العنف في مصر: قصة اغتيال ثورة

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل الصور لا تكذب… قد يحاول المغرضون التحايل عليها أو التلاعب بها عن طريق لي الحقائق والملابسات لتشويه المغازي والدلالات… إلا أن بعض الصور يبقى عصيٌ على العبث ولا تطاله سهام الأكاذيب والتلفيق… وكما أن صوراً التقطت في لحظاتٍ فاصلة من التاريخ خلدت مواقف وأشخاصاً فإن صورةً قد تلخص وضعاً سياسياً معقداً بما تعجز عنه صفحاتٌ وصفحات من التحليل المتعمق والتعليق المسهب، والأهم من ذلك أن تخترق ركاماً هائلاً من الأكاذيب فتبدده تماماً… و ذلك ينطبق بصورةٍ أشد على الأفلام المصورة… يندرج تحت هذا النوع من الصور والأفلام ما التقط من معارك دامية بين المعتصمين أمام مجلس الوزراء في مصر وقوات الجيش/ الشرطة/ البلطجية ومن ثم أذيع على شبكة اليو تيوب وتناقله الجمهور… لست ممن يحللون أو يكتبون استجابةً لعارضٍ طارئٍ أو عاطفةٍ مفاجئة، ولكنني أكتب هذه المرة مزعزعاً تماماً من الصدمة والرعب مما رأيت… باستطاعة أي شخصٍ يشاهد هذه الأفلام أن يرى كراً وفراً متبادلاً بين المعتصمين ورجال النظام (جيش/شرطة/ بلطجية) مع بروز غلبةٍ أكيدة للأخيرين، وباستطاعته أيضاً أن يرى ما يبدو أنه ضابط يركض مطلقاً رصاصاً من مسدسه وأشخاصاً في زيٍ عسكري ينهالون ضرباً على فتاة ثم يعرونها بشكلٍ منحطٍ مهين؛ عن نفسي استطعت أن أتمالك نفسي وأتحمل كل ذلك إلا أنني انهرت ولم أصدق عيني حين استفردت مجموعةٌ من الجنود بشابٍ كالكلاب المسعورة فانهالوا عليه ضرباً بعصيهم وهراواتهم مركزين تحديداً على رأسه دون شبهة لبس حتى خمد تماماً… و مع ذلك استمروا يقرعون رأسه… إن هذه الصورة لا تكذب ولا يمكن التحايل عليها… و على قصرها في عمر الزمن تكثف كل مفردات واقع الثورة المصرية المغدورة وتمثل مفتاحاً لفهمه.

ففي هذه الصورة نرى نظام مبارك الذي أكدت منذ أول يوم أن ما سقط منه لا يتعدى القشور والرموز… نرى آليات السلطة من منظومة أمنٍ وأدوات عنف… ونرى المجلس العسكري من ورائها يحركها ويتحكم بها ترميماً للنظام وحفظاً لمصالح أفراده ونيابةً عمن يمثل من أصحاب المصالح الكبرى من رأسمال أجنبي ومحلي بالإضافة إلى الدول الأخرى الحريصة على استمرار مصر على ما أوصلها إليه مبارك من ركود المستنقعات.

نراه ولا هدف ولا غاية له منذ اللحظة الأولى عقب تنحية مبارك سوى إعادة إنتاج النظام في ظرفٍ عاصفٍ مزلزل لا عهد له أو للبلد به… نراه وقد انحنى للطوفان لأنه لا يستطيع أن يجابه الملايين مبيتاً النية للانقضاض بعد حين… نراه باسماً محيياً الثورة والثوار لأنه لايستطيع أن يكشر عن أنيابه الحادة أو يجهر بعدائه وكراهيته للثورة ورفضه المبدئي والعميق للتغيير… لا يبطش لأنه لا يملك من وسائل البطش ما يكفي… نرى لماذا يشيع الفوضى بينما يملك القدرة التامة للسيطرة عليها في محاولةٍ لدفع الناس البسطاء للملل ومعاداة الثورة التى ضحى فيها خيرة أبناء الوطن من أجلهم. نرى ونفهم نتيجة التجريف السياسي ومغزي الألعاب والمناورات السياسية والطرق الملتوية التي سلكها النظام/المجلس العسكري بغية تمزيق الالتحام الشعبي وتفتيت جماهير الثوار إلى فرقٍ وفصائل صغيرة يسهل حصارها وضربها بقسوة… فتحت ستارٍ من الاحتفاء والتمجيد للثورة وإظهار الاحترام للشهداء وفي جوٍ مفعمٍ بالمشاعر تزيده دفئاً الأغاني الوطنية التي جادت بها مباريات القرائح والمواهب انهمك المجلس منذ تسلمه مقادير السلطة في الملاغاة والتواصل مع الفصائل السياسية وخاصةً اليمين الإسلامي لما يعلم له من حضورٍ في الشارع وتاريخ حافل بالأنانية والصفقات السياسية مع السلطة؛ ليس ذلك فحسب وإنما لأن النظام يثق ويدرك تماماً أن اليمين الإسلامي، وخاصةً الإخوان المسلمين، من حيث مزاجه الفكري واتجاهاته الاجتماعية والاقتصادية لا يختلف بتاتا عنه، وبذا فهو مرشحٌ وقادرٌ بامتياز لضبط إيقاع الشارع وامتصاص ثوريته (كما فعل دائماً…)؛ الملفت أن هذا يجري في الوقت الذي فشل مندوبو النظام فشلاً مهيناً وذريعاً من استمالة شباب الثوار المعتصمين رغم المحاولات المتكررة والعروض المغرية التي يسيل لها لعاب المخضرمين من الساسة… نرى ونفهم إذن كم كان النظام بعيد النظر موفقاً حين فتح المجال للإسلام السياسي فاصطنع فصائل ودعم أخرى اختلفت بتغير الظروف والعقود… نرى ونفهم لماذا التزم النظام، بل هرول، لإجراء الانتخابات في ميعادها مرافقاً ذلك بسيلٍ يسم الأبدان من تصريحات المن والتفضل علينا! لقد كان يقفز إلى الأمام للهرب من جرائمه في قمع الثورة الثانية ولسرعة إرضاء حلفائه الجدد من فصائل الإسلام السياسي عن طريق توزيع الغنائم والأسلاب عليهم ممثلةً في كراسي مجلس الشعب… وها هم الآن منصرفون بكليتهم لتمزيق بعضهم البعض على حساب المقاعد، راضون عن الانتخابات مباركون للمجلس العسكري، والافدح من ذلك، لا حاجة لهم في نجدة الثوار المعتصمين فهم عنهم منصرفون… يرونهم يقتلون وتهرس الهراوات رؤوسهم فينظرون في الاتجاه المعاكس مستكفين مستبشرين بالمستقبل المشرق حيث لهم الأغلبية في مجلس الشعب… و يا له من سرابٍ ذلك الذي يلاحقونه! كأنه لا تكفيهم أو لم تعلق في أسماعهم وأذهانهم تصريحات أحد أعضاء المجلس العسكري بأن البرلمان الجديد، ذلك الذي يهللون ويطبلون له، سيكون عديم السلطة عديم الصلاحيات!…. نرى ونفهم إذن المعنى الحقيقي لقمة العبث والغباء والطمع الذي يعمي!! نرى جرم الإعلام الكاذب المزيف والكتبة الذين يضللون الناس ويصرفون انتباههم عن بشاعة الواقع وأكذوبة التغيير صوب الوهم المترسخ عن سقوط النظام… نرى عمق مأساتنا الإنسانية… نرى ذلك الجندي، المصري حتماً، الذي ينهال ضرباً على رأس أخيه بالهراوة حتى يتناثر مخه مزقاً على الأسفلت القذر ونرى فيه حقباً من الاستثمار في الجهل والفقر والرعب والعذاب الذي مسخ الناس إلى ما دون مستوى الوحوش الكاسرة فجعلهم يمتثلون للأوامر خوفاً ولايرون فيمن يضربون إنساناً وأخاً… أو حتى ما دون ذلك، إذ لا يمكن تصور أي مبررٍ لهذه القسوة مع الدواب… نرى في هذه الأفلام إذن نظام مبارك الذي لم يسقط متحالفاً مع قوى الإسلام السياسي التي قررت التزام الحياد السلبي ومدعوماً بإعلام كاذبٍ وكتبةٍ منافقين وميراثٍ عتيدٍ من الفقر والتجهيل والقمع والتجريف السياسي والأهم من ذلك أننا نراهم وراء هذه الجريمة البشعة وغيرها مما أفلتوا به دون حساب.

في نقاشٍ قبل المعارك الأخيرة دار بيني وبين د محمد عبد الغني الناشط السياسي وأحد مؤسسي حركة مصريون متحدون أعرب عن إيمانه باستمرار الثورة مادامت روح الثورة مستمرة وسليمة كما يجسدها صمود الشباب المعتصمين المتشبثين بالمبادئ، أولئك الذين قدحوا شرارة الثورة الأولى محفزين الشعب وراءهم وحولهم، ولم تمض بضعة أيام حتى تأكد لنا أن النظام يشاطرنا نفس الرأي! فها هو يحاول فصل القطاعات الأكبر من الشعب بمساعدة تيارات الإسلام السياسي عبر مهرجان العبث الغرائبي الانتخابي ليتوارى الناشطون الذين حياهم من قبل في الهامش ومن ثم ينقض عليهم ضرباً وقتلاً ليزهق روح الثورة ويكمل ما بدأه بالاعتقالات والمحاكمات العسكرية عن طريق التصفية الجسدية الأكثر وحشيةً.

إننا نرى في هذه الصور والأفلام تأكيداً بأننا مقدمون على أيامٍ عصيبة ملأى بالمناورات السياسية والعنف الذي يصب في مشروع اغتيال الثورة بعد تفريغها تماماً من أي مضمونٍ ذي معنى ومن ثم العودة بالأمور إلى ما كانت عليه.

أرجو كل من يقرأ هذا المقال أن يشاهد الأفلام بنفسه، فالصور صارخة ٌ لا تكذب.’ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية