العنصرية عندما تصيب الديمقراطيات بالعمي!
د. حسن عبد ربه المصريالعنصرية عندما تصيب الديمقراطيات بالعمي!بينما أجمعت الصحف البريطانية التي صدرت صباح الخميس 26 كانون الثاني/يناير علي أن الإنتخابات الفلسطينية كانت ناجحة بكل المقاييس وأن الفلسطينيين نجحوا في تقديم صورة مشرفة للتجربة الديمقراطية في المنطقة وعلي مستوي العالم، وقفت الرباعية الأوروبية والإدارة الأمريكية ضد نتائجها.. ناهيك عن إسرائيل التي توصف بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.. ومهما اختلفت التحليلات حول الأسباب الداخلية والخارجية التي مهدت الطريق لفوز منظمة حماس أولاً علي مستوي المجالس المحلية ثم علي مستوي المجلس التشريعي، فالأمر الذي لا يمكن أن تختلف عليه النظم الديمقراطية أن الإنتخابات علي كلا المستويين جاءت معبرة أصدق وأدق تعبير عن رغبة وحاجة وقناعة الشعب الفلسطيني، ومن هنا ليس من حق أحد كائنا من كان أن يحتج علي النتيجة أو يعترض علي فوز المرشحين الذين اختارهم الشعب أو يهدد بعدم التعاون معهم في المستقبل لاستكمال مسيرة السلام.. لماذا الإحتجاج علي النتيجة أليس في ذلك تدخل في حق الشعب الفلسطيني في الإختيار الحر الذي توصي به مواثيق حقوق الانسان ومطالب الإصلاح التي تنادي بها واشنطن والعواصم الاوروبية؟؟ أليس بناء الدولة والمؤسسات الديمقراطية في داخل السلطة الوطنية الفلسطينية، يمثل مطلبا ملحا من جانب إسرائيل منذ أن بدأت الاتهامات تتوالي علي النظام الذي كان يقوده الرئيس الراحل ياسر عرفات ثم علي النظام الذي يقوده منذ عام الرئيس محمود عباس؟لماذا لم تحتج هذه الديمقراطيات علي الممارسات العنصرية التي قامت بها إسرائيل داخل القدس العربية المحتلة عندما أصرت علي أن يتم الإقتراع فقط عبر مكاتب البريد في ظل مراقبة خانقة وقيود شديدة الوطأة علي حد وصف صحيفة الديلي تلغراف اللندنية ورفض القبول بإقامة مراكز للتصويت كما طالبت بذلك التوصيات الأوروبية؟ ولماذا لم يحتج فريق المراقبة الدولي علي مثل هذه الإجراءات العنصرية التي تصدر من الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.. ولماذا لم يحتج المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض علي ما صرح به زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو لقناة فوكس الأمريكية بعد ظهور النتائج بأن علي أسرائيل أن تتعامل بقسوة أكثر مع حماس وتقول لها إن نجاحها في انتخابات ديمقراطية لا يعطيها الشرعية ولم يكتف بذلك بل كتب في اليوم التالي مطالبا واشنطن بمقاطعتها لانها تمثل خطرا ارهابيا . ونسأل كيف وممن تتحصل النظم والحكومات علي شرعيتها إذن.. ان لم يكن عن طريق صناديق الإقتراع.. وكيف وممن سيحصل الحزب الفائز في إنتخابات إسرائيل التشريعية في آذار/مارس القادم علي شرعية تشكيل الوزارة الجديدة؟ أليس من النتائج التي ستعكسها نفس الصناديق؟ أم أن صناديقهم مستحقة الإحترام والإعتراف وصناديق الشعب الفلسطيني مدانة لأن الذين استخدموها للتعبير عن آرائهم يناضلون من أجل حريتهم واستقلال دولتهم التي تأخر قيامها حوالي الستين عاما.. الإعتراض علي فوز مرشحي منظمة حماس.. سببه الكفاح المسلح الذي تتبناه طريقا لتحرير الوطن الفلسطيني.. هذه النضالية في التحرير، التي تقرها الشرعية الدولية، تفتح الباب علي مصراعيه لنتساءل وهل مدت الدول المعترضة وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية يد السلام للرئيس الفلسطيني السابق أو الحالي بما يدعم موقفه التفاوضي السلمي ولو عن طريق الضغط علي إسرائيل لاطلاق سراح السجناء أو وقف مصادرتها للأراضي لبناء سورها العنصري العازل او اجبارها علي تنفيذ التزاماتها الدولية تجاه السلطة الفلسطينية، حتي يتمسك الشعب الفلسطيني بمنهج منظمة فتح في هذه السياسات التي امتدت منذ توقيع إتفاق اوسلو ومنه إلي بداية نشاط السلطة في قطاع غزة والضفة الغربية، ولم تؤتِ بثمرة واحدة من ثمارها حتي اليوم.. لماذا التهديد بعدم التعاون وبرفض التمويل وبقطع المنح وبمنع دخول وحركة أعضاء المجلس التشريعي بين الضفة وغزة؟ ولماذا الإصرار علي أن تبدأ حماس أولا بنبذ الكفاح المسلح؟ وهل ساهم نبذ منظمة التحرير الفلسطينية للنضال في تقريب وجهات النظر بينها وبين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من أجل إقامة سلام عادل ودائم ومستقر بين الطرفين؟ وهل اعتراف واشنطن بالرئيس السابق ياسر عرفات والسماح له بدخول بيتها الأبيض أقام الدولة التي وعدت إدارتها بمساندتها؟ وهل وفر تقليص أهداف تحرير الأراضي الفلسطينية التي احتلت بعد عام 67 فرص تحرير البقية الباقية منها؟ أم انه فتح الباب لتنازلات أكبر وأوسع.. كل الأطراف تنظر إلي فوز حماس من زوايا تبتعد عن الحقائق التي تتواجد فوق الشارع السياسي الفلسطيني.. نعم هناك فساد علي مستوي السلطة الوطنية يجب أن يحارب وهناك تعطيل للمسارات الديمقراطية التي وعدت بها السلطة منذ سنوات وهناك تسويف في الوفاء بالتزامات السلام كما تراها غالبية التيارات التي يتشكل منها هذا الشارع، لكن هناك أيضا ارض محتله فشلت الممارسات العنصرية التي تقوم بها إسرائيل منذ عقود طويلة في إيصال التفاوض حول تحريرها إلي بر الأمان.. وهناك ادارة امريكية تتنصل من تعهداتها وهناك رباعية اوروبية تكيل الحق بمكيالين.. ولم يكن أمام الشعب الفلسطيني إلا أن يبحث عن بديل.. البديل الذي اختاره صاحب المصلحة الحقيقية في غزة والضفة هو البرنامج الذي تمثله حماس.. وهو ببساطة التحرير عن طريق النضال وعبر طاولة المفاوضات، لماذا الإعتراض إذن وكل الشعوب التي كانت مستعمرة تحررت بهذه الكيفية؟ وبدلا من أن تطمئن كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا الشعب الذي يناضل من أجل حريته واستقلاله بأن واشنطن ستقف إلي جانبه حتي يحصل علي حقوقه التي وعد بها الرئيس الأمريكي.. تحدثت هاتفيا مع نظيرتها الإسرائيلية وطمأنتها بان المجتمع الدولي سيطلب من حماس الإعتراف بإسرائيل. الدولة المحتلة التي تملك ترسانة نووية تفوق – وفق بعض التقارير – ما تملكه بعض الدول الأوروبية، في حاجة إلي طمأنة هواجسها بعد أن فازت حركة نضالية بحق تشكيل حكومة تدير شؤون شعبها الحياتية وتسعي عبر الطرق النضالية المتعارف عليها لنيل استقلاله وتأسيس دولته.. الدولة المحتلة لا ترضي بالخلاصة التي توصل إليها المقال الافتتاحي لصحيفة الاندبندنت يوم السبت 27 كانون الثاني/يناير بعنوان هذا صوت الشعب الفلسطيني حين قال الكاتب بملء فيه لا أحد يمكنه ان يشكك في شرعية انتصار حماس ، وتصر علي القول بأنها لا تمثل الشعب الفلسطيني!!.. أين هذا الرأي المحايد من لي الحقائق وتزييفها الذي جاء علي لسان يارون لندن الكاتب في صحيفة يديعوت احرونوت والذي ادعي فيه أن آليات الديمقراطية تُعزز من قوة التنظيمات التي تنادي بالحكم الاسلامي مما سيؤدي الي قتل الديمقراطية الفلسطينية علي يد منظمة حماس ويتنبأ مسبقا انها ستؤثر سلبا علي علاقة هذا الشعب بإسرائيل لأن حماس غير قابلة للتطوير وستتجمد حيث هي الآن في مكانها .. مما يجعله يستبعد إحتمالية التقدم في مسار خارطة الطريق، الأمر الذي سيؤدي بإسرائيل إلي الاعتراف بأن الأمل قد تبدد نهائيا في التوصل إلي تسوية سلمية في المستقبل القريب . بدلا من مناصرة حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، تقف العنصرية بكارثية مفرطة في طريق تفهم طبيعة هذا الإختيار ومدي الحاجة إليه، لكن هذا النصر سيكتمل وستثبت الأيام أن طريق التحرير والاستقلال الذي يسير فيه هذا الشعب معتمداً علي البندقية التي تحمي التفاوض هو الضمانة الوحيدة التي عميت بصيرة الاطراف الاخري عن أن تراها برغم دعاوي الديمقراطية التي تتشدق بها..ہ إستشاري إعلامي مقيم في بريطانيا [email protected]