أسامة مصالحة كان انفجار ‘العنف المضاد’، على النحو الذي شهدناه في بعض دول ‘الربيع العربي’، منتظراً ومتوقعاً، إن لم نقل حتمياً. فـ’لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه’ بحسب القانون الثالث لنيوتن في الميكانيكا. ولم يكن ممكناً أن تتخذ الأحداث مجرى آخر مختلفاً عن ذاك الذي أتخذته، فالعنف يوّلد العنف بالضرورة. والاستبداد، تعريفاً، هو عنف كلي، عنف مباشر وبنيوي وثقافي ورمزي.ولكن، ولئن بدا أن ‘عنف السلطة’ المستبدة و’العنف المضاد’ له عنفان مختلفان، فهما، في واقع الأمر، ليسا إلا عنفاً واحداً بوجهين مختلفين. فلا يستمد ‘العنف المضاد’ قوته وصيرورته، بل ووجوده ذاته، إلا من قوة وصيرورة ووجود ‘عنف السلطة’ ذاته. ‘العنف المضاد’، إذاً، ليس هو سوى ‘عنف السلطة’ نفسه معكوساً. وبقدر ما يكون ‘عنف السلطة’ بدائياً ووحشياً ومدمراً كذلك يكون ‘العنف المضاد’ حتماً. وعادةً لا يتوقف ‘العنف المضاد’ حتى بعد سقوط الاستبداد، بل قد يستمر بوتيرة أعلى ودموية أكبر قد تصل، في أحايين كثيرة، الى عتبة العنف ‘الموجه ضد الذات’. وهكذا يحدث أن ‘تأكل الثورة ابناءها’ أيضاً.ليس من السهل الإحاطة بـ’دوامة العنف’ التي يلقي الاستبداد المجتمعَ في لجتها، لكن من الممكن تبين ملامحها الأولية في انتهاك الاستبداد، بدءاً، لحقوق الناس الأساسية وحرمانهم حتى من حق التعبير عنها. من تلك النقطة، صعوداً، يذهب هذا العنف الأولي الى أن يصير مُركباً، أي بنيوياً. ويُفهم ‘العنف البنيوي’، بالمقارنة مع ‘العنف المباشر’، على أنه ذاك العنف الذي يكون فيه الاضطهاد- وليس التصفية الجسدية المباشرة- مسؤولاً عن الموت المبكر لعديد من الناس ولا يجب أن ينظر الى ‘العنف البنيوي’ على أنه آلية قمع بدائية، فهو ليس كذلك. إنه أقرب ما يكون الى سلسلة من الشبكات، التشكيلات والمنظومات المتداخلة والمعقدة. وهو يخترق نسيج المجتمع وبنيان الاجتماع. وهو لا يتوقف عند مؤسسات الدولة أو العمل السياسي والأهلي، بل يمتد ليطال الثقافة واللغة والدين. يتبدى ‘العنف البنيوي’ كما لو كان كائناً خرافياً كلي الحضور: إنه في كل مكان. في داخل هذا ‘العنف البنيوي’ يقيم ‘الإنسان المقهور’. و’الإنسان المقهور’ ليس مقولة فلسفية مجردة انتجها علم الاجتماع، بل هو كائن من لحم ودم صادر الاستبداد إنسانيته، أحاله الى شيء، وأهدر كل معنى لوجوده. والعوالم ‘الكافكوية’ الغرائبية التى يقيم فيها الإنسان المقهور ليست عوالم فانتازية متخيلة، بل هي عوالم مغرقة في واقعيتها. وهي عوالم تدفعه الى أن يرى نفسه مسخاً، حيناً، ومطلوباً للمحاكمة، بتهم يجهل ماهيتها، أحايين كثيرة. إن الإنسان المقهور يحمل اسم ‘جريجور سامسا’ في رواية ‘المسخ’ واسم ‘جوزيف. ك’ في رواية ‘المحكمة’. بلغة علم النفس الاجتماعي، تطور السلطة، عبر ممارسة القهر والسادية والعنف، في داخل ‘الإنسان المقهور’، ‘مازوشية’ عالية وإحاسيساً بالدونية واحتقار الذات والقلق الوجودي والاغتراب. وتنتج علاقات الإخضاع والقهر، التي تبتنيها، أنماطاً من الاستلاب واضطراب الديمومة وعقد نقص في أعمق اعماقه. في مواجهة هذا القهر والعنف السلطويين يلجأ ‘الإنسان المقهور’ الي ممارسة ‘عنف مضاد’ محدود وبدائي يتمثل بالسخرية من المستبد وحاشيته، حيناً، وتمزيق صور الطاغية وتماثيله خلسة، في أحايين أخرى. ولا يدخل ‘الإنسان المقهور’ في مرحلة الانفجار، أي المقاومة العنفية المباشرة، إلا لتصريف فائض التوتر والعنف والكبت، أي بدافع من غريزة البقاء وبهدف استعادة توازنه النفسي والوجودي. ويلاحظ بعض علماء الاجتماع (د.حجازي: بنية التخلف- سيكولوجية الانسان المقهور) أن الإنسان المقهور ينزع، عند بدء التمرد العنفي، الى التماهي مع المستبد، فيذهب الى توسل البطش والتسلط والتعالي والازدراء والتعسف. وتحل عقدة الجبروت محل عقدتي الخصاء والنقص ويسيطر ‘مزاج نفاجي’ وتصرفات اهتياجية استعراضية على سلوكه. ويلاحظ د.حجازي أيضاً أنه بسبب أن ‘الإنسان المقهور’ يشعر بأن مصيره مجهول وأن وجوده المحض نهب للصدفة والعشواء والفوضى والاعتباط والعجز والمجانية، فأنه ينزع الى تطوير نظرة غيبية، سحرية وخرافية للوجود والعالم والاشياء من حوله. قد يفسر هذا بعض سلوك ‘الإنسان المقهور’، الذي يبدو نمطياً، في الربيع العربي من ناحية لجوئه الى عنف عشوائي ومجاني أو نزوعه نحو الماضوية والسلفية. من هنا، لايبدو ‘العنف المضاد’، في دول الربيع العربي، استثناءً، بل يبدو نمطياً. فلقد كانت ‘المقصلة’، أو ‘الشفرة الوطنية’، هي رمز الثورة الفرنسية. ولم تلتهم ‘المقصلة’ رأس ماري انطوانيت ولويس السادس عشر وما يقارب من سبعة عشر ألفاً من أعداء الثورة وأصدقائها فحسب، بل التهمت، في من التهمت، رقبة الكيميائي الشهير لافوازييه أيضاً. وخلّف ‘عهد الإرهاب’، بقيادة الثوري الدموي روبسبير، أكثر من أربعين ألف قتيل بمن فيهم صديقه الحميم دانتون. أكثر من نصف القتلى كانوا من ضحايا ‘الإعدام الميداني’. ولم يستطيع هذا ‘العنف المضاد’ أن يضع حداً لنفسه حتى بعد أن اتى على روبسبير نفسه، فذاك العنف لم يكن رداً ميكانيكياً على العنف المباشر للاستبداد فحسب، بل كان يرشح من بنية العنف نفسها التي ابتناها النظام القديم أيضاً. لهذا، لم يتوقف ‘العنف المضاد’ إلا عندما حلت بنية ديمقراطية محل البنية العنفية القديمة. وهذا الاحلال كان عملية معقدة احتاجت الى زمن طويل لتؤتي ثمارها. ‘ كاتب فلسطيني