لندن ـ “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده زيك هانتر- غرين وكارمن إغويلار غارسيا وآنا ليتش ومارك تاونسند وباميلا دانكان وبرينا شاه عن الكيفية التي يستخدم فيها المستوطنون في الضفة الغربية أراضي الفلسطينيين المسروقة لتأجيرها وتوليد الأموال منها.
وقالوا إنه في الوقت الذي نشرت فيه إسرائيل دباباتها في الضفة الغربية ولأول مرة منذ 20 عاما، فإن هناك عالم آخر تقوم فيه أكبر شركات سفر في العالم بمساعدة المستوطنين على جعل الأراضي الفلسطينية سلعة تجارية مربحة.
وفي بداية التحقيق أشارت الصحيفة إلى إعلان على شركة “إير بي أن بي” يصف فيلا بأنها “مذهلة وبحمام سباحة خاصة وحديقة خضراء وموقد نار وطاولة طويلة للطعام وطاولة تنس وشرفة وبيانو، لكن أهم ما في الفيلا هو مشاهدة شروق الشمس فوف الجبال القريبة، من غرفة النوم” في شقة أقيمت على جبال الضفة “جبال يهودا” في الإعلان وأقيمت على أراض غير شرعية بحسب القانون الإنساني الدولي. وتضيف الصحيفة إن الفلسطينيين غير مسموح لهم بدخول هذه المستوطنات الإسرائيلية، وإن سمح لهم فكعمال وبتصاريح.
ووجد تحليل حصري لصحيفة ” الغارديان” أن هناك 760 غرفة معلن عنها في الفنادق والشقق وغيرها من أماكن قضاء العطلات في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وعلى أكثر مواقع السياحة شهرة في العالم، إير بي أن بي.
وفي المحصلة تقدم القائمة على إير بي أن بي بوكينيغ دوت كوم صورة عن استضافة أكثر من 2,000 شخصا في هذه الغرف وكانت الفيلا المعلنة واحدة منها.
في الوقت الذي نشرت فيه إسرائيل دباباتها في الضفة الغربية ولأول مرة منذ 20 عاما، فإن هناك عالم آخر تقوم فيه أكبر شركات سفر في العالم بمساعدة المستوطنين على جعل الأراضي الفلسطينية سلعة تجارية مربحة
ووصفت مستوطنة تكواع في القائمة التي حللتها الصحيفة بأنها “مجمتع سكني هادئ، محترم ومتنوع”. ولا يوجد أي ذكر للمواجهات خارجها والتي شملت استخدام الهراوات والبنادق والكلاب وأجبرت الفلسطينيين الذين يعيشون قربها على ترك أراضيهم. وفي دائرة محيطها أربعة أميال من المستوطنة أجبر ما لا يقل عن 100 فلسطينيا على النزوح منذ عام 2023. وقد زادت وتيرة العنف والإستيلاء على الأراضي بشكل كبير بعد بدء الحرب على غزة.
على الرغم من العنف الأخير، كانت تكواع – وهي منطقة معروفة بجمالها الطبيعي ومزارعها العضوية ومحمية نحال تكواع الطبيعية التي تديرها إسرائيل والمنتزه الوطني هيروديون – هي المستوطنة في الضفة الغربية التي تضم أعلى عدد من أماكن الإيجار للعطلة، خارج القدس الشرقية المدرجة على إير بي أن بي. وأشارت الصحيفة في عرض لصور وبيانات ان المستوطنين صوروا تكواع على أنها قائمة على حافة صحراء فارغة متجاهلين المجتمعات الفلسطينيية حولها، وكيف تحولت هذه المستوطنة من قاعدة عسكرية إلى مستوطنة يسكنها 4,000 شخصا مزودة بساحة عامة وحمام سباحة.
ونشرت الصحيفة فيديو لراعي الماشية محمد الذي كان يقود ماشيته في التلال عندما أمره الجيش الإسرائيلي بالتوقف واتهمه بدخول منطقة ممنوعة وكيف تعرض للضرب، في وقت حاول فيه شقيقه وأمه تحريره. ثم صودرت ماشيته وأمر بالنزوح عن بيته وسرق كل ما فيه من أطنان من علف الشعير والزيتون وغير ذلك.
وعلى خلاف العنف الذي يمارس ضد الفلسطينيين فإن إعلان إير بي أن بي يصف تكواع بأنها “مستوطنة جماعية استثنائية” ويعيش فيها “مجتمع دافيء ومرحب” وهي “منطقة ترحب بزوارها”، وقال العديد من سكانها إنهم في إسرائيل، في وقت يحكم عليهم القانون الدولي بأنهم يقيمون على أراض فلسطينية.
وبنفس الطريقة التي وصفت فيها تكواع بالمجتمع المرحب بزواره المطل على القدس وبيت لحم، وصفت إعلانات إير بي أن بي بؤرة استيطانية عند البحر الميت التي يعيش فيها 400 شخصا وتم تصوير مزارع النخيل فيها ضمن المواقع المعروضة للزيارة. وتقدم أنها مجتمع ديني متعدد، في وقت لا يسمح فيه للفلسطينيين الذين يعيشون حولها بالإقتراب منها. وتقول “الغارديان” إنها أحصت حوالي 350 عقارا، منها 321 منزلا وشقة وغرفا على إعلانات إير بي أن بي و 26 فندقا على قوائم بوكينغ دوت كوم، في الضفة الغربية والقدس الشرقية حتى 30 آب/أغسطس 2024. وتم احتساب غرف الفنادق أو أماكن الإقامة للعطلات المدرجة على كلا الموقعين مرة واحدة فقط. وتمت إزالة النسخ المكررة من خلال تعيين أماكن الإقامة للعطلات (تلك الموجودة في الشقق والمنازل) على أنها إير بي أن بي وغرف الفنادق على أنها بوكينغ دوت كوم.
و بالنظر إلى القوائم بدلا من العقارات، كان هناك 402 في المجموع في جميع أنحاء الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية – 350 على إير بي أن بي و 52 على بوكينغ دوت كوم.
وتتضمن قوائم إير بي أن بي التي وجدها تحليل “الغارديان” 18 قائمة تقع في بؤر استيطانية أو مستوطنات تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي وغير مصرح بها رسميا من قبل الحكومة الإسرائيلية وضد القانون الإسرائيلي.
وتقول الصحيفة إن أهم موقعي حجز للسفر والعطلات مثل بوكينغ دوت كوم وإير بي أن بي يخرقان القانون الدولي. وقد تم تحديد الموقعين ضمن 16 شركة غير إسرائيلية لها علاقة بالمستوطنات الإسرائيلية في قائمة أعدتها الأمم المتحدة . وقالت مديرة الرد على الأزمة في أمنستي انترناشونال- بريطانيا، كريستين بنيدكيت: “أي شركة تتعامل تجاريا مع مستوطنات غير قانونية تسهم في جرائم الحرب وتساعد على دعم نظام الفصل العنصري”. وأضافت “مع قتل المستوطنين والجيش الإسرائيلي وجرج أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين في الأشهر الـ 15 الأخيرة، فشركات السياحة تجعل من نفسها متواطئة في النظام الإسرائيلي من جرائم الحرب الغارق في الدماء والإضطهاد المنظم”.
وقالت ساري باشي، مديرة البرامج في هيومن رايتس ووتش، إن السماح لـ “إير بي أن بي” و”بوكينغ دوت كوم” بإدراج العقارات في المستوطنات الإسرائيلية على مواقعهما الإلكترونية “يساهم في الاستيلاء على الأراضي وتقييد الحركة وحتى التهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، وهي الانتهاكات التي ترتكبها السلطات الإسرائيلية من أجل الحفاظ على القمع والهيمنة على الفلسطينيين كجزء من جريمة ضد الإنسانية تتمثل في الفصل العنصري”. وأضافت أنه ” لا ينبغي للشركات أن تمكن أو تسهل أو تستفيد من الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي. لقد حان الوقت لكلا الشركتين للتوقف عن ممارسة الأعمال التجارية في الأراضي المحتلة على الأراضي المسروقة”.
كما اجتذبت استضافة الشركتين لقوائم العقارات على الأراضي الفلسطينية المحتلة تحديات قانونية. ويواصل المدعون العامون الهولنديون التحقيق في شكوى جنائية ضد بوكينغ دوت كوم بسبب إدراجها لعقارات للإيجار في المستوطنات الإسرائيلية، دون اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتم اتخاذ إجراءات أخرى. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024 قدمت منظمة هولندية غير ربحية اسمها مركز أبحاث الشركات المتعددة الجنسيات (سومو) شكوى إلى المدعي العام الهولندي، حيث اتهمت بوكينغ دوت كوم بـ “الاستفادة من جرائم الحرب من خلال تسهيل تأجير منازل العطلات على أرض مسروقة من السكان الفلسطينيين الأصليين”.
“الغارديان” أحصت حوالي 350 عقارا، منها 321 منزلا وشقة وغرفا على إعلانات “إير بي أن بي” و 26 فندقا على قوائم “بوكينغ دوت كوم”، في الضفة الغربية والقدس الشرقية حتى 30 أغسطس 2024
وفي الشهر الماضي، قدمت المجموعة أدلة جديدة إلى المدعين العامين الهولنديين تزعم أنه منذ تقديم الشكوى الأولية، قامت بوكينغ دوت كوم “بتوسيع كبير” لقوائمها في الضفة الغربية المحتلة. وقالت ليديا دي ليو من سومو، التي تقود الشكوى، لصحيفة “الغارديان”: “يمكننا أن نرى من قوائم [بوكينغ دوت كوم] المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنهم لا ينوون على الإطلاق التوقف عن فعل ما يفعلونه”. وفي رأي استشاري تاريخي صدر في تموز/يوليو 2024، أمرت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، قائلة إن وجودها هناك ينتهك القانون الدولي. كما نصحت الدول الأعضاء بعدم الاعتراف بالاحتلال باعتباره قانونيا، أو تقديم المساعدة أو المساعدة في الحفاظ على الوضع. وزعم المستوطنون أن القوائم المدرجة على الشركتين أدرجت باعتبارها إسرائيلية وليست فلسطينية محتلة، وهناك فقط موقعين أدرجا بشكل واضح بأنهما على أرض فلسطينية. أما البقية فقد أدرجت من ناحية العنوان والموقع على أنها إسرائيلية. وفي 30 آب/أغسطس 2024 أدرجت ثلاث فنادق من 26 فندقا في المستوطنات الإسرائيلية العنوان بأنه على أرض فلسطينية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2018 أعلنت إير بي أن بي أنها ستزيل حوالي 200 قائمة في الضفة الغربية المحتلة، لكن الشركة تراجعت عن قرارها بعد أشهر بعد أن رفع محامون إسرائيليون دعوى قضائية جماعية نيابة عن المضيفين وغيرهم ضد إزالة القوائم. وقالت الشركة إنها تتبرع بالأرباح من المنطقة لمنظمات الإغاثة. وقال تقرير لأمنستي انترناشونال في عام 2019 إن الحكومة الإسرائيلية كانت تزيد من دعمها لصناعة السياحة المرتبطة بالمستوطنات وقد شيدت “العديد من مستوطناتها بالقرب من المواقع الأثرية لتوضيح الارتباط بين دولة إسرائيل الحديثة وتاريخها اليهودي”. وأضاف التقرير أن “تعيين مواقع معينة كمواقع سياحية يستخدمه أيضا الحكومة الإسرائيلية لتبرير الاستيلاء على الأراضي والمنازل الفلسطينية”، مما أدى إلى عمليات الإخلاء القسري والقيود المفروضة على الفلسطينيين لتوسيع منازلهم أو زراعة الأرض.
إن سياسة إسرائيل في استغلال المواقع التاريخية والدينية وكذلك المناطق ذات الجمال الطبيعي والمحميات الطبيعية المخصصة والمتنزهات الوطنية في الضفة الغربية للسياحة الدولية سارت جنبا إلى جنب مع إضعاف صناعة السياحة الفلسطينية، وفقا لتقرير صدر عام 2017 عن قطاع السياحة الإسرائيلي من قبل منظمة غير حكومية إسرائيلية تسمى “هو بروفيتس”. وعلى سبيل المثال، 0.3٪ فقط من المرشدين السياحيين المرخص لهم بقيادة الجولات في إسرائيل والضفة الغربية هم فلسطينيون، على الرغم من أن ما يقرب من 40٪ من المواقع السياحية التي زارها السياح الدوليون إلى إسرائيل في عام 2014 تقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي ردهما على التحقيق الذي قامت به الصحيفة، رفضت إير بي أن بي الكشف عن التبرعات التي قدمتها للمنظمات الإنسانية منذ عام 2019.