سنحاول من خلال هذا العرض الكشف عن بعض محاور هذه الرواية، بالإضافة إلى الإشارة إلى بعض الأعمال الأخرى للكاتبة، في مجالات مختلفة كانت بمثابة روافد تصب في جسد هذه الرواية «عشاق وفونوغراف وأزمنة»، الصادرة عن دار المدى، 2016 الطبعة الأولى بواقع 590 صفحة، مؤلفة من اثني عشر فصلا، بدأ كل فصل بحكمة أو شذرة. تتمظهر أثناء القراءة ملاحظة أن لطفية الدليمي تعيد إلى الرواية حسّها القديم، من خلال ارتقاء المتعة إلى مستوى الغاية الأساسية، والهدف الذي تسعى إليه من جانب، ومن جانب آخر بيّنت لنا الكاتبة من خلال روايتها هذه، أن الرواية يمكن أن تكون ذات فائدة فكرية وتاريخية وحياتية، بدون الخروج عن مسار سكّة الأدب، كعمل متخيّل وساحر، حينما يضع مسافةً مقبولةً بينه وبين الفلسفة والمعارف الأخرى، وقد أُثيرت هذه النقطة، التي تم تداولها بكثرة عبر السنوات، بسبب الميول الصارخة في هذا العمل إلى تحقيق أقصى درجات الّلذة والجمال، مطبوعةً بالشعر الذي يكتنف جسد الرواية، بدون إضرار بسرديتها. ونرى في هذا الصدد توافق كل من الكاتبة لطفية الدليمي والفيلسوفة الروائية آيريس مردوخ، من حيث المبدأ، حيث ترى آيريس مردوخ في حواريّة ترجمتها كاتبتنا في كتاب تحت عنوان «نزهة فلسفية في غابة الأدب» أن الأدب «يوفّر المتعة ويفعل الكثير من الأمور، أما الفلسفة فتفعل أمرا واحدا وحسب». وعلى حد تعبير بيكاسو «نعرف جميعا أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة «، وبناءً على هذه القناعات كأسس راسخة وبديهية، تضع هذه الرواية حدودا واضحة بين الفن والمعرفة، وفي لحظات معينة تترك لهما حرية الامتزاج والالتقاء، بشروط واعية، تضع الأولوية في العمل الفني الروائي، وتقدمه كواجهة تستند إلى توظيفها لتلك العلوم والمعارف، وهذا الخيط الرفيع بين أن يتحول الأدب إلى معرفة وأن يحيل إلى معرفة، يحتاج إلى الكثير من الدقة والخبرة، في جعل العمل الفني هو من يوظّف ويستعين بتلك الخبرات المعرفية والمعلوماتية، في تعضيد الرؤى الفنية الأساسية لذلك العمل .
على الرغم من أن هذه الرواية تبتدئ حديثها عن نهى جابر الكتبخاني، التي تعيش حياةً مظلمةً ومليئةً بالانكسارات في فرنسا، مع زوج استغلالي، وتقرر العودة إلى بغداد بعد سماعها خبر والدها المريض عن طريق أخيها، وتكتشف من خلال أبيها وجود مذكّرات وجهاز فونوغراف، تبدأ بإصلاحهما لاكتشاف تاريخ العائلة، الذي يفضح تاريخ الحقبة العثمانية في بغداد خصوصًا، إلا أننا سنلاحظ في ما بعد أن الرواية توازن إلى حد ما إسناد دور البطولة إلى أغلب الشخصيات الوارد ذكرها بين الماضي والحاضر، فلا تنفرد شخصية معينة على حساب أخرى إلى حد الطغيان (تعدد الأصوات). ولذا جاء العنوان «عشّاق وفونوغراف وأزمنة» مطابقًا لمحتواها المتنوع والمتعدد، فكانت هناك قصص لعشاق جاء ذكرهم في المذكرات العائدة إلى تاريخ عائلة الكتبخاني، وأيام بغداد في ظل الحكم العثماني، في القرن الثامن عشر، وصولا إلى أيام الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وعشاق في حاضر تلك العائلة، بينما كان الفونوغراف مسافرا عبر التاريخ لينقل لنا أسرارا شتى عبر الاسطوانات عن الجد صبحي الكتبخاني صاحب التطلعات المستقبلية والاهتمامات العلمية والسفر، وعن بنفشة خاتون. وكان لقصته مع بنفشة ذات الشخصية الساحرة والصوت الملائكي، أثر كبير في إثارة الانتباه إلى التمرد على الوصايا وكسر النمطية الاجتماعية لعائلة الكتبخاني، حين تزوج صبحي بنفشة الشهيرة.
بالنسبة للعائلة ذات العلاقات الوطيدة بالسلطة العثمانية، والمنتفعة منها، وصل بها الحال إلى تأجيل زواج بنتيها بديعة وألفت أختي صبحي مرات عديدة لكون ـ العائلة ـ تبحث عن الجاه والسلطة.
تنتقل الرواية بين الأزمنة، بين بغداد القديمة وبغداد في حاضر الزمن الفني للرواية، الذي تمثل بمرحلة ما بعد 2003، تُروى مختلف المآسي والعذابات التي تشابهت باختلاف الطرق المؤدية إلى تلك الحيوات، التي بقيت منقوصة دائما.
تنتقل الرواية بين الأزمنة، بين بغداد القديمة وبغداد في حاضر الزمن الفني للرواية، الذي تمثل بمرحلة ما بعد 2003، تُروى مختلف المآسي والعذابات التي تشابهت باختلاف الطرق المؤدية إلى تلك الحيوات، التي بقيت منقوصة دائما. تذكّرنا هذه الشخصيات القلقة المتحسرة الموجوعة، بشخصية العراقي عامة، فهي شخصيات راغبة بالحياة تواقة إلى الحب والحلم، طامحة لحياة تليق بحجم الممكنات التاريخية والثقافية والطبيعية من ثروات، لكنّها بقيت تحلم لا أكثر، فالشخصيات حقيقةً لا ذنب لها سوى أنها تعيش في مكان وزمان غير مناسبين لطموحاتها، وهكذا نحن اليوم، نعيش في جحيم الماضي والحاضر معا، بدون ذنب، وما السوء في حياتنا نتاج لخياراتنا الشخصية وطموحاتنا المتطرفة مثلا، إنما نحن نعيش انعكاس التردي السياسي الذي يجدد صداه في كل حقبة زمنية عبر التاريخ، في المنظومة الاجتماعية والثقافية. وكأن الروائية لطفية الدليمي تقدّم ذلك التطابق المحتوم عبر أكثر من قرن عاشه العراقيون، كوثيقة احتجاج إنسانية بليغة ومفصّلة إلى العالم، إذ لا فرق بين عراق الأمس وعراق اليوم سوى الديكور الأكثر حداثة، مقترنا بعقلية متأزمة تطبع نفسها وتنسخها على مرّ العصور .
وإذا ما تحدثنا عن اللغة في هذه الرواية، فلن يخفى عن القارئ شغف الكاتبة بسحر وعذوبة وطراوة وفكر معلميّ الحياة مثل، كازنتزاكيس وابن سينا ومحيي الدين بن عربي، وهيراقليطس وغيرهم ويذكّرنا بكتابها «كتاب المناجيات: التوق إلى مملكة الروائيّن العظام» الذي تناجي فيه هرمان هيسه المعلم الروحي الكبير، ونيكوس كازانتزاكيس، وغابرييل غارثيا ماركيز. فكانت اللغة والفكر لدى الروائية لطفية الدليمي، تجمع كل تلك الأسماء في خلاصات نقية ومصطفاة، عبر تأمّلات السنين التي عاشتها الكاتبة وأوغلت فيها، وخرجت منها بما يجعلها تقف على فرادة من نوع خاص، ويكمن الامتياز لدى الكاتبة، في أنها منحت هذه اللغة قدرة عالية على الانزياح غير مستثمرة بشكل كلي في وقتنا الحاضر، ذلك أنها استخدمت لغةَ الماء والهواء والتراب والنار والشجر والحقائق والطبيعة ككل، في وصف المظاهر الجميلة والمحبّبة وكذلك في وصف حروب وأوبئة ومواجع وأقدار وغيرها. فجاءت هذه اللغة طرية ومتوائمة مع الاهتمام الواضح بالوصف لدقائق لا محدودة في هذه الرواية، وهو جزء أصيل من تأكيدها على جعل النص الروائي نصا سحريا ماتعًا وثريًا لا يتخلى عن مناخاته الحلميّة مهما تنوع فيه تركيب الأحداث. وقد منحت هذه الرواية بالضرورة كاميرات عديدة تحيط أغلب شخصياتها، تصوّر لنا أدق تفاصيل الأمكنة بالأسماء والصفات وأنواع الثياب وألوانها والنقوش والزخارف والأدوات وخريطة لكل رحلة، والمدن التي على الطريق، حتى ليشعر القارئ بأنه داخل المشهد التاريخي يشم رائحة العطور والأزاهير والأبخرة ويتشهى أنواع الأطعمة والأشربة ويسافر ويشعر بالتعب .
ولا يمكننا أن نسهو بالتأكيد شخصية المرأة في عالم لطفية، فعلى الرغم من أن المنظومة الاجتماعية الظالمة لا تزال شاخصة إلى اليوم، إلا أننا دائما ما نرى بطلات الرواية ينهضن من ركام الذاكرة، وهيمنة الأقدار السيئة للمصادفات والحياة غير المنصفة، فهن مكافحات. في الوقت الذي تعاني فيه أم صبحي والعائلة من تسلّط الأب وجبروته، إلى درجة العجز والخشية من نقاشه لا مساءلته، ينبري صوت الراوية عبر شخصية صبحي المنفتح على العالم بعد سفره إلى الأستانة ودراسته هناك، إذ يقارن بين أمّه وخالته القوية، التي تملك زمام الأمور، وكيف أنها كانت تفرض كلمتها في المنزل وهي إشارة إلى تقويم السلوك الخانع، ورفض الهيمنة الذكورية المتسلطة.
بنفشة بعد كثير من الأقدار السيئة، تنال حريتها وتتزوج صبحي وتعيش معه في قصر، رغم النهاية المفاجئة في اختفائها الملَّغز الذي ينكشف سببه في الختام. نهى وبعد خروجها من زواج سيئ، تقودها في ما بعد الحاجة لإصلاح ذراع الفونوغراف المكسور، لتتعرف على نادر الذي يشبه في شكله، الرجل الذي طالما تخيلته في أحلامها ويقظتها، وقد ورد على لسان نهى «لطالما شعرت بأنها مخلوق لا نفع فيه لشيء، مخلوق لا يصلح لغير الكفاح، من أجل البقاء كما هي أمها وخالتها هناء، ومنال شقيقة نادر وآلاف النساء مثلهن».
تحاول الكاتبة توجيه الانتباه إلى تلك الآمال والإمكانات النسوية المختفية تحت ظلال الواقع والحياة المتطرفة في أتعس الأحوال والمواقف، وفي الأخير تجد حياة البابلي الحب وتقرر السفر، وحياة البابلي شخصية بطلة استقدمتها الكاتبة من رواية سابقة لها «سيدات زحل» ووضعتها في سياق ليس بغريب عنها. ولعلّ المتابع والقارئ لمؤلفات الكاتبة المتنوعة ومقالاتها ، يشاهد بوضوح تام اهتماماتها بالفيزياء والموسيقى والعلم، إلى جانب الاهتمامات الروحية القريبة إلى التصوّف والكونية، تنعكس على اهتمامات شخصياتها في هذه الرواية، عندما نراها مرةً على هيئة كتب في مكتبة إحدى الشخصيات، ومرةً تومض من خلال حوار أو مناسبة معينة، وهو ما يجعل شخصية الكاتبة ومشاربها الفكرية واللغوية والمعرفية ظاهرةً للقارئ من داخل الرواية، وهذه الرواية بالذات هي قوس قزح تؤلف ألوانه أغلب ما تحبه وكتبت عنه الكاتبة في ترجمات ومقالات ونصوص، الأمر الذي يشير إلى رؤيةٍ كلّية تقوم على التنوع والترابط في مشروع إنساني تنويري شامل مهما اختلفت الطريقة في التعبير عن ذلك المشروع، سواء أكان في حقل الترجمة أو القصة القصيرة، أو المقالة، أو كما ورد هنا في هذه الرواية، حينما ذهبت نهى إلى بيت نادر، الذي يعدها بإصلاح ذراع الفونوغراف المكسور، في ما بعد، وتلاحظ في المكتبة العامرة كتبًا تعرفها وتحبها مثل: «الكون الغامض للسير جيمس جينز، كتاب «موجز تاريخ الزمن» لستيفن هوكينغ، وكتاب «تطور الفيزياء» لألبرت إينشتاين، ولمحت كتبا تعشقها لابن عربي وفريد الدين العطار، وشهاب السهروردي، وروايات دوستويفسكي وهيرمان هيسه وتوماس مان.
الكاتبة أعادت شيئًا من الرواية الكلاسيكية إلى المتن السردي، ويتضح ذلك من خلال الاهتمام الكبير بالوصف، والمونولوج، الذي صاحب الشخصيات الأبرز أكثر من غيرها
ويبدو من أسلوب كتابة هذه الرواية، أن الكاتبة أعادت شيئًا من الرواية الكلاسيكية إلى المتن السردي، ويتضح ذلك من خلال الاهتمام الكبير بالوصف، والمونولوج، الذي صاحب الشخصيات الأبرز أكثر من غيرها، نهى في الحاضر وصبحي في الماضي وجعلتها مرئية من الداخل، مثلما هي مرئية عبر حركتها في الخارج، على عكس ما دأب عليه الروائيون منذ زمن، في كتم الأصوات الداخلية للشخصيات، وتركها تعبر عن نفسها من خلال الأفعال المرئية لا غير، وهو بحسب اطلاع الكاتبة على أحدث الطروحات الروائية الأسلوب الجديد في كتابة الرواية المعاصرة، الذي يمزج بين تلك الكلاسيكية وموضوعات شائقة عن الموسيقى والفنون والعلم والفلسفة وغيرها، بين كلاسيكية فخمة مطرزة بمستجدات الحياة .
وكانت تقنية الحوار إلى جانب ما ذكرناه عن آلية الوصف من المظاهر المهيمنة في هذه الرواية ، استطاعت الروائية من خلالها خلق نوع من التوازن السردي المتأتي نتيجة لذلك التشارك الدرامي الحيوي بين الشخصيات، وتتجلى أهمية المكان أو الفضاء الروائي في الفعل السردي، من خلال هاتين التقنيتين، الحوار والوصف، وليس على الوصف وحده، كما درجت على ذلك الدراسات، فالشخصيات وإن كانت من مكونات الرواية كأبطال للقصة، إلا أنها بحسب تقديرنا تعد جزءًا من المكان أيضا، لكونها تخضع لاشتراطات الفعل السردي نفسها، المسّلطة والشاغلة للأمكنة وفضاءاتها، فكما الشخصيات تؤدي فعلا ما هي في الوقت نفسه تكون حاضنة ومتعرضة لذلك الفعل، ومثلما المكان الروائي بناء لغوي مختلق كذلك الشخصيات تتساوى معه، من حيث نقطة الابتداء هذه، وتتساوى معه من حيث إنها كما ذكرنا فاعلة ومتعرضة للفعل، وبذلك فإن المكان لا يقتصر على الشائع عنه، كمسرح للأحداث تتحرك فيه الشخصيات وتمارس حياتها فيه، وأن الفعل السردي ما أن يترك تأثيره في شيء حتى يجعل منه مكانًا. والفضاء الروائي في هذه الرواية يمنح القارئ إحساسًا عاليًا بتلك المصداقية التي اشتغلت على تعزيزها الرواية للربط بين الشخصيات والأمكنة، وانعكاس بعضهما على بعض.
٭ كاتب عراقي