العنف المبرر دينيا: الاسباب ليست اقتصادا وسياسة فقط

حجم الخط
0

شوقي عريف

لم يكد ينتهي المحللون من تحبير المقالات حول المواجهات التي عرفتها تونس نهاية العام الفارط حتي لحقت بها تفجيرات الرباط والجزائر العاصمة. وقد اتفق، تقريبا، كل من شارك في التحليل علي ان من نفذوا التفجيرات الاخيرة في الرباط هم من الشباب المغرر بهم وضحايا عمليات غسيل الدماغ.

وبعد الاتفاق علي ان منفذي التفجيرات من المغرر بهم ينتقل المحللون والمعلقون علي مثل هذه الاحداث الي المرحلة الثانية في تحليلاتهم ليقفوا علي الاسباب. هنا ايضا يتفق الجميع دون استثناء علي ان الدافع (الرئيسي) وراء هكذا افعال هي الحالة الاقتصادية التي يعيشها منفذو الهجمات، ولعل التقرير الذي بثته قناة الجزيرة كتغطية لحدث تفجيرات الرباط ذهب في نفس الاتجاه حيث وضعنا في صورة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي يتحدر منها منفذو التفجيرات. زد علي ذلك ان تحليلات بعض المتدخلين في نفس المساحة الاخبارية التي بث فيها التقرير ذهبت في نفس الاتجاه، اذ تم ترديد عبارات كحي سيدي مومن الفقير واحياء الصفيح واحزمة الفقر… كما يتفق هؤلاء المحللون علي ان وضعية الانغلاق السياسي الذي تعرفه المنطقة والتضييق علي الاحزاب والجمعيات تلعب دورها في دفع الشباب الي اليأس والتفكير في العنف. وهنا يتدخل الباحثون عن الادوار، علي حساب الشعوب التي تسحق، ليذكروا بضرورة الانفتاح السياسي باعتبار ان احداث العنف التي تعرفها المنطقة من حين لآخر ما هي الا رد فعل علي محاصرة المجتمع وتعبيراته السياسية وخاصة الاسلامية المعتدلة منها المفترض انها تقوم بتأطير الشباب المسلم الراغب في العمل السياسي وانتشاله من خطر الاطروحات التكفيرية، كما لا يفوت مجموعة هؤلاء التذكير بسبب آخر هو العلمنة المفروضة علي المجتمع بالقوة والنهج التغريبي القسري والتواطؤ مع الاحتلال والسكوت عليه.

وبالمناسبة كان احد هؤلاء قد اعاد اسباب التفجيرات الاخيرة التي حصلت في الجزائر العاصمة الي اعتداء الجيش والاجهزة الامنية المدعومين بالنخب اليسارية والعلمانية علي رغبة الشعب (الجزائري) الذي اختار الاسلاميين في الانتخابات. لكنني اعتقد بانه ليس من الموضوعية بمكان ان نحمل الجيش والنخب اليسارية والعلمانية مسؤولية ذبح مائتي الف انسان جزائري نظرا لان الجنرالات والبوليس لم يتحركوا الا بعد ان صرح علي بالحاج ببرنامجه الشهير الذي اعلن فيه عن موت الديمقراطية.

وحسب تقديري فان كل هذه التحليلات التي ترجع ظاهرة الفكر التفجيري الي الوضعية الاقتصادية والسياسية او الاعتداء علي رغبة الشعب مجانبة للصواب او لنقل علي الاقل منقوصة.

فقد اتفق، الي حد ما، مع القائل بان الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء الذين يتبنون الفكر التفجيري او العنف المبرر دينيا تلعب دورا في تحريكهم لكنني لا اتفق مع من يري بانها السبب الرئيسي. كما انني لا اتفق مع من يقول بان حالة الانغلاق السياسي تلعب دورا كذلك في دفع الشباب الي الفكر التكفيري.

كما انني كنت سأتفق مع من سيقول بان التفجيريين لهم الحق في تبادل العنف مع الدولة المفترض انها تحتكره وتعقلن استعماله بما يضمن سلامة العقد الاجتماعي الا انها لا تفعل فهي تمارس العنف ضد الشعب وضد تعبيراته السياسية المختلفة بمناسبة وبغير مناسبة. لكن حتي هذه القراءة لا تتناسب مع ما حدث في الرباط باعتبار ان منفذي التفجيرات لا يمارسون السياسة.

اذن فلا الوضع السياسي او الاقتصادي القائمين ولا حتي تبادل العنف بالعنف (لو كان التفجيريون يمارسون السياسة) حسب رايي هي الدوافع وراء التفجيرات، بل ان الاشكالية تكمن في الدين في حد ذاته وما يحمله من تناقضات، قبل ان يكون ايديولوجيا تشرع للفعل السياسي.

فالقائلون بان الوضع الاقتصادي هو الدافع وراء احداث العنف سيجد نفسه غير قادر علي تفسير ظاهرة بن لادن/الظواهري (المسلمين جدا جدا) المختفيين في جبال افغانستان وهما المتحدران من اوساط ميسورة وربما ثرية جدا. الا يمكنهما ان يقنعا نفسيهما بالآية القائلة واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم كما يفعل ذلك الكثير من المسلمين، او في اقصي الحالات تبني نموذج الاخوان المسلمين الذين يعملون في السياسة وهم مسلمون فيأمن بن لادن علي نفسه وعلي امواله ويمارس الظواهري حياته وهما محافظان علي اسلامهما.

من هنا تبدأ التناقضات تاخذ منحي تصاعديا وتزادد حدتها. فلو استرسلنا في التساؤل بنفس المنهج سيكون السؤال الذي نواجهه الآن من هو اذن المسلم الحقيقي اسامة بن لادن الذي ضحي بماله وعمل بكلام الله واراد تغيير المنكر بيده ام الحركات الاسلامية التي تصف نفسها بالمعتدلة والتي تشتري بآيات الله ثمنا قليلا ولا تساهم في تغيير المنكر الا بالفم او بالقلب؟

للاجابة علي هذا السؤال يعتمد الناس عموما نموذجين اثنين لا ثالث لهما. الاول يعتبر الاسلام دالة متواصلة علي المجال (صفر، واحد) بمعني ان تحديد المسلم من الكافر هنا سيكون باعتماد النزعة، فكلما اقترب شخص من الصفر يعتبر كافرا زنديقا وكلما ابتعد عنه ليقترب من الواحد يعتبر مسلما صالحا وفي المسافة الفاصلة بين الحدين توجد تصنيفات اخري تتغير بتغير النزعة.

اما النموذج الثاني فيري ان الاسلام عبارة عن نقطة واحدة (مع امكانية اعتبار هامش خطأ) وبذلك يكون تحديد المسلم من الكافر بالنسبة الي تلك النقطة. فاذا كان الشخص علي النقطة او في هامش الخطأ المسموح به فهو مسلم واذا كان خارج الهامش فهو كافر لا محالة. مع الاشارة الي ان التكفريين الحقيقيين/الاصليين لا يعتمدون هامش الخطأ.

وجدير بالذكر بان كلا من النموذجين له تبريراته في عقول انصاره. فانصار النموذج الاول يقولون بان الايمان درجات والاسلام دين يسر وغيرها من التبريرات الماخوذة من القرآن والسنة وتاويلات المؤولين. اما انصار النموذج الثاني، وهم كذلك يستقون تبريراتهم من الدين، فيقولون بان الدين وحدة افكار ومبادئ واحكام تقبله كله او تتركه كله.

حسب النموذج الاول، المتسامح نوعا ما، سيكون الاخوان المسلمون، مثلا، مسلمون جيدون او هم الاقرب الي المسلمين الصالحين، بمنطق النزعة الذي يعتمده النموذج. اما التفجيريون المسلمون فاسلامهم حسب النموذج تحصيل حاصل باعتبارهم يتبنون افكارا تفوق في انضباطها افكار المعتدلين. اما معظم الشعب التونسي، مثلا، فسيصنف في المنزلة بين المنزلتين او لنقل انهم مسلمون ينقصهم الصلاح او بطريقة اكثر تهذيبا هم في الدرجات الاولي من سلم الايمان.

اما لو استعملنا النموذج الثاني فسيبقي المتطرفون مسلمين وقد يسقط بعضهم في هامش الخطا المسموح به (ويبقون مسلمين علي اية حال) اما السؤال هنا فسيكون عن مآل الاسلاميين الذين يقدمون انفسهم معتدلين، او بعبارة اخري ما هو حكم من يشتري بآيات الله ثمنا قليلا؟ اما الشعوب كالشعب الجزائري، مثلا، فهو ابو جهل لا محالة (وصف زعيم تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي تفجيرات الجزائر بغزوة بدر) ويجب ان ينزل به اشد العقاب.

في هذا الوسط الديني الموسوم بالتناقضات يتقدم شخص اسمه س لا يريد شيئا سوي ممارسة دينه غير منقوص. بعد المعاينة والتدقيق تبين لـ س ان النموذج الاول، الذي قدمته اعلاه، لا يلبي رغبته في ان يصبح مسلما صالحا، كما انه لم يقرر بعد اختيار النموذج الثاني ولنعتبر انه لم يكتشفه بعد.

يبدأ س في الاطلاع علي الانتاج الديني من قرآن وسنة وكتب فقه واجتهاد في تاويل الدين ليساير العصر وغيرها من المصادر. في الاثناء يتعرف س علي بن لادن الثري جدا جدا، من خلال الاعلام، كما يتعرف علي المهمة التي هو بصددها ومن اجلها ضحي بالغالي والنفيس. من خلال نفس الوسيلة الاعلامية، يتعرف س علي مجموعة من الاسلاميين الذين يقدمون انفسهم كمعتدلين منتشرين هنا وهناك في دول الشمال سلاحهم جهاز الكمبيوتر ومقالات تندد وتشجب تنشر في هذا الموقع او في تلك الصحيفة كلما سمحت الاحداث.

بعد هذا الكم من المعلومات تبدأ الاسئلة في التضخم في عقل س ويبدأ س بدوره يبحث عن اجابة لهذه الاسئلة الصعبة: رجل ثري، قد تساوي ثروته ثروات هؤلاء مجتمعة يضحي بكل شيء من اجل محاربة الكفار والصليبيين؟ ماذا يعني هذا… لا… لا… حتما لا، المعتدلون كذلك يصلون ويصومون… وماذا يعني ان هم قاوموا الحكام الطغاة والكفار من خلال مقالاتهم… يضع س الجريدة التي كان يقرأ فيها خبرا عن وكالة الاستخبارات الامريكية وحربها علي اسامة بن لادن وايمن الظواهري ليعود الي كتب الفقه التي يعتقد انها ستنير السبيل امامه ويصبح مسلما صالحا.

فيقرأ عن الجهاد وضرورة تغيير المنكر كما يقرأ في كتاب آخر يبين فيه مؤلفه كيف ان القرآن صالح لكل زمان ومكان. تزيد حيرة س ويبدأ البارادوكس في التضخم وهو ياكـــل ما تبقي من زوايا العقل المطمئنة: امريكا تحتل العراق وسوت من قبله افغانستان بالارض والقرآن الذي هو صالح لكل زمان ومكان يحثنا علي الجهاد ضد الكفار ونصرة المسلم اينما كان… يا له من بطل بن لادن انه يقوم بواجبه علي اتم وجه… انه نموذج المسلم الحقيقي الغيور علي دينه الذي لم يشتر بآيات الله ثمنا قليلا… في هذا المستوي وقد كبر البارادوكس في عقل س وبعد ان عرف ما لم يكن يعرفه زادت المسؤولية. فلو كان لا يزال يجهل كل ما توصل اليه لأمكن له مواصلة اعتماد النموذج الاول، لكنه الآن يعرف الكثير ويجب ان يتحرك علي اساس هذا الكثير، فيجد س نفسه مضطرا لتبني النموذج الثاني دون هامش خطأ فالدين كل متكامل وصالح لكل زمان ومكان واذا كان الجهاد قد عرفه الاجداد قبل مئات السنين فلا مجال لانكاره الآن خاصة وان الكفار الذين حاربهم الاجداد قد عادوا. يضع س كتبه جانبا ويهتف الي صديقه الذي سيلتقيه في المسجد بعد ساعة ليقول له بان لديه الجديد وعليهما ان يتحركا والا فقد يضيع الاجر.

هذا ما اردت قوله بان الاشكال لا يعود الي الاسباب الاقتصادية او السياسية فحسب.

ہ باحث في الاقتصاد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية