صحف عبريةتواجه تونس في الاسبوع الاخير موجة من العنف السياسي والاحتجاج الجماهيري الذي اندلع بعد مقتل شكري بلعيد، زعيم المعارضة. وتهدد هذه الاحداث بوقف التقدم الذي تحقق في الدولة منذ الثورة التي اطاحت بزين العابدين بن علي من الحكم قبل سنتين وبشرت ببداية ‘الربيع العربي’. وفي اطار ذلك تنشأ علامات استفهام عديدة حول قدرة الدولة على بناء منظومة سياسية جديدة تقوم على اساس احترام القانون، التعددية الاجتماعية والسياسية والسعي الى الديمقراطية. الاحداث في تونس تعكس بقدر كبير المعسكرات السياسية والاجتماعية التي تبلورت فيها منذ الثورة، كما تعكس التقاليد والقيم التي تقبع في اساس الحياة العامة في الدولة منذ عشرات السنين. وفي التغطية الاعلامية للاحداث برز الميل لربط التطورات في تونس بالتدهور الاقتصادي في مصر وعدم الاستقرار الاقليمي منذ موجة ثورات الربيع العربي وصعود الحركات الاسلامية المتطرفة الى الحكم. ورغم الاغراء في ربط الاحداث في تونس بالتطورات الاقليمية، يجدر التشديد بالذات على الخصائص المحلية المميزة فيها. هذه النظرة كفيلة بان تمنح فهما اكثر تركيبا لما يجري في تونس، الدولة الاقل معرفة للجمهور الاسرائيلي، والتي تختلف بمفاهيم عديدة عن دول اخرى في المجال الاقليمي. تونس، دولة صغيرة نسبيا في مساحتها وعدد سكانها (نحو 10.5 مليون)، تطورت في القرن العشرين في مسار سياسي واجتماعي مختلف عن الدول العربية الاخرى. اعمال القتل والعنف السياسي لم تكن ظاهرة تتميز بها. وتاريخها السياسي فضل بشكل تقليدي الاستقرار والاعتدال على العنف والتطرف السياسي. وهي لم تواجه موجات ثورية، حماسة ايديولوجية قومية عربية وتهديدات متكررة من عدم الاستقرار. العكس هو الصحيح، فقد قدس المجتمع التونسي الاستقرار الذي اصبح قيمة مركزية في الحياة السياسية. والاسلام السياسي، الذي وجد تعبيره في نمو حركة النهضة، قمع بيد من حديد من السلطات واستبعد عن الساحة العامة رغم أنه واصل نيل الدعم الهاديء من المؤيدين الذين رأوا فيه تعبيرا عن مقاومة اصيلة للنظام. من ناحية اجتماعية ثبتت الطبقة الوسطى استقرار الدولة، وهي التي كانت واسعة نسبيا مقارنة مع دول عربية اخرى. ونشأت هذه الطبقة في أعقاب التنمية الاقتصادية للدولة، تحولت الى جهة ذات مغزى في الساحة العامة وساعدت في بناء الصورة المعتدلة والمؤيدة للغرب التي اتخذتها الدولة. وفي العقود الاولى بعد استقلالها (1956) تبنت تونس أنماطا علمانية في الحياة العامة. وضمن ذلك طورت مكانة النساء بشكل استثنائي مقارنة بدول عربية اخرى. وبالعموم يمكن بالتالي ان نميز الصورة الاجتماعية السياسية لتونس كصورة مختلفة، إن لم نقل شاذة، مقارنة بدول المنطقة. وخضع الاعتدال التقليدي للدولة والمجتمع للاختبار في بداية 2011، عندما أدى الغضب الجماهيري ضد الحكم المطلق للرئيس بن علي الى اطاحته ونفيه. فقد اندلعت الثورة في تونس ايضا على خلفية الواقع الاقتصادي المتدهور والاستياء العام من قطاعات متنوعة ملت حكم بن علي ونفرت من الفساد المتعاظم لمقربيه. وأذهل رحيله الجمهور الذي سارع الى الاعراب عن تخوفه من وضع عدم الاستقرار الذي من شأنه ان يمس بكل القيم الاجتماعية التي تم تطويرها وانغرست في المجتمع التونسي على مدى السنين. ومقارنة بالدول الاخرى التي اجتازت هزة سياسية في الربيع العربي، تمكنت تونس من أن ترسم بسرعة شديدة مسارا عمليا لاعادة بناء الساحة السياسية. وبالتعاون بين التيارات السياسية المختلفة، تقرر موعد للانتخابات العامة لجمعية تأسيسية خولت بصياغة دستور جديد. ومرت حملة الانتخابات في تشرين الاول 2011 دون احداث عنف خاصة. وتعهدت كل الاحزاب، بلا استثناء، بالحفاظ على القيم الاساس للمجتمع التونسي بما في ذلك مكانة المرأة. وعلى الرغم من الشعبية المتعاظمة لحركة النهضة (التي حظيت بالاعتراف كحزب لم يكن على اي علاقة بالنظام السابق وعبر تجاه الخارج عن مواقف معتدلة جدا)، نمت ايضا كتلة سياسية ‘علمانية’ لاحزاب خشيت من تغيير متطرف في المواقف السياسية والاجتماعية لتونس وأعربت عن قلقها من امكانية صعود الاسلاميين الى الحكم. ومع أن نتائج الانتخابات منحت عدد المقاعد الاكبر لممثلي النهضة، ولكنها الزمتها ايضا بان تشكل ائتلافا مع احزاب علمانية. وهكذا، اودعت ادارة الحكومة في يد النهضة، ولكن لمنصب رئيس الدولة عين منصف مرزوقي، نشيط حقوق انسان قديم ومعروف في تونس وخارجها. وشهد قيام ائتلاف متنوع كهذا، وبالتأكيد مقارنة بدول اخرى في المنطقة، ظاهرا على استعداد الجهات السياسية المختلفة لان تطور في الدولة ساحة سياسية جديدة ومتسامحة. وانطلق الائتلاف على الدرب في بداية 2012 وواجه تحديات اقتصادية واجتماعية عديدة. وكانت توقعات الجمهور من الحكومة المنتخبة عالية جدا وتطلعت اساسا الى تغيير سريع في الوضع الاقتصادي في الدولة. غير أن الصعوبة في الايفاء بها ساهمت في خيبة أمل متعاظمة وعدم ارتياح عام في أوساط الجمهور. واذا لم تكن كافية الازمة الاقتصادية المستمرة، فقد وجد قادة النهضة أنفسهم في مواجهة مع خصوم سلفيين من اليمين، ومع اتهامات معارضيهم العلمانيين من اليسار، الذين ادعوا بان رجال النهضة ليسوا سوى حلفاء للسلفيين، يسعون معهم الى تغيير صورة تونس من الاساس. في اعقاب سلسلة من احداث العنف التي نسبت للسلفيين، ادعى معارضو النهضة بان الحكومة تهمل عن قصد عندما لا تقمع هذه الاعمال. وطرح هذه الاتهامات، ضمن آخرين، الزعيم المعارض، شكري بلعيد، الذي قتل الاسبوع الماضي عند مدخل بيته في العاصمة تونس. اما ادعاءات قادة النهضة في أنهم ليسوا شركاء في مواقف وتطلعات السلفيين فقد اعتبرت معاذير ومحاولات للظهور بالبراءة. ويبرز اغتيال بلعيد والاحداث التي انفجرت في اعقابه خطوط الشرخ المتعمقة في المجتمع التونسي. فالحكومة برئاسة النهضة حشرت منذ الاغتيال في موقف من الدفاع عن النفس، في ظل التعهد بتقديم المسؤولين الى المحاكمة والمساعي للاشارة الى خصومها السياسيين لانها تعارض المتطرفين السلفيين. وفي مقابلها وقفت كتلة علمانية غاضبة شعرت بان هذه هي ساعة الاختبار لمستقبل الدولة، وتسعى الى تعزيز مكانتها على خلفية الغضب الجماهيري الواسع في اعقاب الاغتيال. وتدعم هذه الكتلة الاتحادات المهنية، التي تشكل جهة هامة في الحياة العامة. وفي الاسبوع الماضي أعلنت الاتحادات عن اضراب احتجاجي عام شل الدولة. وارتفع مستوى التوتر درجة اخرى في نهاية الاسبوع عندما اندلعت الى جانب المظاهرات التي جرت في العاصمة مظاهرات اخرى ايضا في مدن داخلية (مثل جفصة، التي لها تاريخ من الاحتجاج ضد الحكم)، ووضعت وحدات عسكرية في أهبة الاستعداد. والسؤال المطروح الان هو بالتالي: هل ستتمكن الجهات المختلفة في الدولة من التعاون ومنع التدهور مثلما فعلت بعد الثورة أم لعل تونس تقف أمام هوة من التطرف والعنف تهدد قيمها الاساس.د. دانييل زيسنوين نشرة الكترونية تصدر عن مركز دايان لدراسات الشرق الاوسط وافريقيا ـ جامعة تل ابيب.مفترق الشرق الاوسط 11/2/2013qebqpt