهاد. ولكنها أبقت الأوراق القوية قريبة من الصدر.

الهمس من خلف الكواليس

مثلما في حالات عديدة في الماضي، كان الممثل الرئيس في هذه المسرحية محمد بن سلمان، ولكن الهامس اختبأ وراء الكواليس، فقد كان محمد بن زايد، ولي عهد الإمارات، مرشد جاره الشاب، ولا يزال يشكل له رجل سر. دفعت الإمارات نحو إنهاء الإغلاق بقدر لا يقل عن السعودية، إذ رأت كيف يجتمع التهديد الإيراني والخسائر المالية ليصبحا حركة كماشة مهددة، وبايدن لا يعد بشيء حالياً.

سجلت أبو ظبي في هذه المقاطعة خسائر المداخيل الأكبر. فحجم تجارتها مع قطر يزيد عن 7 مليار دولار في السنة، ثلاثة أضعاف التجارة المتبادلة بين السعودية وقطر. وخلقت المقاطعة ركوداً في اقتصاد الخليج كله، وأبعد المستثمرين وأضر بنمو الدول المشاركة فيها. كل ذلك، بينما تواجه هذه الدول الخسائر التي تنطوي على انخفاض أسعار النفط. ولمن ذهبت الأرباح؟ إلى الخصمين الإقليميين، تركيا وإيران.

كان مشوقاً أن نتابع هذا الأسبوع حديث المحللين في الخليج. فقد أعرب بعضهم عن الأمل في أن يكون تجميد المقاطعة بداية حوار صحي بين السعودية وقطر، فيوحد دول الخليج مثلما في الأيام الطيبة. وتنفس معظمهم الصعداء، إذ رأوا في ذلك بداية وقف التدهور. كانت سابقة غزة أمام أنظار الجميع؛ فالمعسكر الفلسطيني انقسم إلى اثنين، ومن تلك اللحظة أصبح كل جناح منهما كياناً متعثراً. وأجبر هذا الضعف حماس والسلطة على إيجاد المعونة لدى المصريين، والأمريكيين، والقطريين، والأتراك بل وحتى الإسرائيليين. وكلهم هرعوا للإنقاذ. هكذا أيضاً في الخليج. إيران وتركيا والولايات المتحدة دُعوا للمساعدة، وسجلوا أرباحاً جميلة على ظهر الدول التي تاقت للمساعدة. لا غرو أن اصطلاح “وحدة الخليج” طرح مراراً في الحديث عن إنهاء المقاطعة. وثمة أمل أن توثق كل الأطراف علاقاتها عبر حوار سليم ومسؤول وتعود لتكون يداً واحدة أمام من تبقى.

إلى أن يحصل هذا، سيواصل الأمير تميم أن يكون تميماً (بريئاً)، وسيبقي بن سلمان نحوه يقف موقف الشكاك. لن تكف قطر عن دعمها للإخوان المسلمين، ومنظمات الجهاد في العراق وسوريا والحكومة شبه الإسلامية في طرابلس في ليبيا. وستحافظ على علاقاتها مع تركيا وإيران.

ويمكن أن نضيف إسرائيل إلى قائمة الخاسرين، وإن كان في المكان الأخير، المحترم. فالأمير الشاب نجا من أزمة حادة، وخرج منها مع ثقة ذاتية فائضة. لم يمنعه شيء من مواصلة دعم المحافل الراديكالية في المنطقة. صحيح أنه –بالتوازي- يقيم علاقات مع إسرائيل،  وهذه كفيلة بأن تتوثق، مثلاً على خلفية بيع منظومات السلاح،. ولكن منذ متى تأتي العلاقات مع هذه العواصم مع اتفاق ولاء؟ فالقطري يتحدث مع إسرائيل لاحتياجاته وليس لاحتياجاتها. وإذا أملت مصلحته ذلك، فسيستضيف مسؤولين إسرائيليين في الدوحة وسيواصل تشجيع أعدائها.

وإذا ما تحدثنا عن العلاقات، فإن ترامب سيعتزل الأسبوع المقبل ويترك وراءه إرثاً مسلياً حتى الرعب. لماذا مسلياً؟ لأنه لم يدخل البيت الأبيض رئيس يخوزق الجميع كل الوقت منذ زمن بعيد. فقد خلط الإيرانيين ودول الخليج ونحن أيضاً، وعظم الخوف في المنطقة – وفي هذه الأثناء باع الجميع منظومات سلاح بمئات مليارات الدولارات. صحيح أنه جلب لإسرائيل اتفاقات تطبيع منشودة، ولكنه بنى لعواصم الخليج جيوشاً حديثة مع أفضل الوسائل القتالية في الجو والبر. ويمكن أن نقول “فليكن” لثلاثة منهم (السعودية، الإمارات، والبحرين)؛ فهم أصدقاء لإسرائيل. ولكنها صداقة لحظية، هشة كما سنرى. وهم ليسوا أصدقاء حقيقيين.

وبالنسبة لقطر، حتى لو أقامت علاقات مع إسرائيل، فستبقى هي السعودية الصغيرة التي كانت ذات مرة؛ تعيش جهوداً للبقاء، وتدعم أجنحة متطرفة ومغرورة وداهية.

بقلمجاكي خوجي

 معاريف 8/1/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية