لندن- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “الغارديان” إن ملحمة ناظم زهاوي، رئيس حزب المحافظين السابق، تعتبر ضربة موجعة لرئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك.
وفي تقرير أعدته مراسلة الشؤون السياسية بيبا كريرار، قالت إن رئيس الوزراء تحرك بشكل حاسم عندما تلقى نصيحة مستشاره لأخلاقيات العمل الوزاري، لكنه كان يستطيع التحرك ومعرفة القضية قبل أسبوعين عندما بدأ الجدل حول شؤون وتعاملات زهاوي الضريبية.
وقالت الكاتبة إن سوناك كان في بيته الواسع بمنطقته الانتخابية في نورث يوركشاير، عندما وصله تقرير سير لوري ماغنوس بعد الساعة السابعة صباحا من يوم الأحد، وفيه علم أن زهاوي قد خرق قواعد العمل الوزاري.
وكشف التقرير المكون من أربع صفحات، أن رئيس الحزب خرق قواعد العمل الوزاري في سبع مناسبات، بما في ذلك فشله في الكشف عن تعرضه لتحقيق من قبل مصلحة الضريبة في تعاملاته المالية ودفعه 5 ملايين جنيه كعقوبة.
ولم يستغرق تحقيق ماغنوس سوى ستة أيام، حيث وجد أن زهاوي “فشل في التعامل بانفتاح مع البرلمان والرأي العام” عندما رفض التقارير الإعلامية في تموز/ يوليو حول تحقيق مصلحة الضريبة ووصفها بـ”غير الدقيقة” و”غير المنصفة” وأنها “تشويه واضح” لسمعته.
واستنتج ماغنوس الذي عيّن بالمنصب في كانون الأول/ ديسمبر بعد تأخير طويل، أن زهاوي “أظهر قلة احترام للمبادئ التي تقوم عليها قواعد السلوك الوزاري، ولم يظهر سلوكا كزعيم منفتح وصادق خلال القضية”. وكان سوناك قد تعهد بقيادة حكومة تؤكد على “النزاهة والمهنية والمحاسبة في كل المستويات”، ولم يكن لديه أي خيار سوى عزل زهاوي بعد ساعة من تلقيه التقرير، وبعد إخباره مساعديه، ثم اتصل بزهاوي وأخبره أنه لم يعد في الحكومة، وفتح الباب أمام إعلان مقر الحكومة عن عزله في الساعة التاسعة صباح الأحد.
وتعلق الصحيفة أن سوناك تحرك بشكل حاسم عندما قرأ التقرير، لكن هناك شكوكا في أنه ومساعديه كانوا قادرين على معرفة الحقيقة بشأن زهاوي خلال عدة ساعات بعدما ظهر تحقيق مصلحة الضريبة.
وقال الوزير السابق في حكومة المحافظين مايكل بورتيلو، إن سوناك “ربما كان نادما على تصرفه عندما طلب تحقيقا بدلا من اتخاذ القرار بشكل مباشر”. وقال سير غريغ أوليفر، مدير اتصالات ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء السابق: “لم يعرف سوناك هذا الصباح أي شيء لم يكن يعرفه قبل أسبوع، وسيشعر بالندم لعدم قدرته على التصدي لبعض نواب المقاعد الخلفية” في البرلمان.
ويتعرض سوناك نفسه لأسئلة حول نزاهته، فقد أخبر مجلس العموم أن زهاوي “قد عالج الموضوع بشكل كامل” وذلك بعدما كشفت “الغارديان” أنه دفع جزاء مؤكدا، وقال “لا توجد قضية” تتعلق بالشؤون الضريبية لزهاوي.
ويريد رئيس الوزراء الذي خسر وزيرين في أول 100 يوم من توليه المنصب، تناسي الموضوع ووضعه وراء ظهره، لكنه سيواجه أسئلة حول متى وماذا كان يعرف بعد التقارير عن تحذير المسؤولين له أن تعيين زهاوي لن يكون في صالح سمعة الحكومة، وهو ما نفاه المسؤولون في 10 داونينغ ستريت. وسيتم طرح نفس الأسئلة في التحقيق الجاري بتصرفات دومينك راب، نائبه، ومزاعم تنمره على الموظفين، وهناك عدد قليل من المسؤولين في حزب المحافظين يعتقدون أن راب سيظل في الحكومة، وهو ما يعني خسارة سلطة سياسية لسوناك.
وستتشوه سمعة المحافظين أكثر في التحقيق الجاري بمجلس العموم حول كذب رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون على البرلمان بشأن فضيحة الحفلات أثناء جائحة كوفيد-19. ومحاولة سوناك بناء النزاهة في الحزب واستعادة ثقة الرأي العام به بعد سنوات من قيادة جونسون، مهمة صعبة. ففي عهد جونسون، تم التخلي عن الأعراف الوزارية والتسامح مع المخالفين. وفي الوقت الذي يعترف نواب حزب المحافظين بأن سوناك محق في محاولة استعادة الثقة بالحزب، إلا أن هناك اعترافا بينهم من أن الكثير من الأوكسجين قد بُدد في محاولاته التعامل مع فضائح وزرائه. فالتحقيقات بشأنهم منعته من حرف النقاش إلى خططه بشأن حل المشاكل المالية للبلد، ووضعه على الطريق الصحيح. وحرفت النظر عن محاولات الوزراء التعامل مع الصحة الوطنية، وكذلك استمرار الإضرابات العمالية. ففي الوقت الذي يكافح فيه الناس من أجل النجاة من الأوضاع المعيشية الصعبة، فالتركيز على وزير الخزانة السابق ومحاولته التهرب من دفع الضريبة، مضرّ بسمعة الحكومة، كما أن عدم اعتذاره وغياب الندم زاد من الضرر.
وتقول الصحيفة إن زهاوي لم يكن قادرا على تجنب مسألة الضريبة. وفي تقرير أعده جوش هوليدي، قال إن نائب منطقة ستراتفورد، أبون إيفون، طالما تحدث بفخر كنائب محافظ يمثل البلدة التي ولد فيها ويليام شكسبير.
وسقوط زهاوي السياسي هو مسرحية من خمسة مشاهد. فاللاجئ العراقي الكردي، وصل إلى بريطانيا في سن الـ11 عاما، وأنهى رحلته مطرودا من رئاسة حزب المحافظين.
ويشير سقوطه إلى رحلة تُوجت العام الماضي بمحاولة الترشح لقيادة حزب المحافظين ومعها رئاسة وزراء بريطانيا. ويظل زهاوي في بعض المقاييس واحدا من الساسة المثيرين للإعجاب في جيله. فهو مولود في كردستان العراق، ووصل إلى بريطانيا عام 1978 عندما فرّت عائلته من نظام صدام حسين، وكافح “ابن بغداد” كما أطلق زهاوي على نفسه للاستقرار في بريطانيا، وحذّر والديه من أنه قد يعاني من مشاكل في التعليم لعدم قدرته بداية على التحدث بالإنكليزية.
ولكنّه تجاوز هذه العقبات، ودخل في السياسة المحلية، حيث عمل عضوا في مجلس ووندسورث المحلي ، بجنوب غرب لندن لمدة 12 عاما. وعمل في نهاية التسعينات كمساعد للنائب المحافظ جيفري أرتشر الذي أشار لزهاوي بـ”الليمون الكردي”. وساعد زهاوي أرتشر أثناء حملته في انتخابات عمدة لندن عام 1999 والتي انتهت بفضيحة. وبعد عامين، سُجن أرتشر للكذب تحت القسم ولعرقلته مسار العدالة. وفي عام 2000، أنشأ زهاوي مؤسسة الاستطلاعات “يوغف” مع زميله المحافظ ستيفن شكسبير، وتم تسجيلها في البورصة بعد خمسة أعوام.
وتركزت الفضيحة حول تهربه الضريبي في بيع الشركة بمبلغ 27 مليون جنيه إسترليني، والتي كانت تملكها شركة بولشور للاستثمارات والمسجلة في جبل طارق، وتعود لعائلته.
وبعد انتخابه نائبا عام 2010، انضم للحكومة كوزير في وزارة التعليم أثناء حكومة تيريزا ماي عام 2018، لكن أسهمه ارتفعت في ظل حكومة بوريس جونسون الذي عيّنه وزيرا للقاحات أثناء الحملة لمواجهة انتشار فيروس كورونا، وكوزير للصحة في الفترة ما بين 2020 – 2021، قبل تعيينه وزيرا للتعليم في أيلول/ سبتمبر، حيث كلف بتنظيف الفوضى التي خلفها غافين ويليامسون.
وواجه الوزير أسئلة حول علاقته بشركة خارجية، ولكنه هدد باللجوء للقضاء، وكان في حينها وزيرا للخزانة، وأكد أنه “دفع كل الضرائب المستحقة”. وفي الحقيقة كان يتعرض لتحقيق من مصلحة الضريبة منذ نيسان/ أبريل 2021. ووافق في آب/ أغسطس على دفع 5 ملايين جنيه جزاء. وفي حزيران/ يونيو 2021، عقدت مصلحة الضريبة اجتماعا معه حول شؤونه الضريبية، ولكنه فشل في الكشف عنها، وزعم عدم معرفته بأن ما جرى كان تحقيقا.
وفي الأيام الأخيرة من حكومة جونسون، عُيّن وزيرا للخزانة ومسؤولا عن سياسات الضريبة، ومرة أخرى فشل في الكشف عن تضارب المصلحة، واتهم من حاول الحديث عن شؤونه الضريبية بأنه يريد تشويهه. وظل زهاوي في المنصب لمدة شهرين ما بين 5 تموز/ يوليو وحتى 6 أيلول/ سبتمبر 2022. وفي هذه الفترة، توصل لتسوية مع مصلحة الضريبة حيث دفع 5 ملايين جنيه في آب/ أغسطس 2022، كجزاء، ومرة ثانية لم يعلن عن الموضوع في سجله الحكومي. وفي الوقت الذي دفع فيه الجزاء، كان يحضّر نفسه للتنافس على قيادة المحافظين بوعد خفض الضريبة إذا تم انتخابه، وخرج من السباق في الجولة الأولى.
وعين زهاوي وزيرا بدون حقيبة في تشرين الأول/ أكتوبر، وبمسؤولية رئيس حزب المحافظين. في وقت قالت مصادر لصحيفة “أوبزيرفر” إن سوناك حذر من تعيينه، وأن سمعة الحكومة ستتأثر. وعزله بعد ثلاثة أشهر من تعيينه. وفي رسالة لسوناك، قال زهاوي “كان فخر حياتي” خدمة الحكومة. وأضاف: “وصلت إلى هذا البلد هاربا من الاضطهاد ولا أتحدث الإنكليزية، وهنا بنيت تجارة ناجحة وخدمت في عدد من المناصب العالية بالحكومة. واعتقد أنه لا يوجد بلد على الكرة الأرضية جعل من قصتي ممكنة ويؤكد اعتقادي بعظمة وعطف أمتنا”.
وستصدر مذكرات زهاوي “ابن بغداد: رحلتي من الوزيرية إلى ويستمنستر” نهاية العام، وربما كان لديه الوقت الكافي ليضيف الفصل الأخير من حياته السياسية إليها قبل صدورها، فالرحلة السياسية كأي رحلة انتهت بفضيحة.