توفيق رباحي
ليس من السهل ان يضع احدنا نفسه مكان عائلات الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني المحكوم عليهم بالاعدام في ليبيا. فالاكيد ان هذه العائلات تلقت اسوأ هدية عيد ميلاد في حياتها علي الاطلاق. احاول ان اتفم آلامها ومعاناتها فلا استطيع لانها جمرة حقيقة لا يشعر بكيها الا من داس عليها.
ولا اريد ان اضع نفسي مكان عائلات الاطفال ضحايا هذا الحقن الغريب بدم ملوث بفيروس الايدز في مستشفي بنغازي، لانها جمرة اخري لا يشعر بكيها الا من داس عليها.
بعيدا عن تجاذبات وحسابات السياسة، العالم اليوم امام معضلة انسانية نادرا ما اعترضه مثلها. الجهة الوحيدة المتورطة سياسيا الآن هي ليبيا وعليها ان تجد لنفسها مخرجا يحفظ لها ماء الوجه. فتنفيذ حكم الاعدام يعني بداية عزلة دولية مختلفة (اسوأ) من تلك التي فرضتها قضية لوكربي. عزلة يمكن لمس بعض معالمها من خلال قراءة ردود الفعل التي اعقبت صدور الحكم. والتخلي عن تنفيذه يعني ان الحكومة الليبية ستكون مطالَبة بتقديم تفسير لعائلات اطفال ابرياء. ازمة الحكومة الليبية، في هذه الحالة، لن تكون مع معارضين سياسيين او هاربين من اولئك الذين يسميهم العقيد القذافي الزنادقة. قضيتها مع امهات وآباء سلّموا فلذات اكبادهم الي مستشفي حكومي بغرض العلاج، فانتهي بهم الامر الي هذه المأساة.
لكن بقياس التأثيرات والمخاطر، يبدو الشعب الليبي وعائلات الاطفال اقل خطرا علي القذافي ونظام حكمه، اذا ما قررت ليبيا الغاء احكام الاعدام والتفاوض علي صيغة اخري، من خطر غضب وعزلة دوليين لا قِبل لليبيا بهما وهي لم تكمل بعد خروجها من العزلة الاولي. ليس من الوارد هنا التشكيك في نزاهة القضاء الليبي، لكن من الخطأ تناسي ان هذا القضاء عمل بمعزل عن الظروف التي احاطت بالقضية والضغط الدولي الذي صاحبها. بل ليس مجانبا للصواب القول ان هذه الضغوط اكبر من هذا القضاء وربما من ليبيا كلها. لكن طبيعة النظام السياسي الليبي وتركيبته واساليب عمله، وربما سوابق قضائية اخري، تجعل الدول الغربية ترفض الاقتناع بان الحكم سياسي بالدرجة الاولي. حتي بلغاريا التي ليس نظامها القضائي افضل، بالضرورة، من الليبي، قالت وستقول انه حكم سياسي.
الحكم الصادر الثلاثاء هو استمرار منطقي لحكم متشدد صدر في السابق، فلم يكن من الحكمة التراجع عنه باعلان براءة المتهمين الستة. كأننا امام ثنائية ان القضاء يحكم بما يراه مناسبا، بينما يحتفظ الجهاز التنفيذي، العقيد القذافي او ما ينوب عنه او يمثله من اجهزة، بحق تطبيق ما يراه مناسبا.
والحل التوافقي المناسب هنا هو ان تستنفد القضية جميع مراحل التقاضي ويعلن القذافي عفوه وصفحه عن المتهمين. صحيح ان هذا سيحتاج وقتا اطول وصبرا اكثر من المتهمين وعائلاتهم، وجهودا سياسية اخري. لكن بين هذا وذاك، تكون ليبيا قد ربحت وقتا يوضح لها الرؤية اكثر، وتكون قد رتّبت اوراقها السياسية الداخلية وتلك المتعلقة بعلاقاتها مع الدول الكبري.
ليبيا اليوم ليست ليبيا السبعينات والثمانينات. لقد قالها العقيد القذافي مرارا في خطاباته، صراحة وتلميحا: اكتشفت ليبيا الثورية اليوم ان تضحياتها الكثيرة في العقود الماضية لم يكن المستفيدون يستحقونها. وقالها اكثر من مرة: ليبيا خسرت بمغامراتها في السابق، وهي تبحث عن مصالحها حيثما كانت. ومصلحتها ليبيا هذه المرة في عدم تنفيذ حكم الاعدام، بغض النظر موقف طرفي القضية. سيحتاج تنفيذ حكم الاعدام الي شجاعة ومغامرة لا نظير لهما. وواقع الحال ان ليبيا لا تتحمل العواقب والقذافي اذكي من ان يترك حكم يُنفذ فيعيده الي المربع الاول بعد جهود وتضحيات انهت قضية لوكربي وملهي لابيل.9