لندن ـ “القدس العربي”:
قال البرفسور مصطفى بيومي، استاذ اللغة الإنكليزية بكلية بروكلين، في سيتي يونيفرسيتي بنيويورك في مقال له بصحيفة “الغارديان” إن المعايير المزدوجة فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين تتركنا في ظلام أخلاقي.
وأكد أنه في الوقت الذي يدعم فيه الرئيس جو بايدن وفولدمير زيلينسكي الحرب التي يقولان إنها “غير مبررة” فإن السكان العزل هم الذي يدفعون ثمن التضليل. وقال الكاتب إنه “طالما ما أمقت مشاهدة تغطية الولايات المتحدة للحروب، والآن ليس استثناء. وبعد هجوم حماس القاتل على إسرائيل وقصف الأخيرة الجهنمي لغزة، حاولت مشاهدة أم أي أن بي سي، ولم يمض وقت طويل حتى سمعت أحد مراسيلهم وهو يتحدث عن التاريخ العنيف بين الشعبين، وكأن فلسطين هي بلد، وكان عليّ أن أقفل التلفاز وآخذ استراحة”. وشدد على أن “فلسطين ليست دولة، وهذه هي النقطة الجوهرية، والفلسطينيون في غزة والضفة الغربية وداخل إسرائيل يعيشون تحت أنظمة متعددة من التمييز المنظم والقمع، وكل هذا يجعل الحياة فيها غير ممكنة تقريبا، وإن لم يكن الإعلام الأمريكي قادرا على تأطير هذا بطريقة صحيحة فما معنى تغطيتها؟”. ويرى الكاتب أن هذا لا علاقة له بالكسل، بل بالتماهي الانعكاسي مع إسرائيل من قبل العاملين في الإعلام والسياسة الذي يخفي الصورة الكاملة عما يحدث بين إسرائيل والفلسطينيين.
ففي السابع من تشرين الاول/أكتوبر قالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي ادريان واتسون بأن الولايات المتحدة: “تشجب بدون لبس هجمات حماس الإرهابية غير المبررة ضد المدنيين الإسرائيليين”. وعلى الجميع منا، شجب مقتل كل مدني، إسرائيلي أم فلسطيني وغير ذلك، ولكن استخدام واتسون لكلمة “غير مبررة” تعني الكثير هنا. فما الذي يمكن اعتباره استفزازا؟ ليس، على ما يبدو العدد الكبير من المستوطنين، وأكثر من 800 حسب تقديرات الإعلام الذين اقتحموا المسجد الأقصى في 5 تشرين الأول/أكتوبر. وليس الـ 248 فلسطينيا الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين منذ الأول من كانون الثاني/يناير وحتى 4 تشرين الأول/أكتوبر هذا العام، وليس تجاهل حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية وعلى مدى عقود.
وأشار الكاتب إلى أنه يمكن للواحد أن يرى معظم هذه الأفعال استفزازات بدون أن يدعم أفعال عنف إجرامية ضد المدنيين. لكن لو كنت تتابع الأخبار الأمريكية، فإن من المحتمل أنك ستفترض أن الفلسطينيين هم الذين يتحركون وإسرائيل، هي من ترد عليهم. وربما افترضت أن الفلسطينيين هم الذين يستعمرون إسرائيل وليس غير ذلك. وربما اعتقدت أن إسرائيل التي تسيطر على خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وغزة وتحرمهم من حقوقهم للتصويت في الانتخابات هي دولة ديمقراطية.
وأضاف الكاتب قبل ذلك يجب الاعتراف بك كإنسان أولا، ومن لديه السلطة لاعتبارهم بشرا، ربما وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت الذي قال: “أمرت بحصار كامل على قطاع غزة، ولن يكون هناك كهرباء ولا طعام ولا وقود. كل شيء مغلق، ونحن نتعامل مع حيوانات بشرية ونتصرف بناء على ذلك”. وتساءل: كيف يمكن لأنصار إسرائيل في الولايات المتحدة وأماكن أخرى التعامل مع هذه اللغة وسياسة العقاب الجماعي لكل سكان غزة باعتبارها مقبولة ويمكن الدفاع عنها؟ وشدد الكاتب قائلا: “يجب أن أكون واضحا، لغة غالانت ليست خطابا عن الردع، بل عن الإبادة”.
ولفت إلى النفاق المزعج في حرب أوكرانيا، وقال إن الكثيرين حول العالم يدعمون مقاومة أوكرانيا للاحتلال الأجنبي، وعليهم عمل هذا. ولكنهم يحرمون الفلسطينيين وبسرور من حق مقاومة الاحتلال، بل ويجردونهم من كل الوسائل السلمية للمقاومة مثل حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات التي يتم شيطنتها، بل وتجريمها.
وأضاف متسائلا: لماذا كل هذه المعايير المزدوجة؟ مشيرا إلى أنه للغرابة فإن هذه المواقف توجد في أعلى المستويات، فقد عبر زيلينسكي مرتين عن دعمه لإسرائيل وخلال الأيام الأخيرة بقوله “لا جدال في حق إسرائيل الدفاع عن نفسها”، فهل يمكنه قول هذا عن حق الروس في داخل أراضيه؟ ليؤكد الكاتب بالطبع لا، ويضيف أنه على زيلينسكي أن ينظر لبلده الذي تعرض للغزو والمحتل هو مثل وضع الفلسطينيين وليس الإسرائيليين.
وأردف الكاتب أن التشويش في كل مكان وكذا المعايير المزدوجة، وأنه بالتأكيد سنسمع الكثير في الولايات المتحدة عن الإسرائيليين الأمريكيين الذي قتلوا أو اختطفتهم حماس، ولكن ماذا عن الأصوات الصاعدة عن نفس العدد من الفلسطينيين الأمريكيين الذين هددوا أو قتلوا في غزة؟ وهل طلبوا إجابات عندما أطلق الجيش الإسرائيلي وقتل الصحافية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة في 2022″
ولفت إلى أنه قد تكون المعايير المزدوجة متوقعة، وفي ظل الطريقة التي نوقشت فيها محنة الفلسطينيين في الماضي، إلا أن هذا لا يلغي ظلامها الأخلاقي. وشدد على أنها “خطيرة ونحن على أعتاب حكومة إسرائيلية تقوم باستخدام عنف غير مسبوق ضد سكان عزل ومحاصرين لكل تغطي على أخطائها القاتلة وحرجها. وواحدة من الطرق التي تعمل بها المعايير المزدوجة من خلال المساواة الفاسدة، والحديث عن طرفين متساويين وبتناسق تام في القوة بين دولة إسرائيلية وجماعات سكانية متفرقة تشكل الشعب الفلسطيني، رغم أنه لا توجد مساواة، فهناك طرف يهمين على الطرف الأخر، وهناك طرف يستعمر الأخر”.
وأشار الكاتب إلى أنه “تم بيعنا بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993 الكثير من الوعود، منها أن الطريق للخروج من هذا الظلم التاريخي هو حل تفاوضي يعطي الفلسطينيين دولتهم. وكان واضحا للكثيرين منا أن الأمر قد تحول ومنذ وقت إلى وهم ضروري تمسك به الطرف الأقوى، ويبدو الحل التفاوضي اليوم، بعيد جدا. وهذا محزن ومخيف، لأنه من المحتمل أننا ندخل مرحلة طويلة أخرى ومؤلمة، حيث يتحول فيها الكفاح المسلح والهيمنة العنيفة بطريقة يعتمد كل منهما على الآخر للبقاء، ولن ينتصر أحد”.
ويختم بالقول “سيبقى الفلسطينيون ولا يمكن محوهم، وستظل إسرائيل، والمستقبل حافل بسفك الدم المخيف وغير الضروري، واستمرار الغرب بالتمسك بالمعايير المزدوجة يجعله متحملا الجزء الأكبر من المسؤولية”.