لا يقتصر العنف ضد المرأة على الضرب والعقاب البدني فقط، بل يتعداه إلى الكلمات المهينة، الشك، وسوء الظن، التي تعتبر في المجتمع الذكوري غيرة وحمية وخيراً لأجل المرأة، لأن المرأة هي العنصر الأضعف في هذه المجتمعات، ولا أحد يدرك أبدًا حجم ما تعاني منه وماذا تريد، وما هي أحلامها وطموحها. غالبية المجتمع من النساء اللواتي لا يعرفن شيئًا عن أنفسهن وحقوقهن، ويعرفن فقط أن كونك امرأة صالحة يعني أن تكوني ربة منزل ناجحة، أن تغسل وتطبخ وتنجب، وهن سعداء بأنهن مخلوقات طاهرة وأن الجنة تحت أقدامهن.
ينتشر العنف ضد المرأة في جميع الطبقات والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية والعمرية والجغرافية. لكنه أكثر شيوعًا في بعض المجموعات، والعنف هو انعكاس للإحساس بالعدوان، والعنف الأسري هو نوع خاص من العنف يُرتكب على مستوى الأسرة ويؤدي إلى الأذى أو المعاناة الجسدية والنفسية والجنسية.
قد تتعرض المرأة للعنف طوال حياتها، فبالإضافة إلى الزوج هناك الأب والأخ وحتى الابن يمكن أن يسيء معاملة المرأة، وأشكال العنف أربعة منها الجسدي والنفسي والاقتصادي والجنسي، ويشمل العنف الجسدي كما يوحي اسمه أساليب المضايقة الجسدية: الضرب، وشد الشعر، والحرق، والإكراه والحبس، والطرد من المنزل، والضرب المبرح، والحرمان من الطعام، والصفع، والركل، و الضرب والسحب والدفع وغلق الأبواب وتحطيم الطاولات وكسر الأدوات المنزلية، ويمكن أن يحدث لجميع النساء بغض النظر عن مستوى ودرجة التعليم أو العرق أو الحالة الاجتماعية.
سوء المعاملة
العنف النفسي واللفظي يشمل السب واستخدام ألفاظ بذيئة، وذرائع اتهامية، والصراخ وسوء المعاملة، وعدم الاحترام، والسلوك الاستبدادي والأوامر المتكررة، والتهديد بمضايقتها أو قتلها، والإهانة، وعدم الكلام وحظر لقاء العائلة والأصدقاء.
هذا النوع من العنف يسبب أذى روحيا أو تدمير الذات، ويجنب النساء المشاركة الاجتماعية ويشيع القلق لديهن.
الشكل الآخر من أشكال العنف هو الاقتصادي، ومنه عدم دفع المصاريف، والاعتداء المالي، وإتلاف أغراضها المفضلة، وحرمان المرأة في بعض الحالات من مالها.
من أمثلة العنف الجنسي ضد المرأة الاغتصاب القسري دون موافقتها، وإكراهها في علاقات غير شرعية، ورفض استخدام موانع الحمل، وتجاهل الاحتياجات الجنسية للمرأة.
والنساء اللواتي يتعرضن للإيذاء من قبل أزواجهن أكثر عرضة بخمسة أضعاف للانتحار وستة أضعاف للإصابة باضطرابات نفسية.
وفق علم النفس فإن الرجال الذين شهدوا تعرض النساء للضرب في الأسرة منذ الطفولة هم أكثر عرضة لارتكاب العنف ضد زوجاتهم في مرحلة الرشد، إضافة إلى الأشخاص العدائيين والعصبيين، ضعيفي الثقة، ومن لديهم احساس بالنقص وشعور بعدم الكفاءة هم أكثر عرضة لارتكاب العنف ضد المرأة أيضا.
وخلافاً للاعتقاد السائد أنه مع تطور العالم وانتشار العولمة وثورة المعلومات فإن العنف سيتناقص لكن العنف ضد المرأة زاد، الاتجار والاستغلال الجنسي للنساء، وبيع الفتيات والمراهقات من قبل آباء فقراء إلى مراكز الفساد، والاستثمار في سوق الأفلام اللاأخلاقية شواهد وأمثلة على العنف في العهد الحديث ضد المرأة، ويمنع الرجال زوجاتهم من الاستقلال المالي ويتعدون على ممتلكاتهن الشخصية، مما يخلق صعوبات لتغطية نفقات المنزل، أو قد يهددون النساء بالطلاق القسري أو الزواج مرة أخرى، والإساءة إليهن في أمور وواجبات أخرى، مثل رعاية والدي الزوج.
الصمت في وجه الإساءة
الرجال أيضا يتعرضون للإساءة والعنف من قبل النساء، ولكن أغلب حالات العنف الأسري ولا سيما الخطيرة والمميتة يرتكبها رجال بحق الفتيات والنساء في الأسرة.
بعض النساء يلتزمن الصمت في وجه إساءة وعنف الرجل لهن وهذه المسألة عائدة للشعور بالحاجة التي نلاحظها في العلاقة بين الذكور والإناث في جميع أنحاء العالم.
المرأة التي تتخلى عن أن يكون لها موردها الاقتصادي الخاص بها وترتبط بحياة زوجية عندما تواجه عنف الرجل تخشى أن تتركه، كما تخشى المصاب الاجتماعي والاقتصادي الذي ينجم عن ذلك، وستصل لنتيجة نهائية حتمية مفادها أنها لن تحصل على حماية ودعم ثقافي واجتماعي واقتصادي وقضائي يعترف بحقوقها.
هذا ما يسمى في علم النفس “العجز المكتسب أو المتعلم” إذ يصاب الشخص المتعرض للعنف بـ”العجز المتعلم” عندما يعتقد أو يدرك بأنه غير قادر على صد العنف أو التخلص منه والدفاع عن نفسه، ويحدث هذا الاعتقاد غالبا جراء تكرار المحاولات والخبرات التي فشل فيها من أن يغير من الأحداث أو أن يسيطر على حياته أو يتحكم في مصيره وهنا يتعلم الشخص المتعرض للعنف- بشكل غير مباشر- بأنه لا يستطيع التحكم وفاقد للسيطرة على الوضع فيستسلم للعنف، وقد يشعر أيضا بانخفاض في تقدير الذات نظراً لحالة العجز التي يشعر بها وقد يمتد الشعور بالعجز إلى اليأس وتوقع الفشل في المستقبل وبذلك يفقد الدافع لمواجهة العنف والتعامل مع المُعنِف إذ أنه قد حكم على نفسه بالفشل مسبقاً. والأسوأ من ذلك كله، أن بعض النسوة يطلقن على أنفسهن “الصابرات والمرضيات”. والمرأة المعنفة هي لبوة أغلقت حول نفسها قفصاً تصنع قضبانه بذرائع مختلفة، إذا كان لديها الثقة والشعور بكينونتها فستكسر هذه القضبان، وتعي أنها إنسانة قوية وأن التغيير ممكن، من خلال فهمها لقدراتها والبحث عن حلول ملائمة.