العوامل الداخلية والخارجية للثورات: سورية مثالاً

حجم الخط
0

ما أن بدأت رياح التغيير في العالم العربي مع بدايات العام الجاري واتخذت شكل ثورات شعبية حتى وضعت كل التحليلات عن احتمالات الحرب والسلم في المنطقة جانباً وحظـــــيت الثورات بنصيب وافر تستحقه من التحليل والدراسة لأسبابها والعوامل التي أدت إلى قيامها في بلدان عربية دون أخرى، واتجهت إحدى نظريات التفسير لها أن الدول التي تحمل في تربتها أسباب الثورة الداخلية من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ( دخل محدود، بطالة، تضخم وغلاء أسعار، تفاوت طبقي، تمييز اجتماعي في الخدمات، فساد مالي، تضييق في الحريات العامة، إعلام مقيد، نظام حكم مستبد وغياب للتداول السلمي للسلطة… الخ). فإن ذلك قد لا يعتبر كافياً لتنبت ثورة الشعب إذا ما كانت الدولة تنتهج سياسة خارجية توصف بالمستقلة والممانعة في وجه السياسات الأجنبية في المنطقة، واستدلوا على ذلك أن رياح التغيير الثوري هبت على دول الإعتدال العربي وهـــــي على الترتيب (تونس، مصر، البحرين، اليمن وأخيراً ليبيا التي تحالفت مع الغرب منذ 2003 وربطــــت نفسها به اقتصادياً) دون أن تستثير شعوب دول الممانعة العربية وعلى رأسها سورية.

يعتقد أصحاب هذا التفسير أن الشعوب تحسب لأنظمتها أنها تقف في مواجهة السياسات الغربية والأمريكية خصوصاً في منطقتنا وعلى رأسها سياسات الإحتلال والتدخل الأجنبي وحماية أمن إسرائيل، كما يحسب لهم أيضاً أنهم يدعمون قوى المقاومة العربية والتي تشكل رأس الحربة في مواجهة هذه السياسات المكروهة شعبياً. فيما يبدو للناظر من الخارج تناغماً بين تطلعات الشعب وسياسات النظام الخارجية تجاه هذه القضايا، وهو كذلك ولا يمكن نكرانه. ومما لا يمكن نكرانه أيضاً أن الثورات التي قامت حتى الآن في العالم العربي لم تكن سياسات الدول الخارجية محركها الرئيس بأي شكل من الأشكال، بل كانت عناوين الثورة تعبر عن مضمونها بأنها كانت ثورات حرية وكرامة، فأول مطالب الثورة هي أن يكون الإنسان حراً على ثرى بلده يعبر فيها عما يشاء ويختار من يشاء ليحكمه كما يريد ويرتضيه عقد الحكم بين الحاكم والمحكوم والذي يتضمن بين بنوده رضا المحكوم بحكم الحاكم، لا أن يحكم الحاكم بقوة الحديد والنار.

كل ما سبق يؤسس لحقيقة أن السياسة الخارجية للدولة – سوريا مثلاً – وإن كانت عامل استقرار داخلي فإنه لن يستطيع بحال من الأحوال إلغاء عوامل الثورة الداخلية الأخرى، وأقصى ما باستطاعته هو تأخيرها لبعض الوقت لحين انهيار حاجز الخوف الذي اعتنى النظام ببنائه ليصمد أطول فترة ممكنة في نفوس الشعب، ولكن تاريخ الثورات في العالم يشي لنا بأن أعتى جدران الصمت والخوف بناءً أسرعها تهاوياً أمام قوة الحق الذي صدحت بها الشعوب في وجه نظم الاستبداد التي تاجرت بقضايا الأمة الكبرى لتطيل بها أعمارها التي يبدو أنه قد دنى أجلها.

م. ربحي خلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية