عدي الزعبي أود في هذه المقال أن أشارك في سجال دار بين كاتبين سوريين: عزيز العظمة وبدرخان علي. يبدأ العظمة مقاله ‘الحراك الجماهيري وتأزّم الحس السياسي’ بانتقاد النظام السوري، ثم يضيف، أن الحراك الجماهيري سبّب تبلبلاً في المواقف السياسية للمثقفين. يرى العظمة من علامات هذا التبلبل ‘رفض البعض (وليس الجميع) لرؤية الانشطارات الأساسية السياسية البادية في الأفق بين القوى السياسية المتطلعة إلى المستقبل والملمة بالتحولات الكونية والمحلية، والقوى الإسلامية التي ترتجي النكوص الاجتماعي والعقلي، بل والسياسي أيضاً’. يضيف أن هذا التبلبل يأتي تحت عنوان ‘لم الشمل وتأجيل التباينات’. لن أخوض بالتفصيل في المقال، إلا أنني أريد أن أجادل بأن العظمة مخطئ في النقاط السابقة.
يرد بدرخان علي، في مقاله ‘انتفاضة شعبية لا شعبوية، ضد السلطة لا الدولة’، على معظم النقاط التي يثيرها العظمة. أحد هذه الردود: ‘تختزل المسائل السياسية كلها بصراعات فكرية من قبيل ‘علمانيين وغير علمانيين’… الناظم الرئيسي وراء رؤيته يكمن في قراءة الواقع السياسي والاجتماعي السوري من زاوية: صراع العلمانية مع الحركات الإسلامية’ يرى بدرخان أن التبلبل موجود في قراءة العظمة للواقع السوري. قراءة بدرخان للواقع تتجاوز هذه الثنائية. هذه الثنائية، تتجاهل الواقع، وتدفع بالبعض إلى التخوّف من الثورة. ما أود التأكيد عليه هنا هو أن هذه الثنائية تتجاهل الواقع السوري، وتتعالى عليه، كما يرى بدرخان. بإعطاء أمثلة ملموسة من مجريات الثورة، سوف نرى أن هذه الثنائية إما غائبة، أو ليس لها دور تفسيري. أولاً، ينقسم الثوار، برؤية العظمة إلى أخيار، يتطلعون إلى المستقبل، وهم العلمانيون. وإلى أشرار، ينظرون إلى الماضي، وهم الإسلاميون. بالطبع، هناك علمانيون وإسلاميون في الثورة. السؤال، ما هو الدور الذي يلعبه هذا الفرز في الثورة؟ أعتقد أن هذا الدور مبالغ فيه. سوف أعطي مثالين، لأبين أن هذا الفرز ليس محورياً كما يراه العظمة. الأول هو شرارة الثورة. أقصد تعذيب أطفال درعا، وردود الفعل من قبل النظام وأبناء درعا. هل يعتقد العظمة أن الأهالي الذين طالبوا بأطفالهم كانوا مدفوعين ببرنامج سياسي إسلامي؟ هل كان التجمع في ساحة الجامع العمري في الأيام الأولى له مرجعية سياسية إسلامية؟ هل كان الحوار مع النظام الذي وافق عليه أبناء درعا، ولمطالبهم المختلفة، التي كان على رأسها رفع حالة الطوارئ، أية إحالات لبرنامج الحركات الإسلامية؟ شرارة الثورة هي الكرامة المهدورة. لا يوجد أي برنامج سياسي، إسلامي أو علماني، في هذه الحالة. تعذيب الأطفال يقع خارج هذا الفرز. ليس هناك ‘انشطار أساسي’ بين الإسلاميين والعلمانيين. المثال الثاني، هو كيف يستطيع هذا الفرز شرح الواقع السوري المتمثل في أن بعض المحافظات مشتعلة، في حين أن محافظات أخرى هادئة نسبياً. هل نفهم أن درعا وإدلب وحمص وريف دمشق، فيها تيارات علمانية وإسلامية ناشطة، تدعو للثورة؟ باعتبار أن العظمة يقول أن هناك تياران في الثورة، العلمانيون والإسلاميون. بالمقابل، هل يغيب العلمانيون والإسلاميون عن الرقة والسويداء ودمشق وحلب وطرطـــوس؟ الجواب الواضح أن لا. قراءة الواقع السوري يجب أن تكــــون متعـددة المستويات. إذا كان العظمة يعتقد أن الثوار ينقسمون إلى إسلاميين وعلمانيين، فعليه أن يشرح لنا، ما هي القوة التفسيرية لهذا الفرز في شرح الهدوء النسبي لبعض المحافظات. أعتقد أن قراءة معمقة وجدية، سوف تكشف تباينات وأسباب متنوعة لهذا الهدوء النسبي. الوضع في حلب يختلف عن الرقة، ووضع السويداء مختلف عن دمشق. يبدأ التقييم في تسمية المحافظات بالاسم ومحاولة فهم التباينات والتشابهات بين هذه المحافظات. النزول من البرج العاجي الذي يقسم المجتمع إلى علمانيين وإسلاميين، والانخراط في فهم متعدد المستويات، يشمل الأوضاع الاقتصادية والمناطقية والطائفية والتاريخية، هو السبيل الوحيد لفهم الواقع السوري. هنا أيضاً، لا نجد ‘الانشطار الأساسي’ بين الإسلاميين والعلمانيين.
النقطة الثانية التي أود مناقشتها هي تأجيل التباينات ولم الشمل، الذي يؤدي، بنظر العظمة، إلى تبلبل في الرؤية عند المثقفين. أعتقد أن العكس تماماً هو الصحيح. هذه النقطة بحاجة لشرح. التباينات المؤجلة هي تباينات سياسية، يحكم فيها صندوق الانتخابات. عندما تقبل الحركات الإسلامية بإجراء انتخابات حرة، فالخلاف معهم ينتقل من العداء السائد في أوساط الديكتاتوريات العربية التي تقضي بإلغاء الآخر، إلى حوار سياسي يعترف بالآخر. هكذا يصبح الفرز بين علمانيين وإسلاميين غير دقيق. هناك فرز آخر، هو بين من يرفضون الانتخابات ومن يقبل بها. نجد علمانيين وإسلاميين يقبلون الانتخابات، كما نجد علمانيين وإسلاميين يرفضون الانتخابات. الإسلامي الذي يقبل بالانتخابات هو حليف لنا، في وجه العلماني الذي يرفض الانتخابات. يقوم لم الشمل على قواعد وأسس واضحة، منها احترام حق الحركات الإسلامية في الدخول بالانتخابات.
التبلبل القائم هو التبلبل بين من يتخوّفون من الثورة، وبين من يدعمون الثورة. اللذين يتخوّفون من الثورة لديهم رؤية جاهزة، غير قابلة للتغيير أو التعديل، تتمحور حول الصراع الإسلامي-العلماني. هذا الصراع افتراضي في معظم تصوراته. ندعو المتخوفين إلى التخلي عن الإسلاموفوبيا، ومحاولة فهم الواقع السوري. الواقع هنا مختلف. الصراع الأهم يدور بين دعاة الحرية ودعاة الديكتاتورية. ‘ كاتب من سورية يقيم في بريطانيا