لندن ـ «القدس العربي»: تزامناً مع الذكرى الحادية عشرة لثورة يناير في مصر، التي اندلعت عقب وفاة الناشط خالد سعيد، بسبب تعذيبه في مركز شرطة في الإسكندرية في حزيران/يونيو 2010، كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الثلاثاء، عن فيديوهات تعذيب ضحاياها معتقلون داخل السجون.
ويُظهر مقطع فيديو، حصلت عليه الصحيفة «الشرطة المصرية وهي تعذب المحتجزين في أحد أقسام الشرطة بالقاهرة، ويشير إلى المدى الذي يستطيع فيه الضباط ممارسة العنف ضد المدنيين مع الإفلات الكامل من العقاب، حسب منظمات حقوق الإنسان».
وبين «المقطع الذي سجله محتجز سراً عبر باب الزنزانة، نزيلين في أوضاع غير مريحة. وهما عاريان من الخصر إلى أعلى ومعلقان بسلك معدني من أذرعهما المقيدة خلف ظهرهما».
وسُمع أحد المحتجزين وهو يقول «شاهدوا كيف يعذبوننا نحن وزملاءنا. جاءوا وقالوا لنا الدور سيأتي عليكم». ويخاطب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقوله: «سيدي الرئيس، نريد أن نسأل لماذا تفعل الشرطة في مركز شرطة السلام هذا بنا؟».
وحسب الصحيفة، يعتقد أن الشريط هو واحد من اثنين سجلا العام الماضي في مركز شرطة السلام بشمال القاهرة.
وفي الشريط الثاني الذي لم تعرضه الصحيفة لحماية هوية المعتقلين، يصطف المعتقلون لإظهار الجراح التي عانوا منها في الزنزانة المزدحمة وأصيبوا بها أثناء تحقيق المسؤولين والمحققين معهم، بما في ذلك جراح مفتوحة على رؤوسهم وأيديهم وكدمات على صدورهم وظهورهم، وقالوا «لقد ضربونا بالعصي».
ومقاطع الفيديو دليل مرئي على الانتهاكات واسعة النطاق التي وثقوها في أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز في جميع أنحاء مصر على مدى العقد الماضي، حسب منظمات حقوق الإنسان.
وقامت الصحيفة بخطوات للتأكد من صحة أشرطة الفيديو، قدر الإمكان، بما في ذلك الطلب من خبير موثوق لتقييم الفيديو. وذكر المعتقلون أسماء ضباط شرطة وردت أسماؤهم في تقارير إخبارية كعاملين في المركز الأول لشرطة السلام.
ووفق «الغارديان» بدأت أشرطة الفيديو التي وثقت وحشية الشرطة تظهر قبل 12 عاما وبعد وفاة الناشط خالد سعيد، 28 عاما، في أثناء اعتقاله في مركز شرطة في الإسكندرية في حزيران/يونيو 2010.
نقطة تحوّل
وذّكرت أن وفاة سعيد نقطة تحول أثارت غضب الرأي العام من تصرفات الشرطة التي لا تخشى من العقاب ومعاملتها للمدنيين المصريين، وهو ما أدى لاحتجاجات بدأت في 25 كانون الثاني/يناير 2011، في يوم الشرطة الذي تكرم فيه الدول قوات أمنها. وقادت الاحتجاجات التي استمرت 18 يوما إلى رحيل حسني مبارك عن الحكم، وبعد مرور 11 عاما على هذه الأحداث، تظهر الشهادات والأدلة التي جمعتها منظمات حقوق الإنسان، أن انتهاكات قوات الأمن المصرية خرجت عن السيطرة.
وبينت الصحيفة أنه منذ وصوله إلى الحكم عام 2013 قاد السيسي عهدا جديدا من حصانة قوى الأمن المصرية وإفلاتها من العقاب ومن أعلى الهرم إلى الصفوف الدنيا في الشرطة.
وعلى الرغم من الحظر الواضح على جميع أشكال التعذيب في الدستور المصري لعام 2014، إلا أن محاكمات وإدانات مسؤولي الأمن بالتعذيب أو القتل أثناء الحجز لا تزال نادرة للغاية، رغم توثيق الانتهاكات بانتظام.
كما تواجه المنظمات المحلية التي تراقب التعذيب والانتهاكات أثناء الاحتجاز المزيد من المصاعب في مواصلة عملها، وسط حملة مستمرة من الضغط على نشاط المجتمع المدني، تبعاً لـ«الغارديان» التي نقلت عن علي حسين مهدي، المعتقل السابق والناشط الذي يعيش في المنفى الآن، قوله إن «مراكز الشرطة أسوأ من السجون. لقد اندلعت الثورة احتجاجا على ما كان يجري في أقسام الشرطة، وبعد 11 عاما نرى أن ما كان يجري سابقا يتكرر مرة أخرى».
أما عمرو مجدي، الخبير في الشؤون المصرية في «هيومن رايتس ووتش» الذي طلبت منه الصحيفة مراجعة مقاطع الفيديو، فقال إن «إصابات المعتقلين واستخدام الأوضاع غير المريحة تتفق مع أمثلة موثقة عن التعذيب في مراكز الاحتجاز. ظهرت على الضحايا جميعا علامات الضرب المبرح، وذكروا أنهم تعرضوا للضرب بالهراوات والعصي الخشبية التي تعتبر أدوات تعذيب روتينية».
وأضاف «نعلم أن معظم التعذيب الجسدي يحدث في مراكز الشرطة ومراكز الاعتقال السرية التابعة لجهاز الأمن الوطني خلال الأيام أو الأسابيع الأولى من الاعتقال، وقبل نقل المعتقلين إلى سجون أكبر».
ووصفت «رايتس ووتش» استخدام الأوضاع غير المريحة والاستخدام المنهجي للتعذيب في أقسام الشرطة في تقرير لها عام 2017 بأنهما «جريمة محتملة ضد الإنسانية».
واستشهد تقرير «الغارديان» بـ 19 حالة فردية تعرض فيها معتقلون للتعذيب في أقسام الشرطة ومقرات الأمن الوطني في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الإسكندرية وأسوان ومدن في دلتا النيل. بالنسبة للبعض فقد عانوا من التعذيب عدة مرات أثناء الاحتجاز، وقالوا «كانت الأدوات الأساسية للتعذيب هي الصعق بالكهرباء والأوضاع غير المريحة المصحوبة بالضرب بقبضات اليد أو بالعصي الخشبية أو بالقضبان المعدنية».
وأضافوا أن ضباط الشرطة وجهاز الأمن الوطني قاموا «بتقييد أيدي المشتبه بهم خلف ظهورهم بالقيود ورفعوا أذرعهم وربطوا القيود بالحافة العلوية للأبواب بحيث بات المعتقلون معلقين في الهواء، وهو وضع غير طبيعي تسبب في آلام مبرحة في الظهر والكتفين، وأدى في بعض الأحيان إلى خلع الكتف. وقام بعض الضباط بشد ساقي المشتبه به إلى أسفل لزيادة الألم. وغالبا ما يترك المعتقلون في أوضاع غير مريحة لفترات طويلة».
حالات وفاة
ووثقت منظمات حقوق الإنسان حالات وفاة المتكررة بين المعتقلين، ففي 2015 قدمت منظمة «أمنستي إنترناشونال» أدلة عن تسع وفيات في مركز شرطة المطرية في القاهرة. وقبل ثلاثة أعوام، طالبت بتحقيق بظروف وفاة جمال عويضة أثناء اعتقاله في منشية ناصر. ولم تتم محاكمة ضباط الشرطة لاستهدافهم المدنيين إلا في حالات نادرة. وفي عام 2016 أمر السيسي وزارة الداخلية بمنع الانتهاكات التي تمارسها الشرطة بعد الشجب لعملية قتل سائق سيارة أجرة. أما في العام الماضي، فقد أدين ضابط شرطة في مركز السلام لإطلاقه النار على مدني وقتله وجرحه آخر، حيث حكم عليه بالسجن لمدة 3 أعوام مع الأشغال الشاقة.
محاكمة الضباط عن الوفيات أثناء الاعتقال تظل، حسب الصحيفة، «نادرة، حتى بالنسبة للضباط الصغار، وتم سجن أربعة ضباط صف لتعذيبهم سجينا حتى الموت في عام 2020، وتم سجن تسعة ضباط شرطة بالسجن مدة 3 أعوام بعدما ضربوا بائعا متجولا حتى الموت عام 2016».