الولايات المتحدة الامريكية كبرى دول العالم، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. مع ذلك، صدّق او لا تصدّق، يعيش اكثر من 46.5 مليون شخص فيها تحت خط الفقر، اي 15 في المئة من اجمالي سكانها، بحسب تقرير صادر عن مكتب التعداد السكاني الامريكي.
هذه النسبة لم تتغير كثيراً بالمقارنة مع العام الماضي. علماً ان خط الفقر لعائلة مؤلفة من اربعة افراد حُدّد بما يعادل 23492 دولاراً من المداخيل السنوية، اي اقل من الف دولار شهرياً.
لبنان ‘دولة ‘ صغرى بين دول العالم، مساحةً وسكاناً واقتصاداً، ومع ذلك تتوقع لجنة الامم المتحدة لغرب آسيا ‘اسكوا’ ان يبلغ عدد اللاجئين السوريين اليه بحلول العام 2014 نحو 2.3 مليون، اي اكثر من 56 في المئة من عدد السكان المقيمين في البلاد. اما عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر فيناهز الـ1.200.000 شخص، اي نحو 30 في المئة من اجمالي عدد السكان. بكلام آخر، لا تزيد نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في لبنان عن ضعف نسبة عدد ‘زملائهم ‘ في الولايات المتحدة.
لماذا الولايات المتحدة افقر، نسبياً، من لبنان؟
ثمة اسباب عدّة، لعل اكثرها صحةً وجدية ان امريكا تورطت (واحياناً ورّطت العالم معها) في حروب طاحنة مذّ وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها العام 1945.
ثمة مقولة، او لعلها ملاحظة مضحكة مبكية، مفادها ان لكل رئيس امريكي حربه الخاصة. لترومان حربه الكورية، ولأيزنهاور حربه ضد الشيوعية، ولكنيدي حربه الكوبية، ولجونسون حربه غير المباشرة (بواسطة ‘اسرائيل’) ضد مصر وسورية العام 1967، ولينكسون حربه الفيتنامية التي ورثها عن اسلافه وانهزم فيها، ولبوش الاب حربه العراقية، ولبوش الابن حربه الافغانية ومن ثم حربه العراقية ايضاً.
هذه الحروب المتلاحقة كلّفت الولايات المتحدة كثيراً، واورثتها ديوناً هائلة (عشرات تريليونات الدولارات ) وسبّبت لها، صيفَ العام 2008، ازمة مالية اقتصادية حادة ما زالت تعانيها وتحاول بصعوبة شديدة الخروج منها.
خلافاً لاسلافه ادرك الرئيس اوباما مبكراً مخاطر هذه الحروب واكلافها واضرارها، فقرر، على ما يبدو، عدم الانزلاق الى المزيد منها، والعمل على تفادي الوقوع في شر مضاعفاتها. هذا ما يفسر عزوفه عن توجيه ضربة عسكرية لسورية، تفادياً لاتساع رقعتها لاحقاً وتكبيد بلاده وسائر المنخرطين فيها خسائر واضراراً بشرية ومادية وحضارية لا طاقة لأية دولة على تحملها.
اجل، لم يبقَ احد في عالمنا المعاصر قادراً على تحمل تبعات الحرب ومخاطرها وتداعياتها المكلفة. اكثر من ذلك، لعله بات واضحاً لبعض القادة والمسؤولين ان السبب الرئيس لعيش ملايين البشر تحت خط الفقر ان بعضاً من الحكام والمسؤولين لا يعيشون تحت خط الفقر، بل تحت خط العقل. ليس ادل على ذلك من ان عدم تعقلهم وقلّة حصافتهم واطماعهم ادّت الى انخراطهم في حروب مكلفة ومهلكة كانوا والبشرية بغنى عنها.
رغم كل هذه الواقعات والإحصائيات والملابسات فإن مجتمع الدول عموماً، ولاسيما الدول الكبرى والاخرى التي لها علاقة بشكل او بآخر بما جرى ويجري في سورية، لا تعير الجوانب الإنسانية والاجتماعية للحرب البشعة التي تدور في مختلف ارجائها منذ سنتين ونصف السنة اهتماماً ومواكبة، او ان حجم الاهتمام والمواكبة المتحققين اقل بكثير من احتياجات النازحين السوريين في الداخل واللاجئين السوريين في الخارج.
لا سبيل الى إغفال حقيقة صارخة هي ان دولاً كبرى ومتوسطة وصغرى تنحاز الى طرفيّ الحرب في سورية وتمدّهما بالدعم السياسي والمالي والعسكري، وانه بغض النظر عن اسباب ذلك الدعم ومشروعيته، فإن أحكام القانون الدولي واعرافه، كما ابسط المبادئ الاخلاقية المتعارف عليها، تقضي بأن تضع تلك الدول في حسبانها المفاعيل والنتائج والتداعيات الإنسانية والاجتماعية الناجمة عن دعمها لطرفيّ الصراع، وان تبادر بلا ابطاء الى معالجتها والتعويض على الاطراف المتضررة جميعاً، دولاً وسكاناً.
المعالجة تكون باتخاذ التدابير واعتماد الإجراءات التي من شأنها وقف الحرب، ذلك انه من دون وقف الحرب ستظل اسباب الضرر والخسارة والمعاناة قائمة، وفي مقدمها تدفق اللاجئين السوريين الى الدول المجاورة، وما ينشأ عنها من مآسٍ، وما تتركه من تداعيات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية على تلك الدول وسكانها.
التعويض على السكان المتضررين يكون بتخصيص مساعدات عينية ومالية واجتماعية مباشرة لهم من الدول ذات الصلة بالحرب، وايصالها بواسطة الحكومات المعنية او وكالات الامم المتحدة المتخصصة. اما التعويض على دول الجوار المتضررة لإعادة إعمارها فيكون، بالدرجة الاولى، مسؤوليةََ الدول المشاركة في الحرب السورية بشكلٍ او بآخر، كما مسؤولية مجتمع الدول عموماً والامم المتحدة خصوصاً.
مع تقديري لمبادئ وافكار ودوافع كل القوى والجماعات المؤيدة لكلٍ من طرفيّ الصراع في سورية وعليها، فإني اعجب لخلو شوارع العرب والعالم من مسيرات وتظاهرات واعتصامات تدعو مجتمع الدول، ولا سيما الدول ذات الصلة المباشرة بالحرب، الى وقفها والمبادرة بلا ابطاء الى اتخاذ ما يقتضي من تدابير واجراءات لبلسمة الجراح ومساعدة النازحين واللاجئين والمتضررين إنسانياً واجتماعياً على نطاق واسع للحؤول دون اكتمال كارثة بشرية واجتماعية هائلة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً منذ مقتل مئات الآلاف في قصف هيروشيما ونجازاكي في اليابان سنة 1945.
آن اوان الصعود من تحت خط الفقر في العقل والحصافة الى سطح الحقيقة والتعقل والمقاربة الإنسانية البعيدة النظر وتغليب الرحمة على النقمة.
‘ كاتب لبناني