جمال محمد تقي
التشخيص كان جليا جلطة مزدوجة قلبية ودماغية، واعراضها واضحة شلل رعاش، وصعوبة بالغة بالحركة او النطق، مما يعني انها قاب قوسين او ادني من الموت، هذا التشخيص اقره شاهد من اهلها، عندها كذب الخبر أحد اكبر أولادها جلال الطالباني متهما الطبيب بيكر ولجنته الطبية بقلة الخبرة، بيكر رد علي الطالباني قائلا: لا يريد الطالباني اقرار الحقيقة لانه لا يفكر بطريقة عراقية وانما بطريقة رئيس عشيرة كردية!
للحقيقة فقط ان السيد بيكر اكثر عراقية في تشخيصاته هذه من السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق!! هل هناك اكثر من هكذا مؤشر علي ان العملية السياسية ماتت وشبعت موتا؟
الوصايا الكثيرة تكشف وبالتفصيل الممل معالم الفشل الذي رافق المجهودات الحربية والسياسية التي جرت في العراق منذ احتلاله حتي الآن، ففشل المجهود الحربي الامريكي هو فشل لما يسمي بالعملية السياسية والعكس صحيح، ومجريات الأوضاع في العراق قالت قولتها قبل تقرير بيكر لأكثر من ثلاث سنوات عجاف هي سنوات الاحتلال وما زالت تقول، وما جاء به بيكر لا يلغي الاحتلال وتداعياته الكارثية وانما، ينظم وجوده وانسحابه كمقدمة لدخول مرحلة التحريك عن بعد لتجنب الخسائر المباشرة! لقد اقر بيكر في تقريره بان المعالجات العسكرية والسياسية الامريكية ومن يعمل تحتها من عراقيي الميليشيات الحاكمة قد اندحرت بامتياز، وعليه فما عرضه التقرير من نقاط دقيقة هي ليست جديدة انما الجديد في الأمر كله انها تجيء بمثابة اعتراف رسمي بالفشل!
لجنة بيكر جهة امريكية تمثل الحزبين الوحيدين المتواليين علي الحكم، الحزب الجمهوري الحاكم والحزب الديمقراطي المعارض، وتوصياتها ستكون بحكم خارطة طــــريق لمعالجـــــة المأزق الامريكي في العراق ان كان الحكم جمهوريا حاليا او ديمقراطيا لاحقا، وعليه فان التقرير يعالج النتائج دون الاســـباب فالاسباب هي جمهورية وديمقراطية مشتركة حيث كانت اغلبية نواب الحزبين مع قرار شن الحرب علي العراق، والتقرير يحاول تعديل مسار المشروع الامريكي بعد فشله دون التخلي عن جوهر الاسباب الكامنة وراء الحرب ذاتها!
ما يهمنا هنا هو قراءة تفاعلات هذا الاعتراف الامريكي ووصاياه شبه الملزمة علي كمبارس العملية السياسية من العراقيين اصحاب الميليشيات المتوافقة مع المشروع الامريكي بنسخته الاولي، وعرضها الدقيق لحالة التسيب والفساد والتشظي التي تعيشها الساحة العراقية، اضافة الي اعلانها لحقيقة عقم ما يسمي بسياسة الفوضي الخلاقة دون ان يسميها ايضا، وعليه يمكن اعتبار التقرير تمهيدا تعبويا للتعديلات المرتقبة علي السياسة الامريكية بشأن العراق، وهذا ما دفع اغلب اطراف العملية السياسية للحج الي واشنطن وتقديم ما يمكن تقديمه من عروض وخدمات كي تحمي نفسها من اي استبعاد او تهميش او تحول قد يجعلها في مهب الريح!
بوش وتجاربه المختبرية علي فئران العملية السياسية:
سيجرب بوش بهم ما لم يجربه هتلر بحكومة فيشي، وسيستفيد من ملاحظات بلير ليجرب بهم ما لم يجربه ابو ناجي في نوري السعيد وسعد صالح جبر وبهجت العطية ومحمد العريبي، قد يجرب الانقلاب البرلماني او الانقلاب الحكومي او سحب الغطاء عن بعضهم لينكشفوا امام البعض الآخر فيطيح بهم دون ان تتلطخ اياديه بدمائهم، اذا اراد اقصاء المالكي فعليه فقط ان يؤشر الي خدمه في شمال العراق الطالباني والبارزاني باسناد من الحكيم، واذا اراد اقصاء الحكيم وجوقته فعليه اعلان الاحكام العرفية وتشكيل حكومة طوارئ كما اقترحها الطبيب الجراح غير المداوي اياد علاوي، واذا اراد رأس مقتدي الصدر فما عليه الا تسليم راس الرئيس صدام حسين!
من اجل الخلاص من المقاومة واصحابها فقط هو علي استعداد لاطاحة بكل رؤوس خدمه في العراق وقبر عمليتهم وسكتهم السياسية، هو مستعد لتحويرها او تعديلها او اجتثاثها ليعيد تشكيلها مناصفة مع رموز المقاومة، طبعا اذا قبلت الاخيرة بالقاء سلاحها والتلاؤم مع مشروعه!
لقد جري طرح طعم بهذا المعني فيما يسمي بمؤتمر المصالحة الأخير، علي شاكلة الغاء قانون اجتثاث البعث واستئصال بنود كاملة من الدستور وتعويض كل العسكريين المتضررين، واعادة قسم كبير من العسكريين والمدنيين البعثيين الي وظائفهم، والاستعداد الأولي لتحديد اجل مسمي لانسحاب القوات المحتلة، لكن الذي حدث وكما كان متوقعا رفض كامل للمشاركة فيه من قبل شرفاء العراق ومقاوميه وكان الحضور مقتصرا علي جماعاتهم فقط، بل ان الكثير من عناصرهم قد تغيب وتسرب بسبب شعوره بقرب النهاية، وما حدث في المنطقة الخضراء بعد انقضاء اعمال المؤتمر الاضحوكة يؤشر علي حقيقة ما ذهبنا اليه، واليكم الحكاية: دخلت مركز شرطة الكرادة الواقع في المنطقة الخضراء مفرزة مسلحة امريكية بلباس شركات الحماية الخاصة واطلقت سراح الوزير السابق ايهم السامرائي الموقوف بسبب تهم الفساد واصطحبته الي مطار بغداد حيث طار من هناك الي موطنه الاصلي!
الشرطة العراقية نقلت الواقعة الي وزير الداخلية ووزير الداخلية تنفس الصعداء لأن الامريكان قد حسموا الموقف الذي كان جر وعر بين لجنة النزاهة وقاضيها القاضي راضي وبين قاض امريكي اصدر حكمه ببراءته لأنه يحمل الجنسية الامريكية الأمر قد تم والسيادة الوطنية تخر علي راس رئيس وزرائها خضير او نوري او جواد المالكي الذي لا يستبعد ان يكون هو نفسه من حملة الثلاث جنسيات!
الطريق الوحيد للحل:
الحل لمن يريد حلا: هو الغاء قرار حل الجيش العراقي واعادة تأهيله اعتمادا علي التقاليد العريقة للعسكرية العراقية والغاء قرار اجتثاث البعث وتشكيل مجلس تأسيسي يجمع ممثلي كل الاحزاب والكتل السياسية بما فيها فصائل المقاومة وحزب البعث، وحل كل الميليشيات واعتماد دستور انتقالي يجسد انتماء العراق العربي الاسلامي بنفس ديمقراطي غير قابل للمساومة ويحافظ علي لحمة العراق وثروات اجياله رافعا راية المواطنة وحسب، والتي لا تعلوها راية في اقرار مبدأ الحقوق والواجبات والتعددية التي تنشد تكافؤ الفرص والانتقال السلمي للسلطة عبر مؤسسات محمية من الدستور ومن المؤسسة العسكرية التي ستكون الحارسة الامينة دون ان تتدخل وبأي شكل من الاشكال بالحكم واشكالياته، وقبل كل هذا وذاك عقد عقد وطني يحمل الغزو الامريكي التداعيات الكارثية التي جرها علي العراق بعد جريمة حربه غير المبررة عليه مطالبا اياه بشد رحاله وتنظيم انسحابه وعلي الفور وتسديد فواتير الجزء الاكبر من اعادة اعماره كتعويضات مستحقة، واقامة مؤتمر دولي تكفله الامم المتحدة ليكون راعيا لتنفيذ هذا العقد وخاصة في جزئية قوات الاحتلال وتنظيم انسحابها مع مبدأ التعويضات والمباشرة في تخصيصها للجنة الاعمار الوطنية التي تخضع لرقابة المجلس التأسيسي، تشكيل حكومة من المتخصصين المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة، هذا هو طريق الحل الوحيد للمشكلة التي يمكن ان تستعصي اكثر علي الحل وسيتضرر من مضاعفاتها الجميع وعلي رأسهم المحتلون واعوانهم، هذا هو الطريق الحقيقي للمصالحة الوطنية فهل سيسلكه من ينشــــدون المصالحة الوطنية حقا؟
ان عناصر ما يسمي بالعملية السياسية لا تملك مفاتيح الحل ولا يملكها الامريكان انفسهم، وكلهم يدرك ان المقاومة وحدها من تملك تلك المفاتيح، ومن يقول غير ذلك عليه البرهنة بأن الامريكان ومعاونيهم قد نجحوا في مشروعهم الذي ينحدر يوميا للمــــزيد من الهزائم والهوان.
كل مجالسهم من مجلس الحكم الي مجالس الوزراء الي مجالس مصالحاتهم الوهمية هي مجالس فاتحة وعزاء لا يحضرها سوي شحاتي ولصوص وسماسرة وطبالي العهد الامريكي في العراق.
كل لجانهم ومفوضياتهم ومحاكمهم التي أسسها الامريكان منذ احتلالهم للعراق هي اسماء فضفاضة لهياكل تمتهن الارتزاق والتكسب وليست لها اية مصداقية لا خلقية او اخلاقية من مفوضية الانتخابات الي مفوضية النزاهة الي المحكمة الخاصة الي لجنة الحوار والمصالحة الوطنية!
ہ كاتب من العراق8