الغارديان: الدرس من انقلاب النيجر هو أن القرار لم يعد بيد القوى الكبرى بل في يد قوى القارة وقادتها المدافعين عن الديمقراطية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “الغارديان” مقال رأي للكاتبة نسرين مالك، حول أزمة النيجر والدرس منها. وقالت إن الأفارقة وليس القوى الدولية، هم مَن سيحددون طريق القارة.

فالافتراض أن موسكو وواشنطن هما من ستُمليان الأحداث، أمر لا يقبله قادة المنطقة، وهنا الأمل، بحسب قول الكاتبة، مضيفة أن “حزام انقلابات” يمتد على طول القارة الأفريقية، ويمضي على طول الساحل ويقطع شمال منطقة الصحراء.

وفي 10 آب/ أغسطس، أصبحت النيجر حيث تمت الإطاحة بالرئيس المنتخب من نخبة عسكرية، الحلقة الأخيرة التي أكملت الدول التي يديرها انقلابيون. وهو تاسع انقلاب في وسط أفريقيا منذ عام 2020. ويبدو الانقلاب من النظرة الأولى، أنه نكسة ويدفع الدول الأفريقية نحو الحكم العسكري، ويضعف الثقافة الديمقراطية، بتعجلٍ من سوء السلوك الروسي لإكمال صورة المنطقة الهشة بناء على نزوات الرجال الأقوياء وتدخلهم.

وتقول نسرين مالك إن الواقع أكثر تعقيدا، وربما يكون مثيرا للأمل. مضيفة: “دعونا أولا نعالج هذا، والذي لم يكن صحيحا بالكامل، فقد تم الحديث كثيرا عن التدخل الروسي في المنطقة، وتحديدا من خلال مجموعة فاغنر، المنتشرة في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وليبيا. أما وجود فاغنر العسكري في الدول الأخرى، فهو ليس واضحا”.

 وعادة ما تحمل طرود الأرز والعدس التي توزع على الفقراء، عبارة: “هدية من يفغيني بريغوجين”، قائد مجموعة فاغنر.

واقترح بوتين تحريرَ الدول الأفريقية من “الاستعمار الجديد”. وفي النيجر، تجمع مؤيدو الانقلاب وهم يلوّحون بالأعلام الروسية، وهتفوا “تسقط فرنسا”، وهذا ليس للتقليل من شأن فاغنر، وتأثير روسيا، إلا أن هؤلاء هم مساعدون، وليسوا أسبابا لسلسلة الانقلابات منذ 2020.

ويعمل وجود المرتزقة على الأرض للفت انتباه الولايات المتحدة والتدافع الدبلوماسي، بشكل يخلق انطباعا أن هذه الانقلابات هي مناوشات بالوكالة على السلطة ونيابة عن أنظمة أجنبية، وهو ما يخفي الديناميات الحقيقية على الأرض.

وأدى وجود الجهاديين في المنطقة، لعمليات عسكرية ضيقة النظر من الدول الغربية التي نشرت قواتها في النيجر ومنطقة غرب أفريقيا. إلا أن هذا لن يحل المشكلة، أو يساعد في فهم حقيقة النشاطات الإرهابية، والانقلابات التي هي نفسها عرضة لتوجهات ديمغرافية واقتصادية عبر المنطقة، وليس نتيجة غياب الاستقرار الديمقراطي.

وهو ما يقودنا لأسباب هذه الانقلابات، فهي غير مريحة للدول الأجنبية، ولكنها في جزء منها، محلية بشكل مفرط وفي طور الحدوث. فهناك دول ضعيفة وجيوش قوية وقوى شبه عسكرية، وتغيرات مناخية عرقلت طرق الحياة، إلى جانب النمو السكاني المطّرد، الذي أدى لسكان فقراء بدون أي أمل اقتصادي. كل هذا ساهم في تقوية الحكومات للسيطرة على الحكم، ونشر بذور اليأس وفقدان الإرادة بين الناس، ويقوم القادة الجذابون الشباب والأقوياء، باستغلال هذه العوامل.

ومن السهل أن تجمع هذه الأسباب ضمن نتيجة عدمية ،وهي أن مناطق في أفريقيا تتميز بهذه الأشكال، وتظل بالتالي عرضة لدوامة العنف. ولكن هذه المشاكل البنيوية توجد جنبا إلى جنب مع محاولات بناء وتنشئة ديمقراطية مستدامة، برغم هذه التحديات.

والنيجر هي قصة جيدة للأخبار، فرئيسها المخلوع وصل إلى الحكم عام 2021 وهو أول رئيس يتسلم السلطة بطريقة سلمية منذ الاستقلال. وهو أيضا رئيس شهد انقلابا قبل تولي المنصب.

وفي السودان، الجزء الأخير من حزام الانقلابات، فقد شهد البلد ثورة شعبية ضد حكم عمر البشير الذي أطيح به عام 2019، ثم جاء انقلاب في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 لوقف جهود الانتقال السياسي والقضاء على طموحات الشباب، ثم الترنح نحو حرب بين فصيلين عسكريين.

والنتيجة هي منظور يحمل أملا، رغم أنه لا يبدو كذلك، لأن القارة لم تعد تتقبل التعامل مع الانقلابات كشيء مقبول. وهناك شعور من دول المنطقة والمنظمات الإقليمية بضرورة تشجيع الحكومات الديمقراطية، فتطبيع الإطاحة بحكومة إقليمية، يؤدي إلى حالة من العدوى ويعرقل كل من منظور للقارة.

وكما هو الحال، فالأجواء الجوية في ليبيا بشمال أفريقيا، والنيجر في الغرب والسودان في الشرق، مغلقة أمام الرحلات التجارية، مما يخلق مثلثا يجب على حركة الطيران أن يتجنبه.

وأُجبر الطيران الأوروبي في الأشهر الأخيرة على تغيير مساراته مرتين، لأن الدول أصبحت غير آمنة  للتحليق فوقها. والرهانات عالية، ليس من ناحية الأمن ولكن التجارة. وكانت نتيجة انقلاب النيجر هي الرد من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)، وهو أمر غير مسبوق، وهددت المجموعة برد عسكري لو لم يُعد الانقلابيون الرئيسَ محمد بازوم إلى السلطة.

وألغت المجموعة لقاءً لتحديد تفاصيل العملية العسكرية مرتين، لكن التهديد والشجب القوي لم يتغير. وفي الأسبوع الماضي، فعّلت المجموعة حالة التأهب لدى قواتها للتدخل في النيجر، حيث قال الرئيس النيجيري بولا طنيبو، إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة.

وقال المعلق المعروف بشؤون أفريقيا، هاوارد فرينتش: “هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها… الأفارقة سيكسرون المشهد الجيوسياسي للقارة عن المتطفلين الأجانب، مهما كانت عضلاتهم قوية، فمصيرها أن تلعب دورا ثانويا”.

ووسط التأطيرات التي تستعيد الحرب الباردة والحسابات العسكرية بشأن العدوى الجهادية، والشكوى من خسارة المستعمرين السابقين التأثير، فإن انقلاب النيجر والانقلابات التي سبقته، قد تكون طريقا لمستقبل يعتمد فيه استقرار القارة على شروطها، وليس دوائر البحث والتحليل والبنتاغون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية