العنصرية ومعاداة السامية!

حجم الخط
0

العنصرية ومعاداة السامية!

خليل قانصوالعنصرية ومعاداة السامية! لقد استطاعت وسائل الاعلام في الغـرب، وهي وان تعددت تلتقي علي ابواب كبار المتمولين، من ارهاق المـواطن نفسيا باختلاق المعادلات واشباعها تحليلا وبرهانا خلوصا الي نتائج تسوغ سياسات حكوماتها. ثم لا تلبث هذه الوسائل من اسقاط تلك المعادلات والاعتراف ببطلانها والتشكيك بالمصـادر التي اطلقتها.. ولكن ذلك لا يعني ابدا رجوعا عن نهج يعكس تحولا في العمل الاعلامي الخادم لرأسمال نحو تغذية الانحياز والتعصب. اذ من الملفت للنظر ان معظم الصحف والاذاعات في فرنسا تعهد بالتعليق علي الاحداث الي جماعة من الفلاسفة تروج لنوع من الافكار هدفها صنع المبررات للسياسة الامريكية ولحروبها، كأداة لحماية حرية تنقل الشركات الكبري من اجل ابتلاع ما بقي لدي الشعوب الضعيفة.فالمنطق الذي يجيز للمحتل قصف منزل في العراق او في فلسطين وقتل ساكنيه وهم نيام، تحت حجة انهم مقاتلون هو نفسه الذي يعتمده الاعلام في فرنسا عندما يروج لاعتداء لاسامي خيالي افتراء علي المقيمين من اصل عربي، او علي المصنفين فرنسيين مسلمين في بلد المساواة والاخوة والحرية، الحريص علي العلمانية! وكان الاعلام، هو ايضا في حالة حرب لااخلاقية، يكوي بناره العمال الكادحين، واولادهم واحفادهم لاظهارهم اصوليين مخربين معادين للسامية . عندما يبيد الطيران الامريكي او الاسرائيلي عائلة بكاملها تحت انقاض منزلها، لا يثير الامر مشاعر المدافعيـن عن حقوق الانسان وكرامته من الفلاسفة الصحافيين الذين يذرفون الدموع يوميا علي الكوبيين وعلي سكان دارفور في السودان. لان الامريكيين والصهاينة يتحركون بنظرهم تحت عنوان محاربة الارهاب ..يكاد يوجد اجماع في الاوسـاط الاعلامية الغربية حول هذه النقطة، وحول ضرورة دعم مثل هذه العمليات ابتهاجا ان اصابت وصمتا ان اخطأت وقتلت النساء والاطـفال. وهناك ايضا اجماع آخر في البلاد الغربية علي عنوانين: محاربة المعاداة للسامية و مطاردة الاسلاميين . باسمهما تكال التهم جزافا، اثر اي حادثة، ليس بالضرورة لشخص او لجماعة من الاشخاص ضبطت بالجرم او ادينت امام محكمة، ولكن لفئة من المواطنين الفرنسيين تنعت بانعات مثل المسلمين او من اصل مغربي او من اصل عربي او من اصل اجنبي !مشكلة الاعلام في فرنسا انه، متسامح احيانا كثيرة امام الاعتداءات العنصرية التي يقع ضحيتها العرب او الافارقة، واحيانا اخري تكون الادانة عابرة ومعتدلة ولا تسمي الامور باسمائها استباقا لنتائج التحقيق. اما رفض التشغيل والاستخدام لاسباب عرقية، فأمر معروف ويعترف به المسؤولون في مجال العمل والشؤون الاجتماعية، ولكن الاعلام لا يعيره فسحة تزيد عن فسحة الخبر العادي، او تنساه كلية.اختلف الامـر عندما شب حريق في مركز ثقافي ـ اجتماعي يهودي. احتل الحدث الصدارة في نشرات الاخبار، وهذا طبيعي لان في الذاكرة الفرنسية خاصة والاوروبية عامة شعورا بالاثم لما لحق اليهود من اضطهاد وويلات بلغت ذروة الفظاعة علي يد النازيين. الي ان تلقفه الفلاسـفة في اعمدتهم وفي تعليقاتهم الاذاعية استقراء واستنتاجا يمكن تلخيصه بان الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يثير المعاداة للسامية بين العرب، وهذا الحريق هـو جريمة ضد السامية .. وطبعا صدرت الادانات من رجال السياسة في فرنسا والعالم، وانضمت اليهم الحكومةالاسرائيلية، رغم انشغالها بالقتل وتدمير المنازل واقتلاع الشجر، ورغم جدار الفصل العنصري الشاهد علي طبيعة السياسة التي تنتهجها، وارسلت وزير خارجيتها الي فرنسا ليبلغ سلطاتها قلق حكومته امام موجـة المعاداة للسامية التي تجتاح هذا البلد… ولكن بعد اشهر قليلة اكتشف المحققون ان موقّّد النار في المؤسـسة اليهودية المذكورة هو نفسه يهودي اقدم علي فعلته احتجاجا علي حرمانه من مساعدة كان يحظي بها. وفي حادثة ثانية، وقعت في بداية صيف 2004، ادعت سيدة ان شبابا مغاربة وافارقة اعتدوا عليها اثناء سفرها بالقطار مع طفلتها لاعتقادهم انها يهودية. مزقوا ثيابها وقصـّّوا من شعرها ثم وشموا الصليب المعكوف، شعار النازيين علي جلد بطنها، امام ركاب الحافلـة الذين لم يجرؤ او لم يبادر احد منهم للدفاع عنها. فجر الاعلاميون في فرنسا هذه القنبلة وقد احتشـت بكل العناوين الدعائية التي انتجتها الصهيونية، فذهل الناس جميعا، واضطر رئيس الجمهورية ووزراؤه لادانة جريمة لم يتأكدوا من وقوعها فعلا. وبالطبع تناولها فلاسفة الصحافة والاذاعات، درسا وتفسيرا. واجتهدت وسائل الاعلام علي مدي يـومين او ثلاثة في نقل المناسب من التصريحات استكمالا لايقاظ الضمائر في وجه انبعـاث النازية التي انتعشت من وجهة نظرهم من الانتقادات الكثيرة التي توجه للسياسة الاسرائيلية كما قال صراحة عضو في البرلمـان الفرنسي.ومرة ثانية خمدت نار الكراهية والتحريض، عندما اكتشف المحققون ان السيدة المدعية حاولت الخداع والتضليل، وانها من اصحاب السوابق في هذا المجال حسـب افادة ذويها. والغريب ان حاخاما قبلها كان قد لجأ هو ايضا الي الخداع والتضليل زاعما ان شخصا، عربي الملامح، حاول نحره بالسكين، ولكن التقصيات اثبتت انه جرح نفسه بنفسـه مستخدما سكين مطبخه. قد يكون الاعلام الفرنسي، ذاته كاذبا وماكـرا عندما يتطوع لنقـل هذه المزاعم كحقائق حتي اثبات زيفها، او يكون وصل الي درجة من الانحطاط بحيث صـار تعاطيه مع الخبر كتعاطي وكالات الدعاية مع السـلعة، المهم جذب واغراء المستهلكين…!! ففي بدايات انتفاضة الاقصـي مثلا اتصل كبير حاخامات فرنسا، وكان في اسرائيل، باحـدي الاذاعات ليعلن علي الهواء استنكاره واحتجاجه الخ.. امام الاعتداء الذي تعرض له تلميذ يهودي في احدي مدارس باريس . اذيعت رسـالة الحاخام كاملـة، قبل ان يتصل صحافيو الاذاعة بالمدرسة للسؤال عن تفاصيل الحادثة… التي تبين فيما بعد انـها بكل بساطة لم تقع!في اطارالكذب والتضليل يندرج ايضا التحقيق المصورالذي بثه التلفزيون الفرنسـي القناة الثانية في 15 نيسان (ابريل) 2004 تحت عنوان اللاسامية: الكلام المطلق والذي اراد السينمائي من ورائه اظهار التلامذة في ثانوية يهودية من جـهة وفي تكميلية رسمية من جهة ثانية في حالة حرب يكررون في فرنسا الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني حسب ادعائه. لقد اثار التحقيق احتجاج مديري المدرستين المذكورتين وكذلك احتجاج المعلمين واهالي الطلاب الذين نعتوه بالانحياز وباجتزاء الحقيقة. اما رئيس بلديـة المدينة حيث توجد المدرستان فقد قال المسرحية كانت معدة مسبقا. كان الاولاد ممثلين، بلا مقابل لفيلم لا يعرفون حكايته. لقد طلب منهم السينمائي قراءة نص هو كاتبه . (جريدة لوموند 9 تشرين الاول/ اكتوبر 2004).ربما تكون نوبات الحمي الاعلامية التي يثيرها تكرار هذا الكذب وهذا الخداع نوعا من التهديد والابتزاز للحكومة الفرنسية التي تتميز مواقفها احيانا باستقلالية عن القرار الامريكي مراعاة للقانون الدولي ولحقوق الشعوب المشروعة، ولكنها بالتأكيد، كابوس يؤرق المهاجرين العرب في هذا البلد، يشوه طبيعتهم ويصدِع ثقتهم بالمستقبل، كما انها محاولة للايهام بوجود وثاق بين مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الصهيوني اولا وانتقاد سياسة اسرائيل العنصرية ثانيا والمعاداة للسامية ثالثا.لقد عبر شارون بوضوح عن مواقفه العنصرية عندما دعا يهـود فرنسا للهجرة الي اسرائيل لان فرنسـا صارت معادية للسـامية، في نظره، بسبب سكانها المسلمين الذين يشكلون حسب تقديراته عشرة بالمئة من مجموع السكان. وفي هذه المناسـبة اظهر الاعلام الفرنسي تسامحه وقدرته علي التغاضي عن المواقف العنصرية ضد العرب التي عبر عنها المسؤول الاسرائيلي.ان ما يتهدد المواطنين الفرنسيين، الذين جاء اباؤهم واجدادهم من المغرب العربي ومن افريقيا السوداء، هو الحائط ، الذي يدعي بعض المرشحين للانتخابات الرئاسية التي بدأ الاستعداد لها، انه يفصل بين هؤلاء المواطنين من جهة وبين بقية مكونات المجتمع الفرنسي من جهة اخري.. هناك برامج سياسية تصور ازمة انتمائهم واندماجهم، عصية علي الحل، ان لم تكن مدعوة لان تتفاقم وتنفجر، وبالتالي فان مشاركتهم في العملية السياسية، حسب هذه البرامج هي غير شرعية. من هنا الدعوة الضمنية الي تحييدهم كما يتضح ذلك في الفحوي من الخطاب السياسي الذي يحظي علي اوسع مساحة في وسائل الاعلام. هذا الخطاب الذي يكرر منذ سنوات امام الفرنسيين المقولات ذاتها: ادانة الاستعمار الاسرائيلي هي معاداة للسامية، الاحتجاج ضد الغزو الامريكي للعراق هو رفض للحضارة الغربية، اما العرب فهم نساء محجبات، ورجال ملثمون . ولكن اذا كان الاعلام يستطيع حجب الحقيقة، فانه لا يقوي علي محو الذاكرة. لذلك لا يجوز نسيان الفرنسيين الذين ساندوا ثورة الجزائر، وساهموا في افشال مشروع استعماري استيطاني. كما يتوجب الاعتراف بان الاتهامات المغرضة، والتهديدات المافيوية لم تثن الكثيرين من الفرنسيين عن رفض التمييز بين الناس علي اساس الاصل، ولا عن التظاهر ضد الاحتلال الاسرائيلي، ولا عن دعم نضال الشعب الفلسطيني في سبيل تحرره. ہ كاتب من لبنان يقيم في فرنسا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية