ليس غريبا الحديث عن «تهديد الديمقراطية» في الغرب، وعن تضخم الليبرالية الجديدة، لتبدو وكأنها نوع من «اللوثيان» بتعبير هوبر، فمنذ أن تخلى فرانسس فوكاياما عن أطروحته حول» نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وصناعة «الأوهام» تقترح نهايات لا حصر لها، حتى بات الأمر خاضعا إلى ما يشبه مطابخ الأيديولوجيا التي تجعل من حكاية «الإنسان الأخير» وكأنها النظير لحكاية «الامبراطور العاري» في قصة هانس كريستيان أندرسن، حيث يتحول الحماس للبطولة والاستعراض إلى حماس في السخرية.. مركزية هذا الإمبراطور الأيديولوجي هي الأكثر تمثيلا لمركزية البطل الرأسمالي الجديد، صاحب الشركات، وصاحب قميص الخطيئة، مثلما هي الأكثر شغفا بقتل الآخر، في قناعه الصيني أو الروسي أو حتى الإيراني، وباتجاه مفارق، جعل من فلسفات منظري «البيت الأبيض» هينتغتون وفوكوياما، عرضة للسخرية وللتقويض، ليس بوصفهما موظفَين رسميين، بل لأنهما توهما أن الوصول إلى «الاقتصاديات الحرة»، وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق سيعني صناعة «مقبرة فلسفية» لدفن آخر ما تبقى من وصايا السيد ماركس، وإحالة كتاب «رأس المال» إلى المتحف، وبدء زمن اللاطبقية، وأن العقل الغربي سيمارس وظيفة زعيم آلهة الإغريق «زيوس» في فرض سلطته على الشرق والغرب، وفي إباحة تداول جديد لمفاهيم السلطة والأيديولوجيا، ولإدارة شؤون الحرب، وصولا إلى صناعة أساطير تهب ذلك «الإنسان الأخير» أوهاما بقتل الأب الفرويدي، وربما الشروع بسرديات اغتصاب أنوثة سيدة الشرق شهرزاد..
مفاهيم التحول والتجاوز لا تعني بالضرورة حرقا للمراحل، والوصول إلى «يوتوبيا الغرب» ولا حتى وضع توصيف خارق لتطور الأفكار التي تخص تلك اليوتوبيا، ومحو كل ما يتعلق بتاريخ الثورات، فما تثيره الفلسفة بوصفها صانعة المفاهيم، يجعل الجدل مفتوحا، ويجعل النظر إلى التاريخ مكشوفا على سرديات أخرى، وعلى استفزازات أكثر إثارة، لأنها ستتيح مجالا للبحث عن المختلف، وإعادة الحفر في تاريخ الأفكار ذاتها، وأحسب أن الفكر الماركسي كان من أكثرها إثارة لذلك للجدل، والمساءلة والمراجعة، ليس لأنه فكر يؤسس نظريته الجدلية على الصراع الفكري والطبقي، بل لأنه ينظر دائما إلى الرأسمالية بريبة، وبأنها ستتحول إلى مقابر كبرى – طبقية وسياسية وتجارية وأيديولوجية – وحتى الليبرالية والحرية الفردية، ستتحول تحت هذا التوصيف إلى قوة دافعة للموت وللعنف، وللكراهية، وأن صعود أحزاب اليمين المتطرف والجماعات العصابية سيكون هو التمثيل الأنثروبولوجي لشراهة هذه القوة.
بعد عشرين عاما على رحيل جاك دريدا، يمكن أن نعيد معه السؤال الأنطولوجي حول مواجهة التاريخ، وحول ما يمكن للأفكار الماركسية أن تصنعه، أو أن تعيده إلى الواجهة، حتى قيل إن تضخم الأزمات الأخلاقية في الغرب تستدعي الحديث عن أفكار كانط الخاصة بنقد العقل، وبهوية المواطن الكوني، وبعلاقة الأخلاق بالدين والسياسة، وأن تضخم الأزمات الاقتصادية تستدعي الحديث عن أفكار كارل ماركس، في نقد الرأسمالية، وفي الصراع الطبقي، وفي الحاجة إلى فلسفات الثورة، وإلى أزمة المواطن المتورط بالاغتراب والوعي الشقي والزيف الأيديولوجي..
العودة إلى ماركس..
مازال كتاب دريدا «أطياف ماركس» يثير جدلا، ووجهات نظر متعددة، لأنه ينطلق من حساسية وعي دريدا لقوة ماركس المعرفية/ الفلسفية، ومن قوة الأسئلة الكبرى التي يصنعها، فبقدر ما أن طروحات دريدا تحاول البحث عن مقاربة نقدية «للنص المنيع فلسفيا»، فإنه يربط هذا البحث بجرأة الوعي العالي، على مستوى مواجهة التاريخ، أو على مستوى مواجهة مركزية العقل الغربي، فماركس الذي يراه دريدا «مثاليا» في نظرته للحتميات وللحلم «الشيوعي» والصراع الطبقي، يجده أيضا عقلانيا في ممارسة نقد التعالي الرأسمالي، عبر نقده للتعالي المثالي الهيغلي، لأن دريدا يدرك خطورة المركزيات، التي تتطلب وعيا بالتقويض، بما فيها مركزية الغرب الرأسمالي ذاته، الذي يصنع أيضا «أشباحا»، أو «أطيافا» تمارس أدوارها في المطاردة، وفي تبيين مظاهرها عبر العنف السياسي والأيديولوجي والعنصري، وعبر إثارة مشاعر الكراهية والعنصرية التي باتت عنوان عصرنا.
أطروحات دريدا « النقدية» ليست بعيدة عن أسئلة العقل الغربي وإشكالاته الثقافية، التي جعل منها عوامل ضغط في إثارة الخوف من مستقبل الرأسمالية، فما كان يصنعه ماركس في القرن التاسع عشر سيتحول في زمننا إلى «أشباح» تستفز مركزية العقل الغربي، وعناصر نظامه العالمي وبنوكه وشركاته العابرة للقارات، وحتى ديمقراطياته التي تحولت ممارسات «سائلة» بتعبير زيغمونت باومان، محكومة بسياسات المتطرفين والأحزاب اليمينية وجماعات «الهويات القاتلة»، وأن عبارة ماركس القديمة عن « تحالف البابا والقيصر» سيجد تمثيله عبر تحالف «صاحب البنك وصاحب الشركة والمتطرف ورجل الشرطة الفاسد»، بوصفهم نظراء لتمثيل قوة العنف الجديد الصاعد مع تغول الرأسمالية.
العجز الثقافي وأشباح «البطل الهاملتي» قد يصنع مطاردة أخلاقية للقاتل الرأسمالي، ولصنّاع حروبه في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، لكنه أيضا سيقوم بصناعة واقع موازٍ لأزمة الغرب والليبرالية، فبقدر ما تعرضت الأحزاب «الشيوعية» من هزائم بنيوية في أوروبا، فإن وجودها ظل أخلاقيا وثوريا، وأن طبيعة وجودها سيظل رهينا بما يجري في العالم، وبما تصنعه الرأسمالية من كوارث بيئية وسياسية وحروب وأوبئة ومن أزمات اقتصادية، عبر مظاهر التضخم والبطالة والعجز واللجوء، وصولا إلى مظاهر التطرف والكراهية والتعصب.. العودة إلى ماركس لا تعني العودة إلى تلك الأشباح فقط، بل تعني أيضا فضحا لكل مظاهر الخراب التي تهدد السلم العالمي، ولما يُزيد من كراهية الغرب للشرق، وعلى النحو الذي يجعل من فشل «الحداثة» تمثيلا لفشل الأنسنة، وحتى لرثاثة أطروحات «ما بعد الحداثة»، التي لا تعدو أن تكون نزوعا لإعادة إنتاج المركزة الغربية، وللتعبير عن أزمة الكائن الذي أفقدته الليبرالية الجديدة كينونته، ليجد نفسه وسط عالم يمور بالعنف، وبمزيد من التشوهات التي جعل منها دريدا مجالا لتمثيل أطروحاته التفكيكية، أو التي جعل منها سلافوي جيجك مجالا للحديث عن الفوضى التي يعيشها الغرب، على مستوى نظامه الاقتصادي والأمني، أو على مستوى نظامه البيئي والصحي، وصولا إلى مستوى التطرف الذي نجد مظاهره في دعم الحروب والصراعات الأهلية ومساندة أنظمة الاستبداد..
البحث عن بطولة غائبة..
الحديث عن «انتصار الليبرالية الجديدة» ليس واقعيا بالكامل، وأن موت «البطولة الضد» ليس صالحا للحديث عن النهايات الفلسفية، فحضارة الغرب تعيش محنة موت البطل الأخلاقي، وبدء مرحلة «البطل الشعبوي» الذي يتوهم أن هناك حيطانا أخرى تشبه «حائط برلين»، وأن مهمته هي التقويض الميتافيزيقي لحائط المتخيل الأيديولوجي..
البحث عن الغائب المختفي خلف ذلك الحائط قد لا تبدو مقبولة في الواقع المادي للغرب، لكنها تعني كثيرا للمواطن، الذي بات يدرك خطورة حجم الحيطان الجديدة التي يصنعها الغرب الأخلاقي، وطبيعة التهديدات التي تقترن بها، لاسيما بعد ما جرى من رعب وباء كورونا، وصولا إلى أزمات البطالة والتضخم، والتلويح بحرب نووية مع روسيا وغيرها، فضلا عن ما يمكن أن يحدث من حرب «دينية» تضع الأرثوذوكسية أمام الكاثوليكية والبروتستانتية.. حديث الغائب قد يكون إيقاظا لماركس ذاته، فما قاله دريدا حول سقوط الاتحاد السوفييتي وحائط برلين بأنهما لم «يدفنا الماركسية» يجعل من فعل الاستعادة، القوة الموازية لتمثيل خطاب نقدي جديد، يؤسس مشروعه الفلسفي/ المعرفي على أساس ولادة خطاب وسلطة، وكلاهما يصنعان معرفة نقدية، يمكن أن تصنع «مجالا عاما» بتعبير هابرماس، يتقبل وجود مساحة مفتوحة للحوار والمراجعة والنقاش، وصناعة رأي عام ضاغط، ورافض لمظاهر المركزية القطبية للغرب – أمريكي، ولكل مظاهر العنف والكراهية والقهر الاجتماعي والعنصري، فضلا عن وظيفتها الفلسفية المتعالية في تقويض الميتافيزيقيا الجديدة، وفي الدفاع عن «العدالة الدولية» وفاعلية العقل النقدي في صيغته الماركسية الجديدة.
كتاب التوسير «دفاعا عن ماركس» ليس بعيدا عن أطروحات دريدا، فهو يعيدنا إلى النقطة ذاتها التي تخص قراءة العالم من خلال ماركس، وعلى نحوٍ يُعطي للنقد بُعدا أكثر فاعلية في تمثيل تلك القراءة، بوصفها تجعل من ماركس قريبا من العصر، في نقده للرأسمالية، مع التخفف مما هو أيديولوجي، مقابل وضع ماركس العلمي في سياق التعبير عن قوة نقده، وفاعلية مشروعه الفلسفي، التي تقوم على تجديد تلك القراءة، على مستوى مشغلها المعرفي النظري، أو على مستوى مجالها الإجرائي الذي يخص ما هو إنساني وطبقي وحتى ثوري..
كاتب عراقي