قيمة الحرية بمدلولها الإنساني الإيجابي، انها تؤمّن كافة الحقوق وتصونها بتوازن، بحيث لا يطغى حق على اخر، بعكس الفوضى التي هي الجانب السلبي للحرية، حيث تكون الغلبة للأقوى فقط، ولذلك فلا قيمة ولا معنى لحرية تنتقص من الحقوق المتكافئة للجميع أكثرية وأقلية، وتفقد كل معانيها السامية وقيمها الانسانية حينما تتحول لصراعات تؤدي لاقتتال ونبذ.. وفق هذا المفهوم المبسط للحرية يلح سؤال على خلفية حال العرب اليوم وهو: هل وظفت شعوب الربيع العربي الحرية التي انتزعتها من أنظمة جففت حريتها عقودا طويلة بذلك المدلول الإنساني لها؟ أم حولتها الى فوضى صراعات تهدد أمنها وسلمها ووحدة كياناتها الوطنية؟ اعرف ان هناك من سوف يتحجج، بان الثورات الكبرى تحتاج لزمن حتى تستقر أوضاعها، والثورة الفرنسية مثال كثيرا ما استدعي لتبرير ما تمر به بلدان الربيع العربي من عدم استقرار وفشل في انتقال سهل ومنظم من حالة ما قبل الثورات لما بعدها، وهو قياس كما أظن ليس في محله، فظروف القرن السابع عشر الميلادي، الذي حدثت فيه الثورة الفرنسية مختلفة تماماً من ناحية التجربة وتراكم المعرفة السياسية تحديدا، عن ظروف الربيع العربي. وعلى العكس من ذلك هناك مثال حي جدير بان يقارن به وهو انتقال شعوب، ما كانت تسمي بأوروبا الشرقية، من ربقة أنظمة شمولية قائمة على أيديولوجية صارمة، سلبت حرية شعوبها عقودا طويلة، لرحاب توافقات سريعا ما أرست أنظمة ديمقراطية كان فيها لحرية الاختيار القيمة التعايشية السلمية، والفيصل في بناء الأنظمة الجديدة، فحققت فورا الاستقرار دونما الحاجة للمرور بمخاض الثورة الفرنسية الصعب، بل حتى الاختلاف الاثني لم يؤثر على الانتقال من الشمولية للحرية الإيجابية، وتشيكوسلوفاكيا مثال على ذلك، حينما توافق التشيك والسلوفاك على الانفصال لدولتين برضا وليس بغلبة، وها هما يتعايشان معا بأمن وسلام، بل ان تجربة أوروبا الشرقية قدمت ما هو ابعد من ذلك حينما ترك للأحزاب الشيوعية والاشتراكية المرتبطة بالأنظمة المزالة حق المشاركة في الحياة السياسية، وترك مصيرها للشعوب لتقرره، من خلال حق الاختيار الحر وحده. لو نظرنا لأحوال دول الربيع العربي، ويمكن استثناء تونس منبع ذلك الربيع لحد ما، لشاهدنا عكس ما جرى في أوروبا الشرقية، فاحوالها لا تسر القريب ولا الصديق، بل تسعد العدو الذي لا يريد للشعوب العربية ان تستقر بحرية وديمقراطية، فالحرية التي انتزعت بثورات الشعوب لم توظف لبناء نظام على قواعد ديمقراطية توحدها رؤية وطنية لا تقصى فيه أقلية ولا تتسلط فيه أكثرية، بل استخدمت في صراعات وصل بعضها للدموية بين مكونات الشعب الواحد، ومن إلقاء نظرة على كل دول ذلك الربيع وزدنا عليها العراق مع اختلاف الحالة لكفى ذلك دليلا بعد هذا يحق لنا أن نسأل اين يكمن الخلل؟ بالقطع ليس في الحرية بقدر ما هو فينا نحن وفي وسائل استخدامنا السلبي لها، فبدلا من استثمارها في بناء أنظمة تعبر عن إرادة وطنية من خلال مشاركة لا مغالبة في اجواء تشعر الجميع بالمسؤولية الوطنية، اندفع الجميع كلا يدعي وصلا بالثورة. وبرزت قمة المأساة في جر الشعوب صانعة الثورة لاتون هذه الصراعات، حتى باتت فيها اداة لا صاحبة قرار، فاكتسبت الحرية وخسرت الاستقرار. في هذه الأجواء المشحونة بنشوة الحرية وسكرتها، غيب التعقل وتسيدت الغوغائية السياسية، ومن خلالها يشك بتسلل ما يعرف بـبالطابور الخامسب الذي يعمل لصالح جهات اجنبية او قوى الأنظمة السابقة لإفساد نتائج الربيع العربي بالدفع لفوضى الصراعات ولاذكاء الفتن السياسية والمذهبية والفئوية من ناحية، ومن ناحية اخرى لجعل الربيع العربي امثوله تتجنب وليس مثلا يحتذى لوأده بعد ان يؤدي لنتائج كارثية على شعوبه وبلدانه، ولعل اخطر أهدافه توفيرالمناخ الملائم لتنفيذ مخططات تقسيم البلدان العربية، كما جاءت في طروحات برنارد لويس الشهيرة، وبوادره واضحة فعليا في العراق وليبيا اليوم، وحدث للسودان بالأمس والمتوقع لسوريا غداً. محصلة القول هي الخشية من ان هذه الأجواء المحمومة بالصراعات العبثية تهيئ لجعل حبل التقسيم على الجرار بفضل حرية لم نحسن استخدامها، والخوف كل الخوف ان نردد بعد قرون مقولة عائشة الحرة ام ابو عبد الله اخر ملوك الأندلس بصيغة اخرى: لنبكي كالنساء ربيعا لم نحافظ عليه كالرجال .