زهرة مرعي
منذ بدايات الإنتفاضة الشعبية في سورية طلباً للحرية، ومنذ كان بعض من في السلطة يطلق النار على المتظاهرين، وبعضها الآخر يدعو للحوار، ذكرنا بإستحالة إنتظام الحل الأمني مع الحوار. ربما يقول قائل بأن القاتل هو نفسه المحاور فليس هنا بيت القصيد. بيت القصيد موجود في ذهنية رسمية سورية معممة، أو محصورة في أشخاص محددين في بالهم أن مزيداً من القتل قد يجعل الوضع يستوي على ما كان عليه، وأن زمام الأمور سيبقى ممسوكاً من قبلهم. تماماً وكأن الزمان توقف عند 15 آذار الماضي بالنسبة لهؤلاء. هذه أحلام مراهقة سياسية، أو نابعة عن أفراد يستحيل أن يتخلوا بإرادتهم عن سلطات يفرضونها بشتى الاساليب على الناس منذ عقود. ومن يهتف للحرية يوماً سيبقى صادحاً بها طوال حياته.
المشهد التلفزيوني في الأسبوع الماضي، والذي تلا اللقاء التشاوري والبيان الصادر عن المجتمعين، قال وبوضوح أن الحوار في واد ومن بيدهم سلطة إطلاق النار على المتظاهرين في واد آخر. فهل يعقل أن ينادي أكثر المتحدثين في اللقاء التشاوري بضرورة وقف الحل الأمني وإطلاق المعتقلين، ومن ثم يعتقل صدى الصرخة.
مشهد تلفزيوني إمتد لأسبوع تلاه يوم الجمعة الذي كان فيه الغضب الشعبي عارماً ومنتشراً وبخاصة في أحياء دمشق، وكانت الحصيلة عشرات المعتقلين و32 شهيداً جديداً، إنضموا لغيرهم من الذين سقطوا طوال الأيام السابقة. وهذا ما يثبت إنفصاماً حاداً في بنية الحكم الذي يدعو للحوار بيد، ويحمل البندقية والأصفاد باليد الأخرى.
مساء الجمعة الماضي كان الخبر السوري رئيسياً في نشرة الجزيرة المسائية وكان حسن جمول يحاور صحافياً من سورية عبر الهاتف، وآخر معارضا من إسطنبول. وكان في النشرة أن مليوناً تظاهروا في حماة ودير الزور، في حين كتب في الشريط الثابت ‘عدد من المواطنين يتظاهرون في دير الزور’. وهذا الـ’عدد’ لا يصب في صالح المليون. كما جاء في هذا الشريط: تظاهرات في سورية تطالب بمزيد من الحرية. فهل هو إعتراف بأن بعض هذه الحرية موجود؟ بين معارض من الداخل وآخر من الخارج، بات الأول يعيش الوجع ويأكل العصي، فيما الآخر يعدها ويسترسل في التنظير. رغم مشهد الدعم العربي من أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي لبشار الأسد، سورية اليوم لن تشبه سورية الأمس. الدماء تكتب سورية جديدة. القفز على السلطةكم يختلف مشهد الناطق بإسم المجلس العسكري في مصر اللواء محسن الفنجري وهو يؤدي التحية للشهداء إثر خلع مبارك عن مشهده في الأسبوع الماضي وهو يردد ‘لن نسمح بالقفز على السلطة’ رافعاً إصبعه في وجه كل من تابعه في مصر والدول العربية والعالم. رفع الأصبع لم يعد من سلوكيات التربية الحديثة. في زمننا هذا يولد الأطفال وهم يطالبون ليس بالحرية بل بمزيد من الحرية. قناة بي بي سي العربية ومع زين العابدين توفيق قادت حواراً متعدد الأطراف في برنامج أجندة مفتوحة، تحت عنوان: هل ضلّت الثورة المصرية طريقها؟ من داخل الأستديو في لندن كان ضيفان احدهما الممثل خالد أبو النجا الذي مثل رأي شباب الثورة وميدان التحرير. وقالها بوضوح: الشعب يريد القصاص لكل من أخطأ. في المقابل كان حوار عبد الهاتف مع اللواء المتقاعد عبد المنعم كاتو الذي يبدو أنه من جماعة ‘أعطي خبزك للخباز..’ وكان له وصف خشبي مرفوض من كل عاقل للمعتصمين في ميدان التحرير: ‘ما يحدث في ميدان التحرير نوع من البلطجة.. إنه إجرام وإرهاب’؟ وهو لم يكتف بذلك بل توجه لأبو النجا ناصحاً ‘خليك بالتمثيل بلاش ناشط بقا’! لم يسكت أبو النجا عن لصق تهمة البلطجة بميدان التحرير، ولم يهن عليه وهو الممسك بزمام أموره أن يحدد أحدهم إتجاهاته. وكان الرد الواضح والمهذب. لم يعجب ذلك سيادة ‘اللوا’. ويبدو أن ‘اللواءات’ بمجملهم يرون من حولهم عيالا. ومن هذه العقلية العسكرية التي لا تحتمل الآخر إنسحب ‘سيادة اللوا’ من الحوار. فهو لم يفقه أن ‘العيال كبروا بقا’. في هذا الحوار عبر قناة بي بي سي والذي كان التنوع سمته كانت مطالب الشعب محددة المعالم. وكان الجميع مدركاً أن في مصر فلول نظام سابق لا تزال تمسك الدفة الداخلية، وأن بعضاً من الأصنام العربية تضغط لتمييع محاكمة مبارك. والأهم من هذا وذاك ما قاله إبراهيم منير الذي مثل حركة الأخوان المسلمين في ندوة البي بي سي بأن السفارة الأميركية رصدت 240 مليون دولار تصرفها على بعض المجموعات لتشويه الثورة وتغيير مسارها. ولفت منير الى السياسة الخارجية المصرية، والتي ما أن بدأت تظهر ملامحها المختلفة من قبل الوزير نبيل العربي ‘حتى تمّ ترحيله إلى جامعة الدول العربية’! واليوم هناك شبهات كثيرة حول تلك السياسة الخارجية ومن يمسك بها. وخير دليل عليها معبر رفح. وما أن فتح حتى أقفل وعاد الغزاويون إلى معاناتهم في أيام الحكم البائد.
السلاح يسرق الطفولة في مصراتةلم تكن صورة الأطفال المتأبطين للسلاح في مدينة مصراتة الليبية تبعث على الفرح. بل صورة تستخرج الأسى والحزن على ضحايا الحرب الليبية من الأطفال. صورة بثتها قناة ‘الجديد’ بما تستحقه من زمن. أطفال بعضهم لم يبلغ العاشرة يُطلب منهم العناية بالسلاح. تنظيفه وتلميعه. المشهد الواصل إلينا عبر الكاميرا لم ينقل نوعاً من الفرح صادراً عن هؤلاء الأطفال، وكأنهم مرغمون على فعلتهم. إنها الحروب التي تصادر الطفولة وتنقلها بين ليلة وضحاها إلى عالم الكبار. وهكذا يصير هؤلاء الأطفال ضحايا سلاح الكبار مرتين، مرة عندما يبعدون عن مدارسهم أو يقتلون، ومرة عندما يتحولون وقوداً لهذه الحروب كما هو الحال في مصراتة، وفي كافة دول العالم الثالث المشغولة بحروب شتى. أطفال ليبيا هل هم ضحية القذافي الذي يعتقد نفسه مُنزلاً، أم ضحية المجلس الإنتقالي الذي صار لعبة بيد الغرب، أم ضحية الغرب نفسه الذي يجد في حروبنا تمويلاً لخزينته، وفي بعض السياسيين دمى يحركها كيف يشاء لتلبي أهدافه وأغلبها في خدمة الصهاينة؟’شايف حالك’ ع ال بي سيفي حين أنجز اللبنانيون منذ سنة 1943 ديمقراطيتهم الطائفية، وعادوا لينجزوا في إتفاق الطائف ديمقراطيتهم المذهبية يمارسونها إنتخاباً وفي شتى الوسائل، ولهم حرية القول والتظاهر وووووووووو، ينشغل أخواننا في العروبة بطلب الحرية والكرامة ووووو. حتى وإن كانت المحكمة الدولية سيفاً مسلطاً على رقابنا معنوياً وماديا، ومع ذلك لنا ملء الوقت في البحث بشؤون عيشنا وهذا ليس بخطأ مطلقاً.
منذ زمن ليس بالطويل أخذت قناة أل بي سي على عاتقها القيام بحملة توعية وطنية دائمة وشاملة تحت عنوان ‘شوف حالك’. لفتني في هذه الحملة التشجيع على وقف التدخين. فعلى الشاشة دخلت السيجارة في غطاء قلم ‘البيك’ الشعبي الشهير. وكأن المواطن المدخن يكتب وصيته بيده. وهذا يحسب لقناة خاصة موردها إعلاني بحت. ولن يكون هذا الأعلان الوحيد. هناك ركوب الدراجة النارية الإستعراضي، وقيادة السيارة بسرعة خيالية وغير ذلك من أسباب الموت الكامن للشباب.
وضمن التوجه نفسه عاد برنامج ‘كلام الناس’ مع مارسيل غانم من جديد إلى عنوان ‘سلامة الغذاء’. ملف فتحه في العام الماضي على حلقات وترك ذهولاً لدى المستهلك، وعاد إليه هذا العام مع وجود ضحية نتيجة التسمم الغذائي هو الصحافي الشاب محمد طه. من تابع هذه الحلقة وما سبقها من حلقات في العام الماضي يحلف بالله العظيم على تناول الطعام خارج منزله، ومع ذلك المطاعم يلزمها حجز. والغريب أن وزير الصحة على حسن خليل إتصل بالبرنامج متضامناً مع كل ما وصل إليه من نتائج لبعض عينات الطعام التي أرسلت للمختبرات.
هكذا دأب كلام الناس على تنوير المواطنين وتوعيتهم بما يعرف بـ’ثقافة المستهلك’. وهو تحدث عن سوء عظيم في كثير من أنواع الغذاء التي نشاهد لها إعلانات على الشاشات بما فيها شاشة أل بي سي.
فيما كان من واجب اللبنانيين الثورة على الطائفية في زمن الثورات، عليهم أن يثوروا على التجار الذين يتاجرون بغذائهم وصحتهم ويطعمونهم أسوأ أنواع اللحوم. بعد التحرر من الغذاء السيء قد يحين موعد التحرر من الطائفية الأسوأ. فقط لنكون من ضمن السياق العربي وليس خارج السرب.
صحافية من لبنان[email protected]