الغارديان: كيف أغوت الأحزاب اليمينية الناخبين الشباب في أوروبا؟

حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”: ما زالت ارتدادات فوز اليمين في انتخابات البرلمان الأوروبي، مثار قراءات تبحث في الأسباب والنتائج، فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالا للكاتبة ألبينا أزمانوفا وهي مؤلفة كتاب الرأسمالية على حافة الهاوية، تقول فيه “لقد تخلى الشباب عن الأحزاب الرئيسية في الانتخابات الأوروبية التي جرت في نهاية الأسبوع الماضي وهي تحمل مؤشرا إلى أن مخاوفهم لم تُسمع ن لذلك لم يكن الأداء الجيد لأحزاب اليمين المتطرف مفاجئا، إذ تنبأت استطلاعات الرأي باستمرار بانتصارها الذي تحقق في الانتخابات حيث كان اليمين الشعبوي في حالة صعود في أوروبا – من خلال الانتخابات الديمقراطية – على مدى العقدين الماضيين.

وبناء على ذلك ترى الكاتبة أن التصويت في عام 2024 يشكل تتويجاً طبيعياً لاتجاه طويل الأمد…ولكننا رغم ذلك نشهد شيئاً جديداً يتمثل في العلامات الأولى للتمرد الشعبوي بين الشباب. ففي كل من الانتخابات الأوروبية والوطنية، أعطى الناخبون الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما دعمهم للأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب التجمع الوطني في فرنسا، وفوكس في إسبانيا، وإخوان إيطاليا، وتشيغا الألماني، وكفى في البرتغال، وفلامس بيلانغ في بلجيكا، وحزب الفنلنديين في فنلندا. ولا يؤدي خفض سن التصويت إلى 16 عاماً في النمسا وبلجيكا وألمانيا ومالطا، وإلى 17 عاماً في اليونان إلا إلى تضخيم هذا الاتجاه. وتضيف “أنه في ألمانيا، يتمتع حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف بشعبية لا مثيل لها بين الشباب، حيث حصل على دعم 17% من الشباب المقترعين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 إلى 24 عاما. ولم يهتف الطلاب الفرنسيون، كما فعلوا خلال الانتخابات الرئاسية عام 2017 ” لا لوبان ولا ماكرون، لا الوطني ولا الزعيم: نحن نستحق أفضل من ذلك”. وهذه المرة، أيد 32% من الشباب الفرنسي، بغض النظر عن جنسهم، التجمع الوطني. وكانت المكاسب كبيرة للغاية لدرجة أنها دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.

وتعتبر الكاتبة أن هذا يتناقض بشكل صارخ مع انتخابات الاتحاد الأوروبي لعام 2019 عندما دعم الناخبون الشباب بأغلبية ساحقة الأحزاب الخضراء – وهو ما يتوافق مع صورتنا للشباب باعتبارهم عالميين وليبراليين ثقافيا وقلقين بشأن الكوكب. وبعد خمس سنوات فقط، صوتوا لصالح القوى التي تريد التراجع عن الصفقة الخضراء وكبح جماح الاتحاد الأوروبي. وفي الواقع، تكبدت أحزاب “الخضر” خسائر فادحة في نهاية هذا الأسبوع. ويبدو أن حركة “أيام الجمعة من أجل المستقبل” تنتمي الآن إلى عصر مضى، وهي حركة المناخ الدولية التي يقودها الشباب والتي بدأتها غريتا ثونبرغ في عام 2018، عندما كانت آنذاك تلميذة في ستوكهولم.

من هنا تسأل الكاتبة ماذا حدث للشباب؟ لماذا هذا التغيير الدراماتيكي في الصميم؟ وعن ذلك تجيب بالقول: “إن الشباب في جميع أنحاء العالم يعانون من البؤس والقلق بشكل متزايد. وأشار تقرير السعادة العالمية لعام 2024 إلى أن الشباب حاليا أكثر تعاسة من الأجيال الأكبر سنا. ولكن في حين أن أقلية واضحة منهم تحشد جهودها ضد ظاهرة الانحباس الحراري العالمي والحروب البعيدة – وهي مصادر طويلة الأمد لقلق وغضب الشباب – فإن الأغلبية الصامتة من شبابنا تبدو منزعجة من نفس المخاوف المتعلقة بنوعية الحياة التي تحافظ على حياة الشباب. وتفيد التقارير بأن ارتفاع تكاليف المعيشة يشكل مصدر القلق الأكبر بالنسبة لـ 93 بالمئة من الأوروبيين، يليه خطر الفقر والاستبعاد الاجتماعي (82%). لكن في هذه الحالة، لماذا لا نصوت لليسار؟ وعن ذلك تبدي الكاتبة استغرابها مما حدث وتقول: “إن الدعم المتزايد لليمين المتطرف هو أمر غريب للغاية لأن الدراسات الاستقصائية تشير إلى أن المواضيع المميزة لليسار والمتعلقة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية أصبحت الآن أكثر أهمية بالنسبة للناخبين من القضية الرئيسية لليمين المتطرف أي الهجرة. ويبدو أن أجندة اليسار – التي تجمع بين الليبرالية الثقافية والعدالة الاجتماعية والعناية بالبيئة – تستجيب للعديد من مخاوف الشباب. ومع ذلك فإن الشباب الأوروبي يتخلى عن الأحزاب ذات الميول اليسارية.

وتوضح أن ما يعاني منه الشباب هو مصدر قلق جديد وهو عدم اليقين الاقتصادي، أو بالأحرى “انعدام الأمن المعيشي”. فإذا كان كبار السن يعيشون في خوف من فقدان الوظائف، فإن الأجيال الشابة تخشى أنهم لن يحصلوا على وظيفة أبدا ، بغض النظر عن عدد شهادات الماجستير التي قد يستثمرون فيها المال والجهد والأمل.

ويشير المقال إلى دراسة تمت هذا العام عن الشباب في ألمانيا، تظهر أن المخاوف بشأن الرخاء في المستقبل (وليس الشوفينية الثقافية) كانت الدافع وراء التحول نحو اليمين. وقد يؤدي تفاقم الفقر إلى تعزيز الرغبة في التغيير الجذري ودعم اليسار السياسي، ولكن الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية يغذي الغرائز المحافظة المتمثلة في الاستقرار والأمان.

هناك أيضا شيء آخر يلعب دوره هنا. فربما لا يبحر الشباب في السياسة بنفس البوصلة الإيديولوجية التي كان يستخدمها آباؤهم وأجدادهم حيث تشير الأسهم إما إلى القطب الأيسر من الليبرالية الثقافية والعدالة الاجتماعية أو القطب الأيمن من التقاليد الثقافية والحرية الاقتصادية.

وعلى الرغم من الطريقة التي ننظر بها عادة إلى “الأحزاب الشعبوية”، فإنها ليست محافظة ثقافيا بشكل موحد، ولا تتبنى السوق الحرة، كما يوحي تصنيفها بأنها “يمينية”. وعادة ما تجمع أحزاب مثل التجمع الوطني الفرنسي والحزب الهولندي من أجل الحرية، بين الولاء للقيم الليبرالية (من حرية التعبير إلى المساواة بين الجنسين) وبين النداءات من أجل السلامة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والجسدية. ومن الأمثلة التي جاءت في المقال هو الوعد الذي قطعته ماري لوبان في فرنسا لعام 2022 بإلغاء الضرائب على الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما ، وتقديم المساعدة المالية للطلاب العاملين وتعزيز فرص السكن الطلابي.

ويضيف المقال: إنها الليبرالية الغربية التي تضمن مثل هذه الأحزاب حمايتها من التهديد المفترض المتمثل (برأيهم) في التقاليد الإسلامية التي تزعم أنها معادية لتحرير المرأة وحقوق المثليين. وبالتالي، فهم يجمعون بين سمات الليبرالية الثقافية وكراهية الأجانب العنصرية في الدفاع عن “أسلوب الحياة الأوروبي”.

وعن ذلك يطرح السؤال: فهل تحول شباب أوروبا إذن إلى الرجعية؟ دعونا لا نتسرع في التوصل إلى هذا الاستنتاج بعد. في الوقت الحالي، كل ما يمكننا استخلاصه من ثورة الشباب الشعبوية هو أن التيار السياسي السائد لا يقدم إجابات مرضية لمظالمهم. كما أن وعود اليسار بالرخاء الشامل ليست مقنعة عندما تقارن بالتكلفة الاجتماعية المترتبة على “التحول الأخضر”. كما إن وعود اليمين المعتدل بتحقيق حياة مليئة بالإنجاز المهني والراحة الاقتصادية تصبح أقل قابلية للتصديق عندما توزن في مقابل سوق عمل يتسم بعدم الأمان. ويضاف على ذلك أن شعبوية الوسط السياسي، بإجاباتها السهلة وغير القابلة للتصديق، هي التي ربما تغذي الغضب المشروع بين الشباب. ومن الواضح إذن ما يتعين على البالغين القيام به وهو تحقيق التوازن بين سبل العيش المستقرة، والاستدامة البيئية، والحريات الثقافية للجميع. وما دامت مثل هذه الخطة غير موجودة، فإن الشباب في أوروبا سوف يصوتون لصالح الشيء التالي الأفضل – للقوى التي تملي عليهم كيف يحافظون على ما يملكونه بالفعل، مع المجازفة بخسارة ما يرغبون في أن يصبحوا عليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية