رام الله ـ «القدس العربي»: لا يبدو تبرير الجيش بعد يومين من العملية العسكرية شمال الضفة الغربية التي حملت اسم «مخيمات الصيف» مقنعا، في إحدى السرديات، المليئة بالدعاية السياسية، التي جاءت متأخرة بيومين عن إطلاق العملية العسكرية جاء أن جيش الاحتلال امتلك معلومات استخبارية تفيد بهجمة فلسطينية متوقعة على المستوطنات، ولذلك قام الجيش باجتياح المخيمات. لم تقع العملية التي بررت إسرائيل بها الهجمة الاحتلالية على مخيمات ومدن شمال الضفة الغربية ولن تقع بطبيعة الحال، فالمستوطنات ليست أهدافا عسكرية سهلة بالنسبة لمقاومين لا يمتلكون إلا أسلحة خفيفة، وعلى مدى أكثر من عشر سنوات كتب لأي عملية تسلل الفشل، وما يضاعف من ذلك هو أن المستوطنات إلى جانب تسليح ساكنيها مراقبة بدرجة عالية جدا.. ولا يمكن لأي مقاوم أن يتسلل لداخلها من دون علم الجهات الأمنية.
ومن يتجول على طول طرق الضفة الغربية وعرضها وتحديدا القريبة من تجمعات المستوطنات سيدرك حجم الانتشار الخاص بالجيش والشرطة والمخابرات.
كما أن الواقع يقول إن من يشن الهجمات انطلاقا من المستوطنات التي أصبحت معسكرات حقيقية هم المستوطنون المتطرفون والمسلحون بأسلحة رشاشة وحديثة، وكان آخر الهجمات القاتلة ما حدث في بلدة «جيت» شرق مدينة قلقيلية، ووداي رحال في بيت لحم، فالعكس هو الذي يحدث وبطريقة منظمة.
ولو بقي الجيش الإسرائيلي على أهداف العملية في يومها الأول لكان ذلك أكثر منطقية من ناحية «تدمير بؤر الإرهاب وبنيته التحتية» و«القضاء على المقاومين وتشكيلات الكتائب المسلحة».
ما الجديد إذا في العملية العسكرية التي توقفت في مخيم نور شمس شرق مدينة طولكرم ومخيم الفارعة شرق مدينة طوباس، ما زالت في جنين ومخيمها وحارتها الشرقية جالبة معها القتل والتدمير الوحشي وحصار المستشفيات.
دلالة الاسم
يمكن البدء باسم العملية العسكرية التي أطلقها جيش الاحتلال «مخيمات صيفية» أو «مخيمات الصيف» وبحسب ياسر مناع، الباحث في الشأن الإسرائيلي، فإنه يشدد على أنه لم يتمكن من تحليل دلالة تسمية العملية في شمال الضفة الغربية بـ«مخيمات الصيف» لكن يستطرد محاولا استنطاق دلالة ما حيث يقول: «ربما يكون المعنى مشابهًا لما نجده في اللغة العربية. فالمخيمات الصيفية تتميز بأنها مؤقتة وسريعة، كذلك العمليات التي لها سقف زمني محدد. تهدف المخيمات الصيفية عادةً إلى ترسيخ أفكار معينة في الوعي بهدف تعديل سلوك الأطفال والمراهقين الذين يخضعون لمراقبة المشرفين، وهي نوع من التأديب والتربية. بالمثل، تهدف هذه العمليات إلى صهر الوعي الفلسطيني وإجباره على التكيف مع متطلبات إسرائيل، وتبديل سلوكهم الحالي، وذلك تحت مراقبة دائمة».
ويضيف مناع: «كما يمكن القول إن هذه العمليات تتضمن نوعًا من العبث واللهو بالحياة والبنية التحتية الفلسطينية ومقدراتها».
أما الباحث أمير مخول فيرى أن ما أطلقته القناة 14 اليمينية الاستيطانية من تسمية «المخيمات الصيفية» على العدوان يحمل تسمية مواربة، فليس المقصود مخيمات الأطفال، وإنما استهداف وجودي لمخيمات اللاجئين شمال الضفة (في هذه المرحلة) باعتبارها بنية المقاومة في الضفة.
الهدف الأيديولوجي الكبير
حسب المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد فإن ما يجري في شمال الضفة الغربية هو نتاج لما يجري في غزة وتكمله له.
ويضيف: «جوهر العملية العسكرية هو بعث رسالة ردعية عبر القتل والاعتقال، رسالة لكل من يحاول أن يفكر في المستقبل بمقاومة إسرائيل فإن النتيجة ما جرى في شمال الضفة».
ويكمل أبو عواد: «لكن ذلك لا يجب أن يعمينا عن الهدف الأيديولوجي الكبير الذي يرتبط بالاستيطان بالضفة الغربية، عموما وشمال الضفة الغربية على وجه الخصوص. لدينا حكومة فيها ثمانية أعضاء كنيست يسكنون في المستوطنات، وثلاثة وزراء يسكنون في المستوطنات أيضا، ولدينا وزيران لديهم تأثير كبير في الحكومة الحالية، وبالتالي هناك مؤشرات تشير لرغبة ما في حسم الصراع باتجاه أن يكون الاستيطان حلقة تسير قدما، وحصر الفلسطينيين في تجمعات سكنية ضيقة».
يكمل أبو عواد حديثه قائلا: «عمليا الضفة الغربية محتلة، فالجيش يتواجد على مدار الساعة في كل المدن في الضفة الغربية وذلك قبل السابع من أكتوبر العام الماضي، لكن المختلف هذه المرة هو أنه من الممكن أن يكون الوجود العسكري أكبر وذلك عبر ضخ المزيد من القوات، وعمل حواجز في المناطق. وهذا يعني زيادة مساحة الاحتلال المبشرة بالضفة».
ويرى أبو عواد أن ذلك يعني الإبقاء على وجود السلطة كجسم يتحمل الأعباء الإدارية، فلن يذهب للاحتلال للسيطرة التامة والكاملة، حيث لذلك تداعيات دولية وإقليمية، إنما ستستمر عملية تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، من خلال سحب الامتيازات السياسية وإدارة الظهر للاتفاقيات الموقعة وحرمانه المناطق الفلسطينية من التواصل مع المجتمع الدولي…الخ من مصادر الضغط لحصر السلطة في دائرة واحدة وهي تحمل أعباء إدارية من دون أبعاد سياسية.
ويختم حديثه قائلا: «كل ما يجري يفرض ترتيب البيت الفلسطيني، يجب الذهاب إلى لملمة الواقع الفلسطيني المتشرذم، فإذا حدثت الوحدة الفلسطينية قد يترتب عليها مجموعة من الأمور مثل: إعادة الهيبة للحالة السياسية الفلسطينية، وإعادة السلطة إلى الشارع الفلسطيني، فضعف السلطة ليس في مصلحة أحد، وقد يترتب على ذلك مواجهة التهديدات الإسرائيلية وعدم الرضوخ إليها».
مرحلة
مختلفة عما قبلها
أما حسن أيوب، الباحث ومحلل في الشأن الفلسطيني فينطلق في حديثه من حيث توقف أبو عواد، فالتحدي الأول أمام الفلسطينيين في ظل تنامي العمليات العسكرية الواسعة والكبيرة هو «توحيد الموقف الفلسطيني وانهاء الانقسام وحالة التشظي التي لحقت بالبنى السياسية الفلسطينية، وتحديدا الانقسام بين فتح وحماس الذي امتد إلى 17 عاما».
يكمل: «لقد بات الانقسام من العوامل التي تفتك بقدرة المجتمع الفلسطيني على إبداء درجة أكبر من الحصانة في وجه ما تخطط له إسرائيل منذ سنوات».
ويرى أيوب أن الموضوع في الضفة الغربية غير مرتبط بمعركة «طوفان الأقصى» حيث أن إسرائيل شرعت عام 2018 وما بعدها إلى تغير استراتيجيها مع الضفة الغربية وهو ما تكرس بعد عملية «طوفان الأقصى» فالموقف الإسرائيلي الداخلي الذي كان يقول «لا نريد الذهاب لتصعيد في الضفة الغربية كي لا يكون هناك رد فعل» لم يعد قائما.
ويشدد أن الواقع السياسي الجديد يطرح أمام الفلسطينيين تحديات غير مسبوقة، فعملية تدمير كل ما تبقى للشعب الفلسطيني وقتل كل امكانيات إنشاء كيان سياسي، وتقليص فرص الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير أو حتى قدرتهم على التنقل بدرجة من الحرية وضمن تواصل جغرافي بين المناطق الفلسطينية، أو حتى أن يشكلوا حالة ممانعة جماعية لما وصلت اليه إسرائيل في سلوكها، «كل ذلك يؤسس لمرحلة ما بعدها يختلف عما قبلها».
ويرى أيوب أن الفلسطيني أمام سيناريو مكرر لعمليات التهجير في الضفة وغزة فـ»ما يحدث في الضفة على نطاق ضيق يشير إلى استمرارية في المحاولات المتكررة على يد المستوطنين والاحتلال، وهي بالمجمل تقرأ على أنها إطلاق بالونات اختبار».
والسؤال حسب الباحث: «إذا ما مورس التهجير في الضفة على نطاق داخلي، هل سيكون هناك ردود فعل عربية ودولية وفلسطينية قوية؟ فإذا لم تكن هناك ردود قوية عندها لن يكون لدى حكومة الاحتلال من مشكلة في ممارسة ذلك على نطاق واسع».
حسم الصراع
ويخلص تقدير موقف للباحث أمير مخول، مركز تقدم للسياسات، إلى أن العدوان على الضفة الغربية وتحديدا شمالها، تطبيق عملي لخطة «الحسم» ويفوق ما سبقه، وهو جزء من مشروع احتلالي تكاملي مع حرب الإبادة على غزة وهدفه تغيير الواقع السكاني والنزوح القسري، وفيه مقدمات لمشروع «الوطن البديل» في الأردن، وهو ما يتطلب ردا فلسطينيا، وأردنيا، وعربيا ودوليا.
وجاء في الموقف ضرورة أن يكون هناك مطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ولقضيته على اعتبار أن ذلك هو مهمة أولى ونستند أيضا إلى قرار الأمم المتحدة باعتبار فلسطين دولة تحت الاحتلال، إلى جانب ضرورة السعي الى تفعيل فوري للجنة التحقيق الأممية، ايار/مايو 2021 في ممارسات الاحتلال.
ويرى مخول أن الحماية الشعبية الفلسطينية لن تصد العدوان، إلا ان اسهامها في الصمود والبقاء مصيري.
وجاء في الورقة أن جغرافية العدوان تتطابق تماما مع خريطة مخطط الاستيطان في شمال الضفة الغربية والأغوار الشمالية الأقل كثافة من حيث الاستيطان والأكثر كثافة فلسطينيا، وهي المناطق المخطط لها ان تكون غير قابلة لحياة الفلسطينيين وقابلة تماما لحياة المستوطنين وفقط لهم. ضمن اعتبار إسرائيلي بأن الاستيطان لن يتحقق في هذه المناطق إذا لم يتم القضاء على أية مقاومة وإذا لم يتم إجراء تغيير سكاني جوهري فيها.
وعن أحاديث النزوح والإجلاء، فقد أصبحت رسميا لأول مرة في الضفة الغربية وتأتي في ظل النزوح القسري المتكرر في غزة منذ بداية حرب الإبادة عليها. وللتنويه لم يحدث ان كان النزوح مؤقتا للفلسطينيين في العرف الإسرائيلي، بل الخطوة التالية له ستكون في منع العودة، وهي عقيدة إسرائيلية صهيونية معمول بها منذ نكبة العام 1948.
وجاء العدوان الواسع الشامل وغير محدود المدة وحتى باستخدام سلاح الجو بشكل واسع على شمال الضفة الغربية، بعد عملية استنزاف مكثفة جدا وواسعة للغاية ضد الفلسطينيين في الضفة، واعتقال أكثر من عشرة آلاف من الشباب واغتيال المئات وآلاف الجرحى، ناهيك عن تدمير البنية التحتية والمعيشية للسكان. يضاف إليه حظر دخول العمال الفلسطينيين إلى المرافق الإسرائيلية، كل ذلك في سياق المسعى المتسارع والمنهجي الهادف إلى تقويض السلطة الفلسطينية ومن ورائه منع قيام دولة فلسطينية.
تطبيع التهجير
الباحث والمحلل السياسي رازي نابلسي يشير إلى العملية التي تعتبر أكبر عمليّة عسكرية منذ عملية «السور الواقي»- 2002 إلّا انها بعيدة عن ان تكون مثل «السور الواقي» فهي محدودة أيضا في شمال الضفة، فيها قصف من الجو، لكنها بلا دبّابات، والقصف من مسيّرات في أغلبه.
يكمل: «خلال العملية صار الحديث عن التهجير، وحضر سؤال: هل سيحدث بالضفة مثلما حدث في غزّة؟ وعلى من الدور هذه المرة؟ وما نتيجة العملية؟».
وإن كان نابلسي يستبعد أن يحدث في الضفة ما حدث في قطاع غزة لمجموعة أسباب أبرزها أن إسرائيل ليست معنية بتصعيد بالضفة بهذه المرحلة، وهو ما يجعل هدف الحملة وأد التصعيد وبسبب ظروف الضفة السياسية والأمنية لكنه يعتبر هذا النقاش بحد ذاته هدفا إسرائيليا.
يكمل: «فكرة التهجير والخوف الحقيقي منها، فكرة المجازر والخوف الحقيقي منها، وفكرة الهدم والدمار والمرض وقطع الاتصالات والمستشفيات، أكبر إنجاز تحقّق بهذه الحرب: أي أن يرى الفلسطيني، ويعرف، ويدرك أمام عينيه، إنُّ وجوده وحياته وأولاده وبيته وأرضه وبلده وأمانه وكُل حياته بيد الصهيونية، ومن الممكن بيوم وليلة تهجيره وطرده».
ويخلص: «هذا أكبر إنجاز تحقّق، لا العالم رح يحمينا؛ ولا الدول العربية يفرق معها وضعك، هذه هي القضيّة، هذه هي المأساة، قضيّة شعب، يعيش بدون يقين لا باليوم ولا بالغد، قضيّة شعب، رأسه تحت مقصلة، طوال الوقت، كُل يوم، كُل ساعة، وكُل ثانية».