العيش علي الإسفلت
عوني الجيوسيالعيش علي الإسفلتأتساءل أحيانا إن كانت قرابة عقدين من الاشتباك اليومي مع الورق قد أنبتت قلم رصاص بين أصابع عماد حجاج، أو أنها أبدلت أظافره بشباةٍ ترشح بموهبة تفيض عن سعة الذراع. أتخيله أحيانا وهو يبري أصابعه علي سطح مكتبه، قبل أن يستل من جلد راحتِه ورقه اليومي، وينطق رسماً بالجملة الغائبة عن صحيفة تغص بالكلام. ربما يبدو في هذا مبالغة مجازية، ولكن معذرتي أني أكتبه وأنا أقلب مجموعة قديمة من رسومات حجَاج عنونها ذات كتاب بالأبيض والأسوأ. يد ممتدة من تحت الركام تقبض علي شارة التوحيد وحجر كتب عليه لا تصالح. بندقية تحتبل بها خارطة فلسطينية وحبل سري يصل خاصرة الوطن بخزان السلاح. عربي يعتلي لاءً خرسانية ويضربها بمعول صيغ علي هيئة نعم مدببة الأطراف. تمثال الحرية الأمريكي وقد تقزم أمام مقلاع لا يخطيء عين الإسرائيلي وسكين ٍٍ حفظت خارطة ظهره. ورجل يتلفح بكوفية وقد سقط حجر من يده بعد أن اخترق صدرَه توقيعٌ أمضي من الرصاص. ليس في أي من هذه الرسوم تاريخ مكتوب، فهي رسوم فوق الأحداث لا يزيدها تصرم الزمن إلا إلحاحاً، فيما حمولتها من المعني تتضخم كالسرطان. شواهد قبور كتب عليها قانا، وعلي مقربة منها حطام لمروحية إسرائيلية. من يصدق بأن هذه رسمت قبل عشر سنوات؟ وكأن التكرار سيد الأحكام في التاريخ العربي، وهو أمر علي فداحته يجعل من كل شاهدٍ علي ما سبق نبوءة مشفرة علي ما هو آت. في جو غرائبي كهذا، فإن الأسود وحده يختصر كل الألوان، ولاتزال أجمل أعمال عماد طوية هذا اللون الجنائزي الفريد. في كثير من هذه الرسوم، أكاد أري حنظلة يطل بين الركام، يطل بين الأبيض والأسوأ. أكاد أراه يستعيد مساحة ورقه المغتالة، ويجد رسما يسند عليه ظهره. كم بقي لحنظلة اليوم من مساحة في رسوم عماد، أتساءل؟أذكر أنني وفي معرض كاريكاتري لحجاج نُظم في العاصمة عمان قبل سنوات عدة، أذكر أنني جلت علي المعروض وقد قسم حسب المواضيع. وعندما أوشكت علي المغادرة، دخل فريق تصوير تلفزيوني، رسمي بطبيعة الحال. وبحاسة فريدة لا يملكها إلا أرباب الرسمية العربية، أشارت المذيعة التلفزيونية المرافقة إلي أخف الرسوم وزنا وأفقرها علي الإطلاق بعد أن أشاحت سريعا عن جناح (الأبيض والأسود) لتنصب الكاميرا أمامها وتوقد قبالتها أعمدة الإضاءة الساطعة. يومها، تحسست قلبي جزعا علي موهبة تتحوطها بيئة رسمية هي النقيض الحتمي لأبجدية الإبداع. وها أنا بعد تلك السنوات السبع، أجد أن الحق جانبني بنصفه، ووافقني بنصفه الآخر. إن المواهب الأصيلة لا يمكن أن تدمر، لكن اختطافها متاح علي الدوام. رسم تهكمي علي الأمين العام لحزب الله في أولي أيام الغزو الإسرائيلي، تتبعها يد إيرانية ترفع شارة النصر بذراعين لبنانيتين داميتين. ماذا تبقي لرسامي إسرائيل كي يرسموه، وأين ذهبت السكين التي تعلو علي التمثال الأمريكي، واليد المنتفضة من تحت الخرائب، وماذا تبقي من لا تصالح؟ تذكرت حينها رسماً قديما لحجاج مثـّل فيه قنبلة ووجهاً عربيا غاضبا علي هيئة أقنعة ساقطة، وبدا لي اليوم أن ما ينقص هذا الرسم هو قناع لقلم رصاص، سقط هو الآخر في أولي أيام عدوانٍ منزوع الأقنعة. وكأن المعادل الكاريكتوري لصرخة شاعر لبناني في غزو 1982 : أتيت يا جيش الخلاص، كأن المعادل الكاريكتوري لذلك النداء بُعث بعد أكثر من عشرين عاماً علي يدي عماد حجاج، بعد أن هذّبه وحوّله من ترحابٍ بالغزو إلي تهكم بمقاوميه. نعم، لقد تحول ذلك التهكم لاحقاً إلي إشادة بمقاومة فقأت عين خصومها ولكن علي نحو مواز لتحول في الموقف الرسمي الذي يبدو عماد متورطا فيه اليوم أكثر من أي وقت مضي. إن مقدمات هذا التغير في رسوم عماد حجاج كانت ظاهرة منذ أن تغيرت نبرة قلمه في القضية الفلسطينية، وتخلّي عن الدور الأهم الذي يلعبه الكاتب والرسام تجاه نضال بالغ الصعوبة ضد عدو خارق القوي: أن ينفض الرتابة عن صور ذلك الكفاح المتواصل، وأن لا يُعيـيـه الشهيد الألف عن إعادة اكتشاف عبقرية الشهادة، رغم أن القاتل والمقتول وساحة الجريمة وأم الشهيد وبركة الدم كلها مكررة منذ ستين عاماً. هذا الدور الذي بلغ عماد ذروته في الأبيض والأسوأ، قبل أن يتحول إلي قضايا الإرهاب ويشرع في إفراز أيقونات حق يراد بها باطل تتبناها الأجهزة الرسمية بأعلي مستوياتها.لقد أصبح اسم عماد حجاج مقرونا اليوم بشخصيته الهزلية المعروفة بأبو محجوب. وإن الأزمنة المختلفة لتفرز حقاً رموزاً مختلفة. فبعد أن كنا في طفل حافي القدمين يعطي العالم ظهره ويغرز وجهه الحرام في الورق وتفيض دلالته عن حدوده المرسومة، أصبحنا اليوم في كهلٍ يجيد السخرية والضحك، وتتركز دلالته في الفوري والآني، ولا يتجاوز في رمزيته زاوية الصحيفة التي تحتضنه. ولربما أن تباين الأزمنة وحده ليس المسؤول عن هذا الاختلاف، فلميلاد الرموز آليات بالغة التعقيد، وقد تكون مديونيتها لقيم المبدئية والجرأة أكثر بكثير من مديونيتها للمواهب. وكأن هذا الصبي الذي وجد إكسير الطفولة في دم خالقه لم يكن له أن يستمر لولا أن صاحبه ذهب بقلمه إلي أقسي حدود المواجهة، وارتضي بما سماه الأبنودي في قصيدته المهداة لناجي العلي، بالموت علي الإسفلت، وبشهادة مبكرة في شارع لندني بعيد. لقد تجنب عماد حجاج هذا المصير، وها هو اليوم وقد أشاد مؤسسة إبداعية تتوزع أعمالها بين رسوم القضايا الكبري والشركات والترويج والإعلان. هل الفقر والموت غايةٌ للمبدع المناضل؟ كلا، ولكنها تبدو في هذا الزمن الرديء شرطاً مأساوياً له. رحمك الله يا ناجي. كاتب من فلسطين0