قادما من مطار بيروت في اتجاه منطقة برج حمود، طلب مني صديقي المغترب في ديار الله منذ اكثر من اربعة عقود متواصلة في مجاهل افريقيا أن اسمّي له المعالم الحيوية على جانبي الطريق. لفت انتباهه سجن عاملات المنازل الوافدات من قارتي افريقيا وآسيا الواقع تحت جسر الاشرفية في منطقة العدلية، ومبنى الاتحاد العمّالي العام القريب من السجن. فسألني متهكّما: ‘لماذا لا يكون موقع السجن مركزا للاتحاد، ويكون مبنى الاتحاد مركز ضيافة مؤقت لهؤلاء النساء لحين تسهيل عودتهنّ الى بلادهنّ؟’. ابتسمت للتو، لكنني لمست هول المأساة التي تحسّسها صديقي لمعرفته العميقة بما هنّ عليه من محبة وانسانية في اوطانهنّ، قال انه لم يعامل يوما في تلك المجاهل بغير الاحترام والحماية والاحاطة الوديّة من هذه الشعوب الطيبة التي كان له شرف مصاهرتها والانصهار فيها. أخبرته ان نسبة العمالة الوافدة هي اكثر من سبعين في المائة من القوى العاملة في لبنان اذا احتسبنا ايضا العمالة في القطاع العام. حيث ان كل القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية تقوم على استقدام واستخدام العمالة الرخيصة دون السماح لهم بتشكيل نقابات ترعاهم وتدافع عن حقوقهم. أمّا الاتحاد العمّالي العام فهو كناية عن هيئة افتراضية صورية لنقابات عمالية لا يتعدّى تمثيلها العمّالي الهيئات الادارية فيها، باستثناء نقابة السائقين العموميين التي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الفضل الاوحد لها، لانه يغطي التقديمات الصحية لمالكي اللوحات الحمراء ولعائلاتهم، وكذلك عمال القطاع المصرفي الذين لا يجرؤون على المطالبة بحقوقهم، كون اصحاب المصارف هم مموّلو الخزينة العامة المنهوبة والعاجزة، وهم كذلك ناهبو الفوائد الخيالية المستحقة لهم مقابل تمويلهم عجزها. ان الدور الذي يقتصر عليه الاتحاد هو فقط اصدار البيانات الصحفية، وتمتّع افراده بامتيازات الذوات التي تقدمها لهم عمالة المبنى، وكذلك نعمة الظهور على وسائل الاعلام والسعي الى احتواء اي مطلب عمّالي، ومن ثم تكريمهم شخصيا من قبل النافذين في الدولة واسيادهم اصحاب رؤوس الاموال المشبوهة. تصحّ عبارة ‘اللحد العمّالي العام’ على هذا ‘الاتحاد’، واكبر دليل على ذلك هو جدول المطالب التي ما زال يردّدها منذ حوالي عقد من الزمن، والتي هي على سبيل المثال لا الحصر: إعادة تصحيح الأجور، وتطوير النقل المشترك، والتصدّي لتفشّي غلاء الأسعار، والارتفاع غير المبرّر للأقساط المدرسية، ودعم مادة المازوت المنـزلي، والإقدام على فرض أي نوع من الضرائب والرسوم، ودعوة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للبدء الفوري بالتغطية الصحية على المضمونين الذين بلغوا سن التقاعد وفق قانون الضمان الاختياري، الخ، الى آخر الرواية المطلبية المملّة.اعود الى التزكية على اقتراح صديقي المغترب حتى يتحسّس مسؤولو الاتحاد العمّالي العام المشاكل والمطالب المحقّة للعمالة الوافدة – التي هي كناية عن تجارة رقيق معاصرة – لان العمالة اللبنانية قد اصبحت ايضا عمالة وافدة في بلدان المهاجر، واكثر اللبنانيين كذلك يستغلّون وتهدر طاقاتهم في تلك المهاجر من اجل حفنة من العملات المهدورة على مداخل السفارات وتذاكر اسفارهم. لقد اصبح العمال اللبنانيون هائمين في قارات التشرّد والضياع والتشتت العائلي القاهر، فما ضرورة بقاء هذا الاتحاد! وما فائدة تمثيل العجزة للعمالة اللبنانية الشابة المهاجرة في وطن مافيات السياسة والحظائر الطائفية! سعد نسيب عطااللهqmn