الغارديان: حرب غزة كشفت عن استعداد الإسرائيليين للموافقة على تدمير غزة وعن هشاشة الليبراليين العلمانيين

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”:

قال المحامي والكاتب الفلسطيني، مؤسس جمعية الحق لحقوق الإنسان، رجا شحادة، إنه وبعد ستة أشهر من الحرب في غزة، فإنه بات يخشى من ضياع فلسطين بالكامل.

وفي مقال نشره بصحيفة “الغارديان” قال إن الهجوم الإسرائيلي على غزة كان على قاعدة لم يرُ مثلها من قبل. وأضاف: “ستة أشهر من الحرب الإجرامية على غزة، قضيت وقتي في رام الله وأنا أقرأ الأخبار المدمرة، أشعر بالعجز ومحطم القلب. ومع ذلك، عدت في صباح يوم ما إلى كتاب حنا أرندت وقرأت كلماتها: عندما تكون تجربة العجز في أقصى حالاتها، وعندما يبدو التاريخ أكثر كآبة، فإن التصميم على التفكير كإنسان وبشكل إبداعي وشجاع ومعقد هو الأكثر أهمية”.

وتابع: “أتساءل إن كان الإسرائيليون الذين يشعرون بالعجز أمام الغالبية التي تريد على ما يبدو استمرار الحرب بلا نهاية، أو نحن الفلسطينيون، ضحايا الضربة الكاملة للتفوق الإسرائيلي والأجندة التوسعية، قادرين على فعل هذا. وحتى الآن تكشف الأدلة أننا لم نكن قادرين”.

وهناك عدة أمور أصبحت واضحة، يقول شحادة، منها عودة الظهور في إسرائيل للجماعات اليهودية المفرطة في التشدد، من مستوطنين ودعاة التفوق اليهودي وأجندتهم التوسعية التي لا هوادة فيها. وبدا الأمر وكأن هذه الجماعات المتمردة كانت تنتظر الفرصة لتحقيق أهدافها الاستعمارية.

فالضفة الغربية أيضا مقطعة بالحواجز، ومغلقة بالأبواب الحديدية التي تقيد الوصول إلى القرى، فيما يواصل المستوطنون طرد الفلسطينيين من أراضيهم. وبالنسبة لغزة، فقد أُعدت الخطط لإعادة المستوطنين إلى شمال القطاع.

ويقول شحادة إن الفلسطينيين وعلى مدى 75 عاما وهم يطالبون باعتراف من إسرائيل إن لم يكن اعتذارا وتصحيحا عن الرعب الذي ارتكب أثناء النكبة في 1948، عندما أُجبر أكثر من 700,000 فلسطيني على ترك  بيوتهم فيما بات يعرف اليوم بإسرائيل. و”الآن تفاقمت المأساة، مما يجعلني أشعر أنني قضيت الـ50 عاما الماضية للاعتياد على خسارة فلسطين، وأنني قد أقضي ما تبقى من حياتي للاعتياد على خسارة فلسطين برمتها”.

وأضاف شحادة أن الحرب الحالية فضحت ضعف الليبراليين العلمانيين في إسرائيل، واحتشادهم شبه الكامل وراء ما يُفترض أنها عظمة الجيش الإسرائيلي، وفشلهم في الوقت نفسه بالتفكير في التداعيات طويلة المدى لجرائم جيشهم المفرطة. فهناك افتقار محزن للجاهزية بين السكان الإسرائيليين اليهود لعقد سلام مع جيرانهم، مقابل التزامهم المطلق باستخدام القوة لتدمير الفلسطينيين مهما كان الثمن. وقال: “أخبرني صديق إسرائيلي بطريقة يائسة: أنا أقلية في أقلية أقلية”.

وقُتل حتى الآن أكثر من 33,000 شخص على يد القوات الإسرائيلية في غزة، وهناك تقبل من غالبية الإسرائيليين للخط السياسي الحكومي، وهو أن حماس “حيوانات بشرية”، والذي ترافق مع اعتقاد قوي بأن بالترويج للجرائم التي ارتكبتها حماس ضد المدنيين الإسرائيليين، فإن العالم سيعذرها على تدمير كامل السكان في غزة. فاتهامات مثل وضع الذخيرة في المستشفيات، واستخدام المدنيين دروعا بشرية، قُبلت بدون وعي، كما أشار كاتب العمود الإسرائيلي بي مايكل، وهي نفس التكتيكات التي استخدمتها إسرائيل في حربها ضد بريطانيا وبعد ذلك ضد الفلسطينيين، عندما تم إخفاء الأسلحة في مستشفى هداسا وبناء المستوطنات المدنية في أماكن استراتيجية.

ويقول شحادة إن “الجرائم الإسرائيلية في غزة غير مسبوقة وضخمة ولا يمكن قياسها على ما جربناه في أي وقت بالماضي”. وتابع: “سألت صديقي الإسرائيلي عن أصوات العقل والتعاطف من الذين خرجوا للشوارع بعد مذبحة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982، وكان جوابه أن إسرائيل كانت حينذاك بلدا مختلفا”.

وقال الكاتب إن الحرب كشفت عن فشل حماس في توقع الرد الإسرائيلي وتحضير المدنيين لذلك. مع أن المنظمة نجحت في القيام بعملية عسكرية معقدة وقتل مدنيين إسرائيليين في خرق لقوانين الحرب الدولية، وفق قوله، معرضة سكان غزة لهجوم انتقامي لا هوادة فيه من خصمها.

وأكدت الحرب الدعم القوي والثابت من الولايات المتحدة لإسرائيل. فرغم وصف مسؤول سابق في الأمم المتحدة القتل في غزة بأنه الأعلى “منذ حرب الإبادة في رواندا في 1994” إلا أن تدفق الأسلحة إلى إسرائيل من حليفتها الأمريكية لم يتوقف.

ويقول الكاتب إن الحرب في غزة ستتوقف في النهاية، و”أخشى التفكير، عندما سيحدث هذا أخيرا، كم من الوفيات التي ستضاف إلى عشرات الآلاف الذين قتلوا، وأخشى التفكير بمشاهدة مزيد من صور الدمار لغزة عندما يتم فتح القطاع أمام الصحافيين. وستكون هناك مرارة سيشعر بها الأسرى الإسرائيليون وعائلاتهم، هذا إن خرجوا أحياء. وعلينا عندها التفكير بكل هذا. وبعد كل هذا الرعب، كيف سنعيش نحن الفلسطينيون والإسرائيليون على قطعة الأرض التي نعتبرها وطنا لنا؟”.

وفي الوقت الذي تستمر فيه الحرب الوحشية بغزة، هناك نوع من الحرب الأخرى التي تجري في الضفة الغربية. وبعد 57 عاما من الاحتلال الإسرائيلي، يُحرم المزارعون الفلسطينيون من أرضهم ومن المياه. وهناك تحول من الزراعة إلى اقتصاد الخدمات والاعتماد القوي على العمل في إسرائيل.

ومنذ بداية الحرب، مُنع العمال الفلسطينيون من العودة إلى إسرائيل، باستثناء من يعملون في المستوطنات بالضفة الغربية. وأصبح الكثيرون فقراء بسبب عدم توفر العمل. وفي رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية، زادت أسعار الأرض بسبب ندرتها، وبسبب سياسات التخطيط التمييزية الإسرائيلية. ولأن المدن باتت مقيدة في مساحة صغيرة، فإنه صار من اللازم استخدام كل قطعة أرض فيها إلى الحد الأقصى.

والخيار الوحيد والمتاح هو التوسع عموديا و”مع أنني أعيش مع صوت الحفر الدائم، فمَن هم في غزة لم يكونوا قادرين على منافسة القوة الجوية، ولهذا حاولوا حماية أنفسهم ومواصلة القتال عبر الأنفاق. وفي معظم الأيام، تهيمن على الجو فوقنا، المقاتلاتُ الإسرائيلية في طريقها إلى غزة لقصف المدنيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية