العنف يجدي

حجم الخط
0

عملية الدهس في غوش عتصيون أمس لا تبشر بالضرورة بموجة عمليات أو تغيير في أنماط عمل الإرهاب في الضفة. ولكن هذا تذكير أليم آخر بالغباء والوقاحة اللذين يميزان عمل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية. فإسرائيل بيديها تبني حماس في غزة وفي الضفة أيضاً. وللدقة: إسرائيل تبني يحيى السنوار كالزعيم الفلسطيني السائد. وعندما يقلع السنوار برعاية إسرائيل، فإن أبو مازن يفقد ما تبقى له من مراسي تأييد في الضفة. ومن هنا فإن الطريق قصيرة أمام الانفجار المحتمل للإرهاب الكامن في الضفة، الذي تعد عملية أمس «تذويقة» صغيرة منه.
يشكل الأسبوعان الأخيران مثالاً واضحاً على هذه السياسة الشوهاء لتعزيز حماس وإضعاف السلطة ـ سياسة تخرج من مكتب رئيس الوزراء، بينما القيادة الأمنية، ولأسبابها هي، تردد وراءه «آمين».
في 13 تشرين الثاني، بعد أن أكملت حماس إطلاق مئات الصواريخ نحو إسرائيل وقبل الكابنت توصية الجيش بوقف النار، خرج الناطقون بلسان جهاز الأمن في حملة إعلامية شرحت لنا بأن حماس ضربت بشدة، واستجدت وقف النار وتجد صعوبة في التحرر من الصدمة التي تلقتها حين تبين لها أن قوات إسرائيلية سرية تتجول في القطاع دون أن تطلب إذنها. قد يكون هذا صحيحاً، ولكنهم نسوا أن يرووا لنا كيف حولنا زعيم حماس المشهر به إلى بطل قومي. يتعين على السنوار أن يقبل يدي نتنياهو على هذين اليومين الرائعين من المواجهة العسكرية مع إسرائيل واللذين أحدثا دفعة واحدة ثورة دراماتيكية في مكانته.

إسرائيل بيديها تبني حماس في غزة وفي الضفة أيضاً

قبل الكشف عن القوة الخاصة للجيش الإسرائيلي كان السنوار في إحدى نقاط الدرك الأسفل في حياته السياسية، فقد اتهم بأنه «باع» غزة مقابل حفنة دولارات (في الحقيبة القطرية). والكل هزئ به ـ السلطة الفلسطينية، ووسائل الإعلام العربية، وسكان غزة ـ ثم عرضوه كمن تخلى عن الكفاح الوطني. وبالتوازي، أعلنت الإدارة الأمريكية عن جائزة بمبلغ 5 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عن رقم 2 في حماس، صالح العاروري، المقيم في بيروت. وفي الوقت نفسه كانت حماس مستعدة لأن تتوصل إلى حلول وسط بعيدة الأثر مع السلطة الفلسطينية كي تبقى على قيد الحياة يوماً آخر. وعندها قدمت إسرائيل لحماس جميلاً كبيراً واستجابت بشكل منهاجي، ومتوقع، وعديم الطيران ومعدوم التفكير السياسي للتحدي العسكري الذي وضعته قبالتها. فاستقالة ليبرمان منحت حماس صورة النصر التي بحثت عنها. في اليوم الذي توقفت فيه النار أصبح السنوار الزعيم الفلسطيني المطلق.
من هنا تبدأ مسيرة جد خطيرة من شأنها أن تؤدي إلى الانفجار ليس في غزة فحسب، بل في الضفة أيضاً. فقد دخل قادة حماس في حالة من الغرور. العاروري إياه، «المطلوب» للولايات المتحدة، وصل الأسبوع الماضي إلى القاهرة (لم يفكر أحد بتسليمه للأمريكيين)، للمحادثات في موضوع المصالحة مع السلطة. يتبين أن كل الاتفاقات بين حماس والسلطة والتي تحققت في السنة الأخيرة من خلال المصريين، شطبت وكأنها لم تكن. وأعلن العاروري بأنه ليس هناك أي حديث عن دخول وزراء من رام الله لإدارة غزة. في حماس يتحدثون عن تشكيل حكومة وحدة وطنية الآن، وعن انتخابات الآن، ودخول م.ت.ف الآن. فضلاً عن ذلك، وفد حماس برئاسة العاروري يجلس الآن أمام المصريين ويقدم لهم قائمة مطالب من إسرائيل، لا يوجد وضع تستجيب فيه إسرائيل لهذه المطالب.
يبدو أن العاروري في صدمة وحرج شديدين بسبب الضربات التي تلقتها حماس في الجولة الأخيرة، مثلما يعتقد خبراء الاستخبارات الإسرائيليين، في أنه يسمح لنفسه بعرض مطالب هاذية. فقد طالب مثلاً بتوسيع مساحة الصيد من 9 أميال إلى 20 ميلاً. وكانت «اتفاقات» الجرف الصامد تحدثت عن 12 ميلاً. ولكن بعد الجولة الأخيرة تشعر حماس بأنها على الحصان، كما أنها تطالب بخط كهرباء آخر من إسرائيل ـ بتمويل قطري ـ مع علم تام بأن إسرائيل لا يمكنها أن تفعل ذلك، إذ إنه في كل ما يتعلق ببناء البنى التحتية مطلوب الإذن من السلطة الفلسطينية، بل وإزالة معظم القيود عن استيراد وتصدير البضائع من غزة.
إن وضعاً يكون فيه النشاط العسكري والسياسي الإسرائيلي يعزز حماس ويحطم السلطة هو وضع غير منطقي، ويستدعي من إسرائيل إعادة النظر في المسار العسكري ـ والسياسي أساساً. عندما تضعف السلطة تضعف أجهزة الأمن الفلسطينية. الجمهور في الضفة يصبح كدياً للسلطة أكثر، فيما توضح له إسرائيل كل يوم كم هو العنف مجد. من هنا يندفع القطار في اتجاه واحد: التصعيد الأمني.

اليكس فيشمان
يديعوت 27/11/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية